إذا قال بعض الصحابة قولاً، وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر، وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهبُ في التكبير غداةَ يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شىء تذهب؟ قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس" . ولم يظهر خلافه . وقد صرح به أبو حفص البرمكي، فقال: "قال أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي : "أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال أبو حفص: فبان بهذا أن الصحابة إذا ظهر الشىء من بعضهما، ولم يظهر من الباقين خلافهم: أنه عنده إجماع. وبهذا قال الأثرم من أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان السرخسى والجرجاني . وهو أيضاً قول الأكثر من أصحاب الشافعي . ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: يكون حجة، ومن أصحاب الشافعي من قال: يكون حجة مقطوعاً بها، ولا يكون إجماعاً ؛ لأن الشافعي قال: "لا ينسب إلى ساكت قول" . وقال قوم من المتكلمين: لا يكون حجة . وحكي عن قوم من المعتزلة والأشعرية . أن الصحابي إذا قال قولاً، فلا يخلو من خمسة أحوال: إما أن [لا] يكونوا قد اجتهدوا. أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شىء يجب عليهم اعتقاده. أو أدى إلى خلاف القول الذي ظهر، ولا يجوز أن لا يكونوا قد اجتهدوا؛ لأن العادة إذا نزلت بهم نازلة أن يرجعوا إلى الظن والاجتهاد. ولأن هذا يؤدي إلى خروج الحق عن أهل العصر، ولأنه يؤدي إلى خلو العصر من قائم لله بحجة. لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يخلو عصر من الأعصار من قائم لله بحُجَّة) . وقوله -عليه السلام-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فلم يؤد [اجتهادهم] إلى شىء يجب اعتقاده في مدة العصر؛ ولأن ذلك يؤدي إلى خطأ الجميع في الاجتهاد، وعدولهم عن طريق الصواب وهذا لا يجوز. فلا يعتد بقولهم وبخلافهم. ولا يجوز أن يكونوا في تقية وفزع : لأنه إذا كان الأمر على هذا، فانه لا يحكم بانعقاد الإجماع، وإنما يحكم بذلك إذا سكتوا عمن لا يخالفونه ولا يتقونه. ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فأدى [اجتهادهم] إلى خلافه، فيكون ذلك إجماعاً على خطأ؛ والمقر على الخطأ مخطىء ولا يجوز أن يجتمعوا على خطأ ولا يجوز أن يقال: سكتوا مع اعتقادهم أن كل مجتهد مصيب؛ لأن المسألة مبنية على أن الحق في واحد، وعلى أن العادة جارية بأن من له مذهب، كما فعل أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة، وإذا جاز ذلك ثبت أن سكوتهم كان لرضا منهم بقوله. بأن سكوتهم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا في مهلة النظر، ويحتمل أن يكونوا معتقدين أن كل مجتهد مصيب. ويحتمل أن يكون ذلك لهيبة قائله، كما قال عبد الله بن عباس: (أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، وأخر من أخره الله ما عالت الفرائض. فقال زفر بن أوس : فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته) . لم يجز حمله على الرضا والاتفاق. والجواب: أن مهلة [النظر] لا تمتد إلى آخر العصر؛ فلا بدَّ من أن يصل إلى الحق.