كيف تطور الطب في الإسلام؟ في مرضهم وعافيتهم؛ كيف تعالجوا وما هي أساليب الوقاية التي اتخذوها لذلك؟ وما هي مصادر المعرفة التي اعتمدوا عليها في تطوير العلاج ومقاومة الأمراض؟ وفي المنطقة العربية تحديدا، هل ظل العربي القديم لا يعرف سوى ترياقات السحر والكهانة أم تطور الأمر بالانفتاح على الشام والعراق ومصر والحضارات القديمة التي كانت أكثر تطورا من العرب في هذا الشأن؟ يروي المؤرخون لتاريخ الطب في مرحلته المبكرة في الجزيرة العربية بأن الأفكار التي تبناها الأطباء حينذاك كانت لا تختلف جوهريا ولا هي أكثر من معارفهم القديمة، وقليل منها في قواعد العلاجات الجراحية البسيطة؛ ففيه نجد الوصايا الصحية في الوقاية من الأمراض، وأصول عيادة المرضى، ولزوم استشارة الأطباء، و"الطب النبوي" للحافظ الضياء المقدسي (ت 643هـ/1245م)، في هذه المصنفات، بل الحث أيضا على معرفة واستكشاف الأدوية من خلال فتح بارقة أمل. اشترك في اشترك الآن ومع ذلك، أكثر منها دينا ووحيا، وذلك في ضوء وجود المتخصصين من الأطباء، ومع ذلك بقي الطب في البادية بدائيا، حتى وصفه العلامة ابن خلدون في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، بقوله إن طب البادية ظل تقليديا حتى عصره، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء، ووقع في ذكر أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل"[4]. سيطرالأمويون على الحكم والخلافة منذ زمن معاوية في العام 41هـ بعد مقتل الإمام علي، وفي دولتهم التي امتدت تسعين سنة، توسعت رقعة الدولة من الصين شرقا حتى الأندلس غربا، واختلطت الأجناس اختلاطا ثقافيا أدى بطبيعة الحال إلى تطور العلوم والمعارف الطبية وانتقالها من الأطراف إلى المركز، ومن المركز إلى الأطراف. وأيضا مركز تلاقي الحضارات القديمة بين العرب والروم، لذا كان علماء الشام النصارى منهم على الأخص على علم بما كتبه اليونان في الفلسفة والطب، وبدأت أولى عمليات الترجمة في ذلك العصر، فتُرجمت كتب الكيمياء والطب بطلب من الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية[5]. تُرجمت أيضا في خلافة مروان بن الحكم، والد عبد الملك بن مروان، وفي زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، الطبيب الذي جعله معاوية بن أبي سفيان من جملة حاشيته وخاصّته، وعنه يقول المؤرخ ابن أبي أصيبعة: "كان طبيبا متقدما من الأطباء المتميزين في دمشق، ولما ملَكَ معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه، وأحسن إليه، وكان كثير الافتقاد له، وكان ذلك في سنة 88هـ/707م، ومن المرجح أن هذا المستشفى الأموي الذي أنشئ في دمشق الأموية كان على نمط البيمارستانات البيزنطية في سورية والإسكندرية في مصر وجنديسابور قرب العراق، وكان مخصصا للمجذومين بالدرجة الأولى، قال المقريزي: "أول من بنى البيمارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك، وذلك سنة 88هـ، وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق، ولم يصل إلينا أي علم أو إشارة عن المكان الذي أنشأ فيه الوليد البيمارستان"[8]. الطب العباسي المبكر بعد ترسيخ العباسيين سيادتهم في منتصف القرن الثاني للهجرة/الثامن للميلاد، استقر الاتصال الثقافي والاجتماعي بين العرب وغيرهم من الأجناس التي ألحقت بهم حديثا أو المتاخمة لهم، وذلك بعد أن نقل الخلفاء العباسيون البلاط من دمشق إلى بغداد. شجع أبو جعفر المنصور وحفيده هارون الرشيد ثم المأمون، ففي سنة 148هـ أصيب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بمرض في معدته لم يتمكن معه من الطعام، ولم يستطع أطباء بغداد علاجه، فأُحضر إليه. فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه وأشتاقه. وفرح به الخليفة فرحا شديدا، لمع نجم عائلة جرجيس وولده بختيشوع، وكان ولده بختيشوع أي "عبد المسيح" طبيبا خاصا لهارون الرشيد، وكان أيضا طبيبا لهارون ولاثنين من أبنائه في بغداد، وكان اثنا عشر فردا من عائلة بختيشوع على امتداد ثمانية أجيال قد خدموا الخلفاء كأطباء ومستشارين، وهم نصارى نساطرة، اهتموا أيضا بترجمة النصوص وتأليف مقالاتهم الخاصة، فكانت نظرية "الأمزجة" أو "الأخلاط"، وهذه النظرية تعود للطبيب اليوناني الروماني جالينوس في القرن الثاني الميلادي، ارتكز النظام الجالينوسي على مبدأ الأخلاط الأربعة: الدم والبلغم والصفراء والسوداء، وتتحدر هذه المعلومات من كتاب الطبيب اليوناني الأشهر "أبقراط"، وكانت تُقارن بالعناصر الأربعة: الهواء والماء والنار والتراب، بحيث تؤخذ في عين الاعتبار عند التشخيص والعلاج[11]. ولم يمنع هذا التصور الجالينوسي الأطباء العرب من مراقبة المرضى بانتباه كلي، ومن استعمال المنطق لتفسير ما كانوا يرونه،