الاستثمار الاستثمار investment هو إنفاق ذلك الجزء من الدخل الذي لا يخصص لشراء السلع والخدمات التي تفي المتطلبات الاستهلاكية مباشرة بل الذي يؤول إلى زيادة وسائل إنتاج تلك السلع والخدمات. لذلك فإن المفهوم الاقتصادي لكلمة «استثمار» يختلف عن المعاني الشائعة التي يتناقلها الناس لهذه الكلمة. وبناء على ذلك، فإن الاستثمار في بلد ما هو ذلك الجزء من الناتج العام، لذلك البلد في المدة المعينة، الذي يجري إنفاقه على الجديد من الأصول أي من الإنشاءات والمعدات والتجهيزات والمرافق وعلى الإضافات الحاصلة في تلك المدة في المخزون الاستثماري. وعند الكلام عن الاستثمار يجدر التفريق بين «الاستثمار الإجمالي» و«الاستثمار الصافي»، وكذلك يجدر التفريق بين الإنفاق الاستثماري في مدة زمنية معينة، أي تكوين الأصول الرأسمالية الجديدة في تلك المدة، وبين مجمل الأصول الرأسمالية المتراكمة على مر السنين. فالاستثمار أو التكوين الرأسمالي هو عملية تدفق إنفاق استثمار جديد، في حين أن مجمل الأصول الرأسمالية المتراكمة حتى بداية المدة الزمنية المعنية لا تعدو كونها كتلة جامدة من رأس المال القائم. طبيعة الاستثمار وهو أمر عقيم لا زائد فيه، في حين أن ثمة أعمالاً أخرى تحرك الوفر المدخر وتعيده مع ربح إضافي. من هذا المنطلق فإن ذلك الجزء من الدخل الذي لا ينفق على الاستهلاك يكون مهيأ بوجه طبيعي لينفق على الاستثمار. ووفق شروط معينة يعد مجمل الادخار [ر] في عام من الأعوام مساوياً لمجمل الاستثمار. وبفرض عدم وجود تهريب أموال إلى خارج البلد المعني وعدم وجود اكتناز. فقد لا تخرج كتلة الادخارات من حلقة توليد الدخل عندما يتوجه ما يزيد على الاستهلاك في مدة معينة إلى الإنفاق الاستثماري ويتحول إلى استثمار. وهو ظاهرة تتفشى عادة في المجتمعات التي هي أقل تطوراً، فيتمثل بتكديس المال وتركه مجمداً خارج دائرة التداول وإبقائه بلا أثر حيوي مدة غالباً ما تكون طويلة، ومع أن الاستثمار بوجه عام هو تكوين الأصول الثابتة الجديدة، فإنه في الواقع لا يمكن حصره بها بوجه مطلق. لذلك فقد أضافت بعض النظريات عامل «الاستثمار التكنولوجي»، وهو الإنفاق الذي يؤدي إلى رفع الطاقة الإنتاجية عن طريق تعديل المستوى التقني وتعميق البحث العلمي وتطوير التقنيات المتبعة والطرائق الإنتاجية المطبقة. كذلك اهتمت نظريات أخرى بإبراز عامل «الاستثمار الإنساني»، وبينت أن الإنفاق على التبدلات النوعية في القوى العاملة، ولاسيما الناجمة عن التعليم والتأهيل الفني وعن تحسين المستوى الصحي واللياقة البدنية والذهنية للقوى العاملة له أثر إضافي في الطاقة الإنتاجية القائمة. وثمة دراسات كثيرة تثبت أن الاستثمار بصورته الواسعة هو الإنفاق على تكوين الأصول الثابتة الجديدة وعلى رفع المستويات النوعية لعناصر الإنتاج التي من شأنها الإسهام في زيادة توليد الدخل، والأخير يمكن أن يكون فردياً أو جماعياً. فالفردي هو ما ينفذه المدخر مباشرة، والجماعي يتم عن طريق مؤسسات استثمارية مساهمة تقوم بقلب رؤوس أموالها النقدية إلى أصول منتجة وغالباً ما ترفد تلك المبالغ بتمويلات إضافية مستمدة من أرباح سابقة محتجزة أو من قروض متنوعة. أما الاستثمار العام فهو مجمل ما تنفقه الدولة والقطاع العام على تكوين رأس مال حقيقي جديد. قرار الاستثمار يختلف دافع اتخاذ قرار الإقدام على استثمار جديد وفقاً للجهة التي تملك رأس المال المرغوب استثماره. وإذا ما تم استبعاد العوامل الذاتية التي قد يكون لها أثر في بعض الأحيان، وجرى التركيز على العوامل الموضوعية فقط، فإنه يتضح أن الدافع «للاستثمار الخاص» يكون عادة تحقيق أعلى عائد ربح ممكن، أما «الاستثمار العام» فغالباً ما يتحرك بدوافع وأسباب متعددة يكون عامل الربح واحداً منها. فالاستثمار العام ينطلق من محور النظرة الشاملة للمنافع الاقتصادية والاجتماعية التي تؤول إلى البلد المعني كلية ولا ينحصر بحافز «الربحية» الضيق كما هو الأمر في حال الاستثمار الخاص. وبصورة عامة، قبل اهتلاكه النهائي (حساب القيمة الحالية وفق طرق فنية معينة) هي الطريقة المتبعة لحساب ربحية المشروع من جهة ولمقارنة الربحية النسبية للمشروعات التي يمكن للمدخر الاستثمار فيها وموازنة بعضها بعضاً من جهة أخرى. فقد أطلق كينز على طريقته تسمية «الكفاية الحدية لرأس المال» marginal efficiency of capital. ففي حال احتساب «القيمة الحالية» للمشروع يجري حسم توقعات الكلف الرأسمالية للاستثمار الجديد بالفائدة المصرفية الجارية كما يجري في الوقت نفسه حسم تدفقات الدخل المتوقع من المشروع بالفائدة المصرفية نفسها، الأمر الذي يعطي القيمة الحالية لهذين التدفقين في المدة الزمنية للمشروع، فإذا كانت القيمة الحالية للمردود أعلى من القيمة الحالية للتكلفة فإن المشروع يعد مربحاً. ومن ثم يقارن ذاك المعدل بالفائدة المصرفية الجارية، فإذا كان المعدل المذكور أعلى من نسبة الفائدة المصرفية السارية فإن المشروع يعدّ مربحاً. وإضافة إلى هذين المعيارين ثمة «معايير» أخرى لربحية الاستثمار يتوقف اعتمادها على أوضاع خاصة، مما يدفع إلى تنسيقها قبل اهتلاكها النهائي. J.Polak لطرح معيار «دورة رأس المال» المستثمر capital-turnover الذي يقود إلى تفضيل الاستثمار في المشروعات التي تكون نسبة رأس المال إلى الإنتاج منخفضة. وإن «معايير» الاستثمار التي تعتمد على احتساب ربحية المشروع، أو عائداته، بيد أن للاستثمار في الاقتصاد الموجه «معايير» أكثر شمولاً، إذ تتركز السياسة الاستثمارية على مناهج مترابطة تفي بآن واحد بالأغراض الاقتصادية والاجتماعية للبلد بكامله. فإن قرار الاستثمار لا ينحصر بالضرورة بمعيار ربحية المشروع الواحد. فحكومات تلك البلدان التي توجه استثماراتها لتحقيق أعلى نسبة ممكنة من الزيادة في دخلها القومي في مدة زمنية معينة تسعى غالباً لتذليل مشكلات اقتصادية خاصة بها ولتحقيق رؤية أو أهداف اجتماعية ترغب فيها. وغالباً ما تتصدى للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الرئيسة الخاصة بها ولتذليل الاختناقات الناتجة عن ذلك. ولاسيما المتعلقة منها بمشكلات التنمية، S.Eckaus إدخال مسألة «التكثيف التقني» للمشروع، Galenson & H. ويتكلم هيرشمان A. وثمة محاولات مماثلة كثيرة تتعلق بعوامل تنموية متنوعة، ثم إن لكل من البلدان النامية أوضاعها الخاصة وخصائصها المميزة، وهنالك تغاير في الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بلد وآخر من تلك البلدان أو اختلاف في أفضلياتها. كل ذلك مما يجعل من المتعذر تحديد «معيار» استثماري أوحد يصلح لأي بلد وكل زمن ولكل مرحلة من مراحل التطور. أنواع الاستثمارات إضافة إلى النوعين الرئيسين للاستثمار اللذين ينطلقان من الجهة التي تملك أصولهما، وهو الأمر الذي تمت الإشارة إليه آنفاً عند الكلام على «الاستثمار العام» و«الاستثمار الخاص» بشقيه الفردي والجماعي، فإنه يمكن أيضاً التفريق بين أنواع الاستثمارات وفقاً لعدد من الخصائص الأخرى. فهناك «استثمار تلقائي» autonomous investment و«استثمار مستحث» induced investment. فالأول هو الذي يتقرر بصورة مستقلة عن المؤثرات الاقتصادية القائمة كمستوى الدخل العام أو معدل الاستهلاك، وهو غالباً ما يتقرر نتيجة إيجاد سلعة جديدة أو استحداث طرائق وأساليب إنتاجية غير تقليدية أو يكون ناجماً عن متغيرات اجتماعية أو نفسية أو سياسية غير مرتبطة بصورة مباشرة بالمعطيات الاقتصادية. أما «الاستثمار المستحث أو المحرّض» فهو الذي يعتمد كلياً على الأوضاع والعوامل الاقتصادية القائمة والمتوقعة والذي يقدم عليه المستثمر بدافع المنفعة المادية المباشرة. وهو أمر اعتباري يختلف بين قطاع وآخر، فهناك استثمارات آنية تؤتي أكلها في بضعة أشهر كناتج الموسم الزراعي الواحد أو تركيب آلة منتجة من بضع قطع سبق أن تم تصنيعها أو استيراد جهاز يوضع مباشرة في التشغيل الإنتاجي، وهناك استثمارات قصيرة الأمد يراوح زمنها بين عام واحد وثلاثة أعوام (ويصل أحياناً إلى خمسة أعوام) كإشادة بناء أو استصلاح أرض أو تأسيس مصنع أو إقامة مرفق، كذلك يمكن التفريق بين أنواع الاستثمارات وفقاً للقطاع الإنتاجي الذي يجري فيه الاستثمار، كالاستثمارات الزراعية أو الصناعية أو العقارية أو الخدمية أو التقنية. ثم إنه يمكن أيضاً التفريق بين أنواع الاستثمارات تبعاً لدرجة المجازفة التي يقدم عليها من يتولى الاستثمار، وهنا غالباً ما يكون عائد الربح مرتبطاً طردياً بدرجة المخاطرة. والمجازفة تكون على أنواع، فهناك دائماً خطر عدم القدرة على تحقيق معدل الربح المنشود، وهناك خطورة الإفلاس التام وضياع رأس المال. ثم إن المجازفة في وجه المخاطر يمكن أن تكون لأسباب اقتصادية أو فنية تتعلق بالمشروع نفسه أو تكون نتيجة لأوضاع ومتغيرات اقتصادية عامة خارج نطاق المشروع وإذ ذاك لا يكون للمستثمر أية قدرة للتأثير فيها، ثم إن بعض المجالات تتصف بوجود خطورة كامنة فيها كصناعة الكيمياويات السامة أو الملتهبة أو كإشادة منشآت في أماكن خطرة مثل منصات حفر آبار النفط في أعالي البحار وغيرها. لذلك ظهرت «شركات الاستثمار»، وجرى استحداث «صناديق استثمار»، و«برامج استثمارية» مستقلة أو مرتبطة ببيوتات مالية، وباتت كل هذه المؤسسات ومثيلاتها تؤدي للمستثمر العادي الخدمات التي يحتاج إليها والتي يكون غير قادر على القيام بها بنفسه. وبات بعض هذه المؤسسات يطرح أسهمه الخاصة للبيع فيقدم المستثمر على شرائها فتقوم المؤسسة بدورها باستثمار الأموال المتاحة بشراء أسهم أخرى لشركات مختارة ومتنوعة من أسواق الأسهم والأوراق المالية. وإضافة إلى كل هذه الأنواع من الاستثمار فإنه يمكن التفريق بين أنواع الاستثمارات وفقاً للدوافع الخاصة للمستثمرين. يقوم آخرون باستثمار ادخاراتهم متوخين الأمان إن كان في وجه الطوارئ أو متطلبات الشيخوخة أو لاستباق آثار التضخم ومنع تلاشي قيم ادخاراتهم مع الزمن، ثم هناك من يستثمر عن طريق الاشتراك في المشروعات السكنية وثمة من لا يستثمر إلا بالوسائل التي تضمن له جاهزية ماله سائلاً عند أول طلب. كذلك توجد دائماً فئة من المستثمرين تتصف استثماراتهم بالمغامرة الهادفة إلى الثراء السريع. يمكن التفريق بين أنواع الاستثمارات تبعاً لمورد رأس مالها، والاستثمار الخارجي يمكن أن يتم إما بوساطة الحكومات فيكون رسمياً وإما بوساطة أفراد أو شركات فيكون خاصاً. فإن هناك استعمالاً آخر لهذه الكلمة وهو الاستعمال الشائع الذي يتناقله الناس فالشخص العادي غالباً ما يطلق عبارة «استثمار» على أي عمل يحرك فيه رأس مال لديه فيعود عليه هذا التحريك بزائدة أو بفائض فوق رأس ماله الأصلي. ولما كان علم الاقتصاد قد حدد مفهوم «الاستثمار» وبيّن طبيعته وخصائصه بوجه دقيق، فمثلاً، إن إشادة بناء أو مرفق جديد يعد استثماراً، أما شراؤه بعد ذلك من شخص آخر فيعد توظيفاً. كذلك هو الأمر في حال شراء آلة إنتاجية معينة أو مصنع كامل، فإذا أقدم شخص على شراء آلة قديمة أو مصنع قائم فإن عمله لا يعدّ استثماراً بالمفهوم الاقتصادي بل هو توظيف لا يعدو كونه تبادلاً في الملكية. وقياساً على ذلك، أما إذا كانت أسهماً قديمة فتعدّ توظيفاً، لأنها انتقلت من يد مالك يرغب في اقتناء مال سائل عوضاً عنها إلى يد مالك لديه رغبة في اقتنائها بمقابل مال سائل يملكه وهي لا تؤدي إلى زيادة حقيقية في الإنتاج العام. وتعدّ الآن أسواق الأوراق المالية والقطاع المصرفي في المجتمعات الرأسمالية بمنزلة الأقنية التي تتم بوساطتها معظم عمليات الاستثمار والتوظيف. توابع الاستثمار ومسألة النمو ففي الدرجة الأولى التي هي الأهم يعتمد حجم مجمل الاستثمار على المستوى العام للدخل أو الإنتاج العام وعلى التغيرات التي تطرأ على مستوى الدخل. كذلك فثمة عوامل إضافية كثيرة لها أثرها الكبير في الاستثمار «كتوقعات المستثمر» والتطورات التقنية، وأخيراً، وليس آخراً، فالتبدل في الحالة النفسية وفي توقعات المستثمر الواحد أو مجموعة من المستثمرين، حتى عندما يكون ذلك قائماً على أسس خاطئة كإشاعة مثلاً، قد ينتشر ويعم السوق أحياناً ويؤثر سلباً أو إيجاباً في عملية الاستثمار برمتها وفي وضع الإنتاج العام. ثم إن الاستثمار يعتمد أيضاً على مواقف الدولة وإجراءاتها سواء أكان ذلك على صعيد سياستها المالية أم النقدية أم الجمركية أم الإدارية بما في ذلك درجة التسهيلات والدعم والحماية التي قد توفرها الدولة أو قد تحجبها. وأخيراً، بيد أن أهم العوامل المؤثرة في حجم الاستثمار هو مستوى الدخل العام. وبغض النظر عن كون هذا المستوى القائم كبيراً أو محدوداً، وعليه فإن عملية الانتقال من مستوى إنتاج عام إلى مستوى آخر أعلى منه يتطلب زيادة في الإنفاق الاستثماري الهادف إلى توسيع الطاقة الإنتاجية القائمة. ذلك كله لأن حجم الاستثمار متعلق بمستوى الدخل عن طريق الفائض الإنتاجي المتاح للاستثمار، فالزيادة في الدخل تعني زيادة في هذا الفائض، كما أن الزيادة في الفائض تعطي المستثمر قدرة أكبر على التمويل الذاتي[ر] الذي يؤدي تكاثره إلى استمرار في تطوير الطاقة الإنتاجية. وتنشأ من هذا السياق الظاهرة المعروفة في الاستثمار «بمبدأ المسرّع أو المعجل» acceleration principle الذي تتحدد بموجبه العلاقة بين نسبة التغير في مستوى الدخل أو الإنتاج العام ومعدل الإنفاق الاستثماري، إذ إن التغير (زيادة كان أو نقصاناً) في مستوى الدخل أو الإنتاج العام يؤدي إلى تغير موازٍ في معدل الإنفاق الاستثماري. ولما كان إنفاق الدخل يتم إما على الاستهلاك وإما على الادخار (الذي يفترض أن يتحول مباشرة إلى استثمار) فإن ما لا يتم استهلاكه من الدخل في مدة زمنية معينة يكون مهيأ للاستثمار. فإذا ما جرى إنفاقه على بناء مصنع جديد مثلاً، وهذا ما يرفع حجم كتلة الأجور ويولد مزيداً من الطلب الاستهلاكي ومن الإنفاق الاستثماري المقابل فيستمر الدخل العام بالتزايد. وإن هذه الصورة هي بمثابة تشبيه للحركة المتتابعة التي تتولد عن الإنفاق الاستثماري الأصلي والتي تؤلف ظاهرة أخرى من ظواهر الاستثمار معروفة «بمضاعف الاستثمار» investment multiplier. إذ إن الزيادة في الإنفاق الاستثماري لا تزيد مجمل الدخل العام بمقدار يساوي حجمها فقط، إذ إن تقليص الاستثمار يؤدي إلى تباطؤ في الحركة الاقتصادية وتراجع في الدخل القومي كما أن التناقص في الدخل يقود إلى تدن في حجم الاستثمار. ولا بد من الإشارة إلى أن آثار الزيادة التي تتركها حركة الاستثمار الواحدة على الاقتصاد القومي تتلاشى مع انتهاء مدة زمنية معينة، ولاسيما إذا لم يجر في الوقت نفسه حركة إيجابية في بقية المعطيات والمتغيرات الاقتصادية المؤثرة في عناصر الإنتاج وفي الموارد والطاقات الإنتاجية بوجه عام، أي في الحالة النظرية «الساكنة». إلا أنه في الواقع وفي المنظور الزمني الأطول أي في «الحالة الديناميكية» حيث تكون المعطيات الاقتصادية في حالة تغير مستمر يؤثر بعضها في بعض، فإنه يصبح للاستثمار حينئذ قوة متشعبة ذات حركة تصاعدية تؤدي إلى تزايد في الدخل القومي مع مرور الزمن. بيد أن هذا التزايد لا يكون بالضرورة خالياً من التقلبات. الاستثمار والتقلبات الاقتصادية إن زيادة الإنفاق الاستثماري بنسب معينة (أو تناقصه) يؤدي إلى زيادات في الدخل القومي (أو تناقص) بنسب أكبر وفقاً لآثار «مضاعف الاستثمار» ثم إن الحركة تنمو نتيجة ترابط العلاقة بين «المسرع» و«المضاعف». وأحياناً تتصف حركتها بالسرعة والحدة وتعم آثارها السلبية وينجم عنها أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة كما حصل في أثناء الكساد الاقتصادي الكبير والشهير الذي ابتدأ عام 1929 والذي وصلت نسبة البطالة في أثنائه في الولايات المتحدة إلى 25% من مجموع القوى العاملة فيها. الأزمات والدورات الاقتصادية] في الدولة الرأسمالية في القرنين الماضيين على نحو منتظم تقريباً، وتتصف التقلبات بزيادة شبه متماثلة في سرعة حركة كل الفعاليات الاقتصادية سواء أكان ذلك في كسب الدخل أو إنفاقه أو في الإنتاج السلعي عامة أو في تشغيل القوى العاملة أو في المبادلات التجارية كافة، ويواكب كل ذلك ارتفاع في المعدلات العامة للأسعار، فالرابطة بين الاستثمار والإنتاج العام لها علاقة تتصف بأثر تصعيدي بفعل أثر «المضاعف»، إذ إن زيادة الدخل تؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي وإلى زيادة في المبيعات التي تقود إلى مزيد من الإنتاج. الأمر الذي يؤدي إلى خلق دخول جديدة ومزيد من الاستهلاك الذي يقابل بزيادة في الإنتاج من خلال زيادة الاستثمار. بل هناك حركة موازية أقوى تنطلق من زيادة الاستثمار بهدف دعم حجم المخزون الاستثماري من آلات وأصول منتجة، وإذا كان هذا هو الحال بوجهه المبسط، لا بد من الإشارة إلى أن عوامل السوق العالمية وأوضاع التجارة الخارجية والتنافس بين الدول المختلفة تؤدي إلى تقلبات داخلية في الكثير من الدول، وذلك وفقاً لطبيعة النظام الاقتصادي القائم في البلد المعني. الاستثمار في الجمهورية العربية السورية إن للاستثمار في سورية أصالة وتاريخاً عريقاً جداً تعود شواهده إلى بضعة آلاف من السنين. الأمر الذي أفسح في المجال لبناء أمجاد حضارية شامخة في الأزمنة القديمة والحديثة. وبرز قطاع مشترك توزعت ملكيته بين الدولة والأفراد، ونشط القطاع التعاوني الذي تعود بداياته إلى ما يزيد على نصف قرن. وتقوم الدولة اليوم بإدارة الاقتصاد العام وضبط مساره عن طريق أجهزتها ومؤسساتها المختلفة ضمن هيكل من التشريعات والأنظمة النافذة التي يجري تطويرها باستمرار والتي تغلب عليها صفة التوجيه الاقتصادي. وتقوم الدولة ببرمجة الاستثمارات العامة باعتماد «خطط خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية» وقد بلغت الاستثمارات العامة في الخطة الخمسية الخامسة (1981 - 1985) ما نسبته 79. 6% من مجمل استثمارات سورية، في حين بلغت نسبة استثمارات القطاع الخاص والتعاوني والمشترك 20. ومع أن القطاع المشترك كان ناشطاً في السياحة منذ أواسط السبعينات، فإنه دخل في مجال الزراعة للإنتاج النباتي والحيواني بعد صدور المرسوم التشريعي ذي الرقم (10) لعام 1986 الذي أجاز له ذلك. ومع أن اهتمام الدولة متجه في الدرجة الأولى نحو إرساء القطاع العام، الصناعية منها، ثم إن الدولة تعطي الجمعيات التعاونية مزايا كثيرة منها إعفاءات ضريبية متنوعة وإعانات مالية ومادية واستثناءات تشجيعية. وإن الدولة توفر للقطاعات الثلاثة: الخاص والتعاوني والمشترك،