الخُطْبَةُ الأُولَى: الحمد لله ربِّ العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤمنَ والكافرَ، وغَمَرَه فضلُه وإحسانُه، (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)[الأعراف: 156]، وقال -سبحانه-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ)[التوبة: 71]، ويَشْمَلهم بإحسانه. وأخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن عظيمِ رحمةِ الله بخلقه، فقال: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ"(رواه البخاري). فمِنْ رَحْمَةِ الله بعباده: أَنَّهُ أَنْزَلَ إِلَى الْأَرْضِ رَحْمَةً وَاحِدَةً، نَشَرَهَا بَيْنَ الْخَلِيقَةِ لِيَتَرَاحَمُوا بِهَا، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ وَالْبَهَائِمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَبِهَذِهِ الرَّحْمَةِ قِوَامُ الْعَالَمِ وَنِظَامُهِ، وَأَخَّرَ اللهُ -تعالى- تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقد أمَرَ الرحمنُ عبادَه المؤمنين بالنَّظرِ إلى آثار رحمته في الخَلْقِ والمخلوقات: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)[الروم: 50]، حيث أرسل في خلقِه كُلِّهم رحمةً واحدة، ونَشَرَها في خليقته، ولا لتقدير سعتها غاية، وأصفياءُ الرحمن وأولياؤه، وعَمَلِهم الصالح. ومن رحمته -تبارك وتعالى-: أنْ جَعَلَ أرحمَ ولدِ آدمَ وأرأفَهم محمداً -صلى الله عليه وسلم- سَيِّدَ الشُّفعاء. فلا يشعفون إلاَّ لِمَن ارتضى. ومع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفاً، ثم يُزاد عليهم -تَفَضُّلاً وتَكَرُّماً- ثَلاَثُ حَثَيَاتٍ بِكَفَّي الرَّحمن. فلا يَثْقُلُ معها شيء. ولا مَطْمَعٌ في رجاء، أخرجَ الرحمنُ برحمته مَنْ لم يفعلْ خيراً قطُّ من أهلِ التوحيد؛ فَهُمْ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ. وهذا من أعظم آثار الرحمة ومقتضياتها، وهو الذي يَلِيقُ بأرحم الراحمين، وحِكْمَةِ أحكمِ الحاكمين، ولم يكتبْ عليه الغضبَ، ولم يَسَع الغضبُ كلَّ شيء. ومن رحمته: أنْ فَتَحَ بابَ الرحمةِ على مصراعيه، واللُّجوءِ إليه، وعرَّفهم به، ودلَّهم على الطريق إليه، وسدَّ السُّبُلَ إليه. ومن رحمته: أنْ بَسَطَ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. ومن رحمته: أنَّه يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ على عِبادِه -جوادًا كريمًا، غفورًا رحيمًا- إذا بقي ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ وذلك حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وهو أرحمُ الراحمين، فلا يَيْأَسُ من رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ، ولا يَقْنِطُ من رحمته إلاَّ الخاسِرُون الضَّالُّون. وأمَنَّ عطاءَه وفَضْلَه!، فلو تَقَرَّبَ منه العبدُ شِبْرًا تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعًا، ولو تَقَرَّبَ مِنه ذِرَاعًا تَقَرَّب مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَاه يَمْشِي أَتَاه -سبحانه- هَرْوَلَةً، لَقِيَه سبحانه بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً. وَمِنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لِلذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ أُنْثَى مِنْ جِنْسِهِ، وَأَلْقَى بَيْنَهُمَا الْمَحَبَّةَ وَالرَّحْمَةَ؛ لِيَقَعَ بَيْنَهُمَا التَّوَاصُلُ الَّذِي بِهِ دَوَامُ التَّنَاسُلِ. وَلَوْ أَغْنَى بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُمْ، ثُمَّ عَمَّ الْجَمِيعَ بِرَحْمَتِهِ. ويَتَرَعْرَعون، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وبثَّها بين عِباده، لِيَرْحَمَهم بها في الآخِرَة، وهذه الرَّحمةُ أعدَّها الله -عز وجل- لِمَنْ يَسْتَحِقُّها من عِباده، كما في قوله -تعالى-: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)[الأعراف: 56]. الخطبة الثانية: مَا نَفَعَكُمْ شَيْءٌ"(حسن، ويقول أيضاً: "أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، رواه أبو داود)، والمقصود بـــ"الأُمَّةِ" هُنا: غالِبُها؛ لِلْقَطْعِ بأنه لا بُدَّ من دخول بعضِهم النار لِلتَّطْهِير، فالأُمَّةُ مرحومةٌ بمجموعها، والجنةُ هي دار المَرْحُومين، وهي رحمةُ الله -تعالى-؛ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، واسْتِكْبارِهِم عن عِبادةِ رَبِّهم، قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: "آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ"، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ"(صحيح، رواه الترمذي). يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"(صحيح، رواه الترمذي)، وفي رواية: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ"(رواه البخاري)، وقال: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ"(حسن،