هذا المنهج الإسلامي في التربية منهج كامل متكامل, لا يعتريه نقص ولا يكتنفه غموض؛ لأنه منهج سماوي منزل من لدن حكيم خبير، وهو منهج يتعهد الإنسان منذ ولادته حتى يلقى خالقه, ولذلك فهو متميز بالشمول لكل ما يسعد الإنسان في حياته في الدنيا وفي الآخرة، فهو يشمل النفس الإنسانية كلها في جميع حالاتها ومعاملاتها, ويحدد لها حقوقها وواجباتها, كما يبين للإنسان ما ينتظره بعد الحياة من حساب وثواب أو عقاب. ثم إن هذا المنهج حظي بالتطبيق الأمثل على يد سيد ولد آدم محمد -صلى الله عليه وسلم, ونقله الصحابة إلى التابعين من بعدهم, ففتحوا به البلاد, وأصلحوا به حال العباد, وضربوا للناس أمثلة عالية في الأخلاق والمعاملات, تخرج على أيديهم جمهرة عظيمة من العلماء من العرب وغير العرب, لا تزال أسماؤهم تلمع في سماء الفكر, والتاريخ ينقل إلينا ما يبدأ منهج الإسلام التربوي بالتوحيد، وأن الدين عند الله الإسلام، وأن وظيفة الإنسان رجلا كان أو امرأة هي العبادة؛ وإن كثيرا من الناس في هذه الأيام قد تغيب عن أذهانهم هذه الحقيقة؛ بل هو من العبادة؛ لأن الله أمرنا به فقال: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} , فلا تترك الفرائض بحجة أننا نعمل، والله يقول: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} . فليجعل المسلم شعاره دائما العبادة أولا. ومن هذا المنطلق يكون هدف المسلم هو تعظيم شعائر الله -عز وجل، فإذا ما أقبل على الزواج يضع في اعتباره أنه يتزوج عبادة لله، وهو في هذا الأمر يرغب في أن يهبه الله ذرية تسبح بحمد الله وتعبده وحده لا تشرك به شيئا, من أجل ذلك يبحث عن المرأة الصالحة ذات الدين؛ لأنها ستكون المنبت الصالح لأبنائها الذين تلدهم, وتقوم على تربيتهم ليكونوا مؤمنين صالحين, وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "تنكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها, فاظفر بذات الدين تربت يداك" ٢. وقال أيضا: "تخيروا لنطفكم, فإن العرق دساس" رواه ابن ماجه. كما حذر -عليه السلام- من أن يزوج الرجل ابنته من ظالم أو فاسق أو مبتدع أو شارب خمر، وتعرض لسخط الله, فقال -صلى الله عليه وسلم: "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها". فإذا أراد الرجل أن يزوج ابنته فعليه أن يختار لها من عرف بالصلاح والتقوى, ونشأ في أسرة عرفت بالصلاح والتقوى, حتى يصون المرأة ويتقي الله فيها١. وهناك آداب سامية في شأن النكاح أثرت على النبي -صلى الله عليه وسلم, كأن يجعل المسلم زواجه في المسجد, واجعلوه في المسجد, واضربوا عليه بالدفوف" ٢. وفي هذه المناسبة ينبغي تهنئة الزوجين والدعاء لهما, وبارك عليك, وجمع بينكما في خير" ٣. وعلى الزوج أن يحصن نفسه وزوجه وولده من الشيطان إذا دخل على زوجته وعاشرها, وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قضى الله بينهما ولدا لم يضره الشيطان" ٤. وحض المسلمين عليه, فليستن بستني"١، فإنه له وجاء" ٢. وطلب الرسول من كل مسلم التيسير في أمر الزواج، وأن يسارع المسلمون بتزويج المؤمنين الصالحين, وقال -صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه, إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" ٣. ومن هذا الحديث نعلم أن الزواج يجب أن ينهض على أساس الدين, حتى تنشأ الذرية المسبحة بحمد الله. فهي لها وبها ومعها، وليس من طبيعتهما الخلاف والشقاق، بل من أصل طبيعتها التآلف والتراحم والوفاق، والقرآن الكريم يقول: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} ٤. ويقول الرسول -صلوات الله وسلامه عليه: "إنما النساء شقائق الرجال". وسعادة بيت الزوجية تتوقف على تحقق التوافق بين الزوجين في التفكير والتصرف والعمل والاعتقاد، أو انحرف الرجل, تسربت عوامل الهدم إلى البيت، وهذا هو القرآن المجيد يقص علينا صورا من هذا الخلاف الذي أدى إلى شقاء الزوجات حينا، وإلى شقاء الأزواج حينا آخر، فيقول: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين، وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين} ١. توخي الحذر في هذه الأيام من نكاح غير المسلمات: ولهذه الأهمية نهى القرآن الكريم المؤمنين عن الزواج بالمشركات, أو تزويج المشركين للمؤمنات, بقوله -سبحانه وتعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} . والسبب الذي لأجله كان بينته الآية: {أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} [البقرة: ٢٢١] . أما الزواج من الكتابيات -يهودية كانت أو نصرانية- فلأن لها كتابا سماويا, فهي في الأصل مؤمنة قبل التحريف والتبديل الذي فعلته الأيدي الآثمة في كتب الله المنزلة، وكما أنه يرجى بالزواج منها أن تتعرف إلى الإسلام، وضعف حال المسلمين، ولم يعد لكثير من فإنني أرى أن لا يتردد أهل الفتوى بمنع أبناء المسلمين من الزواج من الكتابيات، وذلك لتغير الزمان وتبدله، حيث أصبحت النساء الكافرات من أهل الكتاب يعملن على صبغ أبنائهن بطابع حياتهن المنحرفة، والتي هي بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام. فإذا حدث طلاق أو وفاة بين الزوجين، عاد الأولاد إلى أمهاتهم، لا يرجى فيهن خيرا، وفي المسلمات غنى عن الكافرات، مع ملاحظة أن أغلب نساء أهل الكتاب في هذا الزمان أصبحن ملحدات وثنيات في غالب الأحيان"١. و"تقوم الأسرة في نظام الإسلام الاجتماعي على اشتراك الرجل والمرأة في شركة مؤسسة على الرضا والقبول مع اشتراط التكافؤ. والزواج كمسألة شخصية شأنه شأن أي علاقة بين شخصين, يستند إلى تفاهم يقوم بين طرفيه، بحيث يتعذر أن يحكمه قانون عام أو إطار نمطي محدد، ولكن على الرغم من هذا, فإنه لا بد من قانون عام يحكم أمر هذه العلاقة، والإسلام كنظام عام يحيط بحياة البشر, لا يمكنه إلا أن يضمن على الأقل الحدود العامة التي لا يجب تجاوزها, مع إفساح الفرصة لتدخل العوامل الشخصية الخاصة إلى جانبها وما دامت هذه العلاقة لا تقوم في نظر الإسلام إلا على أساس من الاختيار الحر من الطرفين, فإن كلا منهما يكون مسئولا عن النهوض بالتزاماته في الشركة استنادا إلى هذه الرغبة الحرة التي دعته إلى إقامة العلاقة ابتداء, واستنادا إلى ما يجب توفره بينهما من محبة وألفة وود ومعرفة للفضل وتقدير للعشرة، وقد شرع القرآن الزواج وسمى عقدته ميثاقا غليظا, فقال: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} , وجعل كل زوج منهما لباسا للآخر فقال: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} ١, وقد رغبت تعاليم الإسلام في الزواج وحث عليه القرآن فقال: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} ٢, وهناك كثير من الأحاديث النبوية التي تحض على الزواج وتدعو إليه, وكثير من الأحاديث التي توضح مسئولية الزوجين عن رعاية النسل. ونحن نعرف أن هذا الابن مات كافرا، وأن أثر الأم واضح في شخصيته, فامرأة نوح كافرة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} [التحريم: ١٠] . وقال في شأن امرأة لوط التي خانت زوجها وانحازت إلى قومها المنحرفين: فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [النمل: ٥٧] {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم} [هود: ٨١] . وقد روى القرآن الكريم قصة الابن العاق الذي دعاه والداه إلى التوحيد فأهانهما ورفض أن يدخل في دين الله الحق, فقال تعالى: {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين} [الأحقاف: ١٧] . فهذه الآية تدل على تعاون الأم مع الأب في تنشئة أولادهما تنشئة دينية صحيحة"١. روي أن محمد بن عبد الرحمن الأوقص القاضي, فإنه يتم النقيصة ويرفع الخسيسة، فنفعني الله بقولها, تعلمت الفقه فصرت قاضيا٢. مما فيه كثير الهداية والسداد لشباب هذا الدين، ولا تجد مثل هذا التراث في دين آخر غيره، ومنها ما يتعلق بهذا الباب، حيث ينصح الشباب من الجنسين؛ فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون شيئا منهن غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة, فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح, فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا, ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا, فأما حقكم على نسائكم: فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ولقد حصر الإمام الغزالي آداب المعاشرة الزوجية في عشرة أمور, نوجزها فيما يلي. وطعام الثاني سنة, وطعام الثالث سمعة, ومن سمع سمع الله به". الأدب الثاني: حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن لقصور عقلهن, وقال في تعظيم حقهن: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} ، ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها, عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم, وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل، فقال: أتراجعيني يا لكعاء, فقالت: إن أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يراجعنه وهو خير منك، خسرت إن راجعته, ثم قال لحفصة: لا تغتري بابنة أبي قحافة, فإنها حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وخوفها من المراجعة. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: تكلمين أو أتكلم, فلطمها أبوها أبو بكر حتى دمي فوها, أويقول غير الحق؟ فاستجارت برسول الله -صلى الله عليه وسلم, وقعدت خلف ظهره، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "لم ندعك لهذا, ولا أردنا منك هذا". ويقال: إن أول حب وقع في الإسلام حب النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها. وكان يقول لنسائه: "لا تؤذوني في عائشة, فوالله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ١. الأدب الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزاح والملاعبة, وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمزح معهن, وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق, حتى روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يسابق عائشة في العد, فقال -عليه السلام:" هذه بتلك" ٢. وقالت عائشة -رضي الله عنها: "سمعت أصوات ناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء, فأرسل إليهم فجاءوا, فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعت ذقني على يده، مرتين أو ثلاثا, ثم قال: "يا عائشة حسبك" , فقلت: نعم, فأشار إليهم فانصرفوا"١. فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلا٢. الأدب الرابع: أن لا يتبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها, إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها، بل يراعي الاعتدال فيه, فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرا, بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض؛ وسمى الزوج سيدا, فقال تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب} سورة يوسف, فإذا انقلب السيد مسخرا, فقد بدل نعمة الله كفرا. قال -عليه السلام: "لا يفلح قوم تملكهم امرأة" ٣. وقال -صلى الله عليه وسلم: "إن من الغيرة يبغضها الله -عز وجل فإن بعض الظن إثم, وأما الغيرة في محلها لا بد منها, وهي محمودة, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يغار، والمؤمن يغار, وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل ما حرم عليه" ٢. وقد ورد في الأثر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "رأيت ليلة أسري بي في الجنة قصرا وبفنائه جارية, فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله" ٣. الأدب السادس: الاعتدال في النفقة: فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق, ولا ينبغي أن يسرف، بل يقتصد, قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال تعالى أيضا: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} الإسراء: ٢٩. وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك, وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير صريح إذن من الزوج، ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه, فإن ذلك مما يوغر الصدور، ويبعد عن المعاشرة بالمعروف. وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته, فقد قال سفيان -رضي الله عنه: إن الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة، وأهم مايجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال, فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها. الأدب السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب، وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى, فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة, ويزيل عن قلبها كل بدعة, ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين, الأدب الثامن: إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن، فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن, كذلك كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم. الأدب التاسع: في النشوز, ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما, ولا يقدر على إصلاحها, فلا بد من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها؛ لينظرا ما بينهما ويصلحا أمرهما {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} , وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة، فالرجال قوامون على النساء، فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهرا, كذا إذا كانت تاركة للصلاة, فلهو حملها على الصلاة قهرا, ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها, وهو أن يقدم أولا الوعظ والتحذير والتخويف, بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظما, ولا يدمي لها جسما، وقد قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما حق المرأة على الرجل, قال: يطعمها إذا طعم , ويكسوها إذا اكتسى, ولا يقبح الأدب العاشر: وهو أدب الجماع إذ يستحب أن يبدأ باسم الله تعالى, ويقرأ قل هو الله أحد أولا, اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي, وليغط نفسه وأهله بثوب، وليقدم التطلف بالكلام والتقبيل, ويكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر؛ الأول والآخر والنصف، تحقيقا لأحد التأولين من قوله -صلى الله عليه وسلم: "رحم الله من غسل واغتسل"٢. إن السنة النبوية الطاهرة قد أوضحت لنا مكانة الحياة الزوجية, وبينت واجب الزوج، وها قد تلاقى الزوجان وتعارفا وأتلفا، وينفق من سعته، والزوجة تستعين ربها فتطيع زوجها فيما شرع الله، بيته، وترعى ما ساق الله إليها من ذرية. وخلقها من نفسه, وأعدها ليجد في رحابها الأمن والسكن، وجعل بينهما ألفة ومودة وتراحما ومحبة {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ، ومن واجب الرجل أن يتدبر ذلك، ويفكر فيه, ومن الخطأ الفاحش أن يظن الرجل أن زوجته ليست إلا خادمة له يتصرف فيها كما يريد، بل يقول الرسول -صلوات الله وتسليماته عليه: "النساء شقائق الرجال" , فالزوج هو رجل البيت، وإليه ينسب الأولاد، وهو ولي الأسرة والناهض بتبعاتها، والمرأة هي شريكة حياته ومستودع سره وأم أبنائه، وراعية بيته وشئونه، فبينهما من الوشائج والذمم ما يجب أن يرعى ويصان. وهذا هو القرآن الكريم يذكر المرأة حين يذكر الرجل، ويندبها معه إلى صفات الكمال ومحامد الفعال، وحسبنا هنا هذه الآية الكريمة التي عددت الصفات المميزة للأمة المسلمة, فأطلقتها على الرجال والنساء: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} . فهي مأمورة بأن تعمل، وهي موعودة من الله أن تنال الجزاء على هذا العمل، وهو يصرح بأن الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل؛ لأنهما من أصل واحد؛ لأن بينهما وثيق اتصال واتحاد, يقول: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران: ١٩٥] . ولذلك كان من اللازم لسعادتها وسعادة من معهما أن يتعاونا معا بصدق وإخلاص، ليحققا المعيشة الهانئة السعيدة، وعلى الأسرة كيانها واطمئنانها. وأول الأمور التي يقتضيها التعاون بين اثنين هو أن يخفف كل منهما من غلواء أنانيته وأثرته، وينهنه من استجابته لأهوائه ورغباته، فكيف إذا كان هذا التعاون بين زوجين ارتبطا برباط الزواج المقدس بعد تفاهم وتآلف، وأصبحا قلبين متجاوبين، يعمران دارا واحدة، ويسعيان في وجهة واحدة؟ ١. من صدق التعاون بين الزوجين ألا يتطلع أحدهما إلى الاعتداء على حق الآخر واختصاصه أو ميدان عمله، ولقد روي أن أم سلمة قالت للنبي -صلوات الله وسلامه عليه: ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال، فيكون لنا من الأجر مثل حالهم، فقرأ قول الله سبحانه: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما} [النساء: ٣٢] . إعداد البيئة الصالحة لنشأة الطفل قبل الميلاد: وفيها يوجه الإسلام عنايته إلى الطفل قبل ولادته؛ حيث يتم إعداد البيئة الصالحة لنشأة الطفل, وذلك عن طريق الرجل والمرأة اللذين هما سبب النشأة، فيرشد كلا منهما إلى حسن اختيار الزوج, حتى يضمن السلامة لهذا المولود قبل أن يولد، كما يبين لكليهما علة الزواج, وهي أن الزواج الغرض منه عمارة الأرض, وعمارة الأرض إنما تكون بالنسل الصالح المؤهل للخلافة؛ بمعنى أن هذا المولود الناشئ يصلح لخلافة الله في أرضه, فيؤدي ما أمر الله به, وينتهي عما نهى الله عنه, وفي ذلك يقول الحق -تبارك وتعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض} وقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} ١ وقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ٢, قال ابن عباس: "المودة: حب الرجل امرأته، والرحمة: شفقته عليها أن يصيبها بسوء"٣. وعلى أساس المودة والرحمة تنشأ الأجيال الصالحة من الرجال والنساء, ويتحقق معنى خلافة الإنسان لله في أرضه، ولا يتحقق هذا المعنى إلا في الرجل المتدين الذي يمتثل لأوامر الدين. وفي ظل هذه المودة والرحمة يأتي دور الإنجاب والذرية؛ حيث يقول الله تعالى: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} ٤ أي: أن الكثرة الناشئة عن الزوجية, هي كثرة متسلسلة في أجيال متعاقبة من الأولاد والأحفاد، فهم فروع الأسرة وفروع فروعها, وينظر الإسلام إلى هذا النمو على أنه ليس نموا عدديا فقط, وإنما هو مع ذلك نمو في العلاقة بين أفراده, فمهد لها السبيل إلى الاطراد في جو من الاطمئنان والمودة والرحمة، ونلخص مظاهر هذا الاهتمام فيما يلي: قلنا: إن الرجل ينبغي أن يحسن اختيار من تشاركه حياته؛ فهي المدرسة الأولى التي يتعلم منها الطفل, كما قال حافظ إبراهيم: الأم مدرسة إذا أعددتها . أعددت شعبا طيب الأعراق وقال أيضا: وإذا النساء نشأن في أمية . بأن يحسن اختيار زوجته أولا؛ لأنه سوف يرث الأولاد عنها كثيرا من المزايا والصفات، في أحضانها تنمو عواطف الطفل وتتربى ملكاته، فأوضحت السنة حسن اختيار ذات الدين, صاحبة الأصل الطيب, كما قد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الاغترار بالمال والجمال عند الإقبال على الزواج, فقال: "لا تزوجوا النساء لحسنهن, فعسى حسنهن أن يرديهن، لا تزوجهن لأموالهن, فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين"١. وذلك أول تحصين لضمان سلامة الذرية من سوء الحضانة، أما ثاني التحصينات فتكون عند معاشرة الزوجة ومباشرتها عند الجماع، فإذا أتى الرجل امرأته يستحب أن يبدأ باسم الله تعالى, ويقرأ قل هو الله أحد أولا, ثم يكبر ويهلل, اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي, فإذا أدى ذلك الزوج فقد استبرأ لدينه وعرضه, وإذا رزقه الله مولودا كان من الذرية الصالحة إن شاء الله تعالى. فإن الأم المرباة على خلق فاضل ودين, هي الجديرة بإنبات أطفال أسوياء أصحاء النفس والملكات والقدرات، وأول إحساني إليهم تخيري . فأحضر عمر الولد وأنبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين, أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أنينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب "القرآن", قال الولد: يا أمير المؤمنين؛ إن أبي لم يفعل شيئا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلا "أي: خنفساء", ولم يعلمني من الكتاب حرفا واحدا, فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك، قد عققته قبل أن يعقك، ويشبه الأم الجاهلة الخالية من الدين والخلق بالصحراء التي لا ماء فيها، ومن ثم يكون النبت الناشئ بها شوكا لا خير فيه، وفي المقابل يشبه الأم المؤدبة التي يزينها الخلق والدين، بالروضة الخصبة الغناء، فلا شك أن النبت بها سيكون نضرا طريا يرجى خيره، فيقول: وليس النبت في جنان . كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجى لأطفال كمال . إذا ارتعضوا ثدي الناقصات١ وكما حرص الإسلام على توجيه نظر الشباب إلى اختيار زيجات قائمة على خلق فاضل ودين صحيح, والدين الصحيح زوجا لهن، وهذا هو الإمام الترمذي يروي لنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه خلقه فزوجوه, يدخل فيهما توريث الأب الفاسد الخالي من الخلق والدين، ما عنده من ضعف وفساد لأبنائه، ولو على أقل تقدير، بالقدوة وضرب المثل، حيث إن من شأن الصغار تقليد الكبار والنقل عنهم، وعند ذلك سيكون نقلا أسود غير مأمون العاقبة"٢. آداب استقبال المولود] وجه الإسلام الآباء إلى استقبال ميلاد الطفل بتكبير الله وتوحيده، ليكون ذلك عهد بالإيمان, لأن سماع هذه الكلمات من جانب المولود يضعف تأثير الشيطان عليه، وقد رتب الإمام الغزالي في آداب الولادة خمسة أمور: أولها: أن لا يكثر فرح الزوج بالذكر عن الأنثى, فإنه لا يدري الخيرة له في أيهما، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له، أو يتمنى أن لا يكون بنتا، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: $"من كان له أمة فأحسن تأديبها, وغذاها فأحسن غذاءها, وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه, كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة"٢. أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: وثنتان يا رسول الله؟ قال: ثنتان، فقال رجل: أو واحدة؟ فقال: وواحدة"٣. ثانيها: أن يؤذن في أذن المولود، فقد رى رافع عن أبيه قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمه -رضي الله عنها, ليكون ذلك أول حديثه، ثم الختان في اليوم السابع. وقال -صلى الله عليه وسلم: "إذا سميتم فعبدوا", وقال -صلى الله عليه وسلم: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"،