إن القرآن الكريم هو كتاب الله عز وجل الخالد الهادي للبشرية جمعاء، وهو الذي يستمد منه الشريعة التي ارتضاها الخالق لعباده، فيستمد الإنسان منها منهجه في الحياة في جميع ميادينها وبكل جزئياتها، وما ذلك إلا لسعة الشريعة وشمولها، وما كانت هذه السعة وهذا الشمول إلا لثباتها ومرونتها في ذات الوقت، فالثبات يتجلى في القواعد والكليات من مثل العقائد والأحكام والفضائل مما يثبت بقطعي القرآن والسنة. وهنا نتعرض لذكر بعض الشواهد القرآنية التي تؤكد على خاصية المرونة، ومنها: أولاً: التأكيد على مبدأ الشورى، كما في قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” آل عمران:159. وقاله تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” الشورى:38. وهي مبدأ إسلامي ثابت، وتتمثل المرونة هنا في أنه لم يُحدد شكل معين للشورى، ولا ما هي الصور والمسائل التي تجري فيها الشورى. ثانياً: التأكيد على قضية اليسر كما في قوله تعالى: “يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” البقرة:185. وتتمثل المرونة هنا في اليسر وعدم الحرج، “وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة”. وشرب الخمر، قال تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” المائدة:3 ثم إباحة ذلك عند الضرورة بقدر الحاجة من باب اليسر ورفع الحجر وهذا من المرونة. قال تعالى: “فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم” المائدة:3. وإذا كان القرآن الكريم أوضح لنا نماذج من شواهد المرونة، ونحو ذلك”. ومن أمثلة ذلك: أولا: احترامه وتقديره صلى الله عليه وسلم لوجهات النظر، وتتمثل مرونته صلى الله عليه وسلم في تقديره لكل وجهة نظر يبديها ذو رأي من أصحابه، فتجده صلى الله عليه وسلم يأخذ برأي الحُباب بن المنذر بن الجموح في يوم بدر، في مكان نزول الجيش ويأخذ برأي سلمان الفارسي رضي الله عنه في حفر الخندق. يروي ابن هشام قصة الحُباب ابن المنذر يوم بدر بقوله: “فَحُدثتُ عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أ رأيت هذا المنزل أ منزلاً أنزلكه الله، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، ثم أمر بالقُلُب فَعوّرَتٌ وَ بَنَى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمليء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية”. فقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم بمرونته في تقدير وجهة النظر للصحابي الجليل النصر والفتح للمسلمين. ثانياً: سعة الأفق وبعد النظر، تتمثل مرونته صلى الله عليه وسلم في عدم الإصرار على الجزئيات، التي قد يكون الإصرار عليها ضياع ما هو أهم منها، وما ذلك إلا لسعة أفقه وبعد نظره صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ما وقع في صلح الحديبية، إذ يروي ابن هشام قال: “دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ابن أبي طالب رضوان الله عليه، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُكتب باسمك اللهم، فكتبها، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك ؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ بن عبد الله سهيل ابن عمرو…”. ويعلق الأستاذ عبد الظاهر على هذه القصة بقوله: “أصر سهيل بن عمرو ألا يكتب علي بن أبي طالب بسم الله الرحمن الرحيم وأن يكتب بدلاً منها باسمك اللهم، وألا يكتب محمداً رسول الله بل محمد بن عبد الله، وقد وافق صلى الله عليه وسلم على ذلك في مرونة رائعة واعية حكيمة وقبل صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح شروطاً ظاهرها إجحاف بالمسلمين ولكن عاقبتها كل الخير والفتح المبين، وحقق صلى الله عليه وسلم بمرونته هذه وبعد نظره أكبر فتح في تاريخ الدعوة الإسلامية أوصلها إلى آفاق جديدة ومساحات واسعة فقد كان هذا الصلح مقدمة فتح بين يدي فتح مكة”. ثالثاً: مراعاة الأفهام، إن الإنسان قد يرغب في تحقيق مصلحة معينه، ولكن لعدم مراعاته لأفهام الناس فإن فعله لهذه المصلحة قد يوقعه في مفسدة عظيمة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلى عن بعض المصالح خشية الوقوع في المفسدة. ومثال ذلك ما أورده البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ”. قال ابن حجر العسقلاني موضحاً هذا المعنى: “ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه”. وعلق الإمام النووي على هذا الحديث بقوله: “وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم ؛ ولكن تعارضه مفسدة أعظم منها، فيرون تغيرها عظيماً،