الحياة العقلية للعرب في الجاهلية لهذا لا يرى عقله بأسًا من أن يعتقد أن دم الرئيس يشفي الكَلَب، أو أنه إذا خيف على الرجل الجنون نجسوه بتعليق الأقذار وعظام الموتى، ثم أمر به فقُذف من أعلى القصر إلى أسفله فتَقَطَّع، فقد جاء في «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني عند الكلام على الحكماء: «الصنف الثاني حكماء العرب وهم شِرْذِمَة قليلة، فالعربي لم ينظر إلى العالم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني مثلًا، هذه الأسئلة وأمثالها وجَّهها اليوناني إلى نفسه فكانت أساس فلسفته، فأنت إذا قارنت بين ما يكتبه الجاحظ أو ابن عبد ربه أو أبو هلال العسكري في الخطابة أو الوصف، فإذا نظرت في كتاب كالأغاني أو العقد الفريد أو البيان والتبيين أو الحيوان للجاحظ لا تجد موضوعًا واحدًا أُلْقِيَتْ عليه نظرة عامة دفعة واحدة، أما ما أفادهم هذا النوع من التفكير، فذلك أن هذا المنظر لما انحصر في شيء جزئي خاص جعلهم ينفذون إلى باطنه، وعلى الجملة فالعقل اليوناني مثلًا إن نظر إلى شيء نظر إليه ككل، ••• والآن وقد علمنا طبيعة نظر العربي ننظر: هل هذا النوع من النظر طور طبيعي تمر به الأمم جميعًا أثناء سيرها إلى الكمال، وإن ما يُسمى «الوراثة» ليس إلا وراثة لنتائج هذه البيئات، ولنشرح لك الآن العوامل التي عملت في نفوس العرب.