أتناول في هذا المبحث الحديث عن حقيقة التوبة في اللغة ، ليتسنى لي الوصول إلي معرفة شروطها ،التوبة : مشتقة من الفعل ( توب ) ،1. الرجوع عن المعصية والذنب ، وهي لفظ يشترك فيه العبد والرب سبحانه وتعالي ويكون:أ‌. انه رجع إلي ربه عن المعصية ،ب‌. وإذا نسبت إلي الله تعالي يكون المعني ،2. ترك الذنب علي أفضل الوجوه . لقوله عليه الصلاة والسلام : " الندم توبة " .تعدت تعريفات العلماء للتوبة، كما يلي:أولا. وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلاً بين الإنسان ومحبوبة " ( ).ثانيا. وترك المعصية في الحال ، والعزم علي إلا يعود إلي مثلها وان يكون ذلك حياءً من الله " ( ).ثالثاً. عرف ابن كثير التوبة بأنها :" الإقلاع عن الذنب في الحاضر، والندم علي ما سلف في الماضي، والعزم علي إلا يعود إليه في المستقبل وان كان الحق لأدمي رده إليه بطريقه"( ). والإقلاع عنه في الحال ، والعزم علي إن لا يعاوده في المستقبل " ( ). عرف الجرجاني التوبة بأنها :" الرجوع إلي الله بحل عقدة الإصرار عن القلب ، ثم القيام بكل حقوق الرب ". ).شرح التعريف: ( ). قوله: " الرجوع إلي الله "، وخوفا من عقابه . وقوله :" حل عقدة الإصرار عن القلب ": قيد، وهذا يدخله في الأفعال المحمودة وترك الأفعال المذمومة .وقوله :" القيام بكل حقوق الرب ": قيد ثالث لان من ندم وترك الفعل ولم يؤد حقوق الله فليس بتائب .التعريف المختار:1. إن التعريف جامع لكل شروط التوبة .2. قيام المذنب بفعل الطاعات والحسنات مكملاً بردها إليهم وتحصيل البراءة منهم. وحكمة مشروعيتها ثبتت مشروعية التوبة بالكتاب، والإجماع، والمعقول، كما يلي :أولا. القران الكريم : ومنها :الآية فيها دليل علي وجوب التوبة وهي الرجوع عن المعصية ( ). قال تعالي لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( ).3. قال تعالي إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ). ( )الآية فيها دليل علي توبة الله للعبد إذا امن وعمل صالحاً فان الله عز وجل غفار له.5- قال تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. )الآية فيه دليل وجوب التوبة النصوح ، ( )ثانيا . ومنها :1. ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" يا أيها الناس توبوا إلي الله فاني أتوب في اليوم مائة مرة " . ( )وجه الاستدلال : الحديث فيه دليل علي مشروعية التوبة ،وجه الاستدلال :3. ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : " من تاب قبل إن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه "( ). ومشروعيتها لمن اقترف المعاصي قبل ظهور علامات الساعة الكبرى، وأولها طلوع الشمس من المغرب . ما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فستغفرون الله، فيغفر لهم. وسعة رحمة الله بعباده،ثالثاً . أجمعت الأمة علي أن التوبة مشروعة منذ عهد عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا، ( )رابعاً . المعقول : فلا يسلم من هذا النقص احد من البشر ،لقوله عليه الصلاة والسلام :" كل أبن أدم خطاء، وعظيم عفوه، وغفرانه للتائبين؛ لقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ( ). ثانيا. الإنابة إلى الله والرجوع إلية في كل الأحوال . ثالثا. تشجيع المسلم على العمل الصالح ، وتغيير الواقع إلى الأفضل ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين( ). رابعا. إن التوبة تذكر المسلم بتهذيب نفسه، وكثرة الاستغفار. إن التوبة سبب في توسعة الرزق، وكثرة المال والولد . سادسا. التوبة سبب في البركة، والخروج من كل مأزق.المبحث الثاني : أجمع الصوفية وتوافقوا علي أن مقام التوبة أول منازل السالكين ، قلت : رحمك الله ، ما أول ما أبتدئ به الطريق إلي الله ـ عزوجل ـ ؟ قال : الرجوع إلي الله تعالي ، من حيث أراد ذكره كما قال سعيد ابن جبير (ت:95 هـ)* : في قوله عزوجل " فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" ( )،وما أخرجه الطوسي(ت:378هـ)*: قال أبو يعقوب يوسف بن حمدان السوسي رحمه الله : أول مقام من مقامات المنقطعين إلي الله تعالي التوبة . وفي هذا إشارة إلي ما ذكره ابن عطاء الله السكندري (ت:707هـ) إلي أكثر من هذا فيقول :" أول المقامات التوبة ، لا يقبل ما بعدها إلا بها " ( ) ومن هذا المنطلق كان للتوبة أهميتها في التدرج في طريق التكمل الروحي لا يجعلها أول المقامات فقط ، هذا فضلا عن أنه "قد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة علي وجوب التوبة " ( ) التوبة هي الرجوع إلى الله، و تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه ، ويجب تعجيل التوبة حتى لا تصير المعاصي راناً وطبعاً لا يقبل المحو ، ومن يدري لعل العبد يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.فَمَعْنَى قَول الْجُنَيْد أَن تخرج حلاوة ذَلِك الْفِعْل من قَلْبك خُرُوجًا لَا يبْقى لَهُ فى سرك أثر حَتَّى تكون بِمَنْزِلَة من لَا يعرف ذَلِك قطّ "( ) فالتوبة عن الذنوب بالرجوع إلي ستار العيوب ،وعلام الغيوب ، مبدأ طريق السالكين ورأس مال الفائزين ، وأول إقدام المريدين ، ومفتاح استقامة المائلين ،ومطلع الإصطفاء والإجتباء للمقربين "( ) ذلك ولأن التوبة سر من أسرار النجاة من عقاب الله وعذابه ، وذلك ما أورد ابن أبي الدنيا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، وَكُنْتُ لَهُ نَاصِحًا، وَكَانَ مِنِّي مُسْتَمِعًا، فَقَالَ: " يَا إِبْرَاهِيمُ بَلَغَنِي أَنَّ مُوسَى قَالَ: " إِلَهِي، وَيُبَلِّغُنِي رِضْوَانَكَ وَيُنْجِينِي مِنْ سَخَطِكَ؟ قَالَ: الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالنَّدَمُ بِالْقَلْبِ، وَالتَّرْكُ بِالْجَوَارِحِ"( ) التوبة منة وفضل من الله يمن بها على من يشاء من عباده فهو التواب الرحيم، التوبة امتحان للتائبين ليُعرف الصادقون والكاذبون ،التوبة ميلاد جديد وانطلاقة إلى عهد مديد فهي حياة شعارها الحياة مع الله ،إنها حياة شعارها الحياة مع الله . وبالنظر فيما صنف القونوي نحاول أن نستوضح مفهوم التوبة عند القونوي ،إذ يقول مبينا أن مقام التوبة ـ كما وضحنا ءانفا ـ أول مقامات السالكين . فالتوبة إذن رجوع عما تاب منه إلي ما تاب إليه ، فالتوبة الحقة هي الرجوع الي الله تعالي ، وإلي فعل ما أمر الله به ، لأنه بالتوبة تبدل السيئات حسنات ، وينال العبد ما عند الله من الدرجات العلي .قال الله تعالي :" إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( ) قال السلمي في تفسيره :" التوبة هي الندامة أولا والإقلاع والتحويل من الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة ، ولا تصح التوبة له حتى يلزم نفسه الصمت وحتى يلزم نفسه الخلوة ، ولا تصح له الخلوة إلا بأكل الحلال ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق الله ، ولا يصح له أداء حق الله إلا بحفظ الجوارح ، قال القشيري : " ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم .ويقال يمحو ذِلَّة زَلاَّتِهِم ، ويثبت بَدَلَها الخيرات والحسنات" ( ) وما أورده القونوي في باب التوبة قوله: وقال (ذو النون المصري)( ) توبة العام من الذنوب، وتوبة الخاص من الغفلة،