كنت أجلس على رصيف المشاة بجوارها، قالت لي: لن نرى العالم كما هو ما لم نتوقف عن الكذب، علينا أن نكون أكثر شجاعة! هززت رأسي بملل وقلت: علينا أن نكون شجعان ًحقا! أخذت أفكر في نافذة المنزل التي تطل على أهم أسراري وأكثرها لذة، يجلس تحته جاري في المنزل المقابل. كان يفتح نافذته كل صباح في تمام الساعة السابعة، بينما أكون في الجهة المقابلة ّ ّ قدمي ً عادة من السرير إلى خزانة الملابس، ومنها أجر ّ إلى المطبخ حيث أشرب كوبي ماء على عجالة، بعد أن ّ أكون قد ركضت في دوامة كوابيسي طوال الليل. فكان ينحني بهدوء أمام شتلات زهوره ًا في اقتناصها، لم أفلح يوم ليسقيها وهو يتمتم بأغنية ً كما لم أفلح أيض ً ا في تقدير عمره، فمرة يبدو لي في ً الأربعين، بينما كنت ألهث ألنني ً متوترة ومتأخرة كعادتي، مرر لي ًا! كلمة وحيدة: مرحب حدقت فيه للحظة وابتسمت، ضمن مشهد ِ ؟!«قالت لي رفيقتي. أين سرحت قلت: كنت أفكر إلى أي مدى يمكن للإنسان أن ً يكون شجاعا؟ فتحت يديها باتساع وقالت: قدراتنا أكبر مما تتصورين! هززت رأسي هذه المرة بانفعال، رأيته في الظهيرة كيف يتناول الغداء برهافة شاعر، كنت أرصد كل حركة ألتعلمها، أحضرت الشوكة والسكين وأمام النافذة تدربت على الطريقة التي سآكل ً بها معه حين يدعوني للغداء يوما ما، وتخيلت نوع الحوارات الشهية ً التي ستدور بيننا عندما يفتح لي بابه عوضا عن نافذته، أصبحت مولعة به دون أن أقترب بمقدار خطوة بين ّ بابي وبابه، نظرت إليها فكانت غير راضية عن شجاعتي التافهة، ولكنني كشخص دائما ُ ما كنت أقل من المتوقع، ال جديد! أشرت لها بيدي وقلت: سأرحل ً اعتراضا على أسوأ حوار في العالم! مشيت دون أن ألتفت، مع أنني كنت فضولية تجاه معرفة ما إذا كانت فخورة بي الآن أم لا. واتجهت نحو النافذة الرئيسية لأرى ثالثة رجال يخرجون من منزل جاري محملين بكل شيء: الأريكة الخضراء المخملية، وصناديق كثيرة وأشياء لم أرها من قبل . كانوا يخرجون كل شيء من المنزل بينما ً كان جاري واقفا ينهي مكالمة ويفتح باب سيارته. ثالثة رجال حملوا كل شيء ولم تلفتهم قبلة تعثرت في صندوق الأحذية، فتحت الباب دون أن ألقي بالا ٍ انغرزت في جسدي. وقفت على العتبة ألتأمل هدر ليال ً كان جاري لأول مرة شيئا ً بلاستيكيا ً وكاذبا، وهو يتصرف كما لو ً أنه رجل آلي بطراز قديم جدا، تسمرت في مكاني بينما راح يتمدد عمر كامل من البهجات ، لم يرفع عينيه ليرى الفتاة التي حفظته عن ظهر قلب من خلف زجاج باهت. فهمت أنه يرحل وأن هؤلاء يساعدونه على الرحيل ً وأنه لن يأخذ معه شيئا ً لي، وأن قبلة على عنقه ستسقط على الأرض دون أن يسمع لها صوتا. أنهى الرجال عملهم ولم أع إلا حين قال لي أحدهم وهو ينفض عن بنطاله مقطوعة موسيقية: آسف، بالنيابة عن الجميع على هذا الإزعاج، فسألته: هل انتهى كل شيء؟ قال: نعم لقد انتهى، صرت أحارب البكاء بأسلحة واهنة مثل أنني لم أكن الفتاة الملائمة لحياته، وكيف كان سيدرك ً فتاة مثلي؟ وما الذي أملكه أساسا ُ لأمنحه؟ وكم كنت عزلاء حين اجتاحني الأمل وأهلكتني الرغبة. وفيما كنت أنهال بالسوط على ذاتي، انتبهت لأول مرة أن في جدار غرفته ثمة مرآة طويلة ونحيلة، لم أصدق أنها كانت هناك طوال الوقت ولم أنتبه لها مطلقا، ولم يسبق لي أن رأيت نفسي هكذا دفعة واحدة، رفعت يدي ملوحة وقلت بصوت ًخفيض: مرحبا! راقبت فمي وهو يخرج الحروف مرة بعد مرة، وهكذا تعرفت على فمي العذب، ودرت حول نفسي ثم أخذت ّ أحرك ذراعي كحمامة تبينت أن جناحيها غير معطوبين،