أخلاقه وصفاته روى البخاري والمسلم عن أنس بن مالك أن النبي محمداً قال: “إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح”. وقال ابن حجر العسقلاني: “والأمين هو الثقة الرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكنَّ السياقَ يُشعر بأن له مزيداً في ذلك، لكن خَصَّ النبيُّ ﷺ كلَّ واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها، وروى مسلم عن أنس: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله فقالوا: “ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام”، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: “هذا أمين هذه الأمة”. وروى ابن سعد عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربعمئة دينار، وقال للرسول: “انظر ما يصنع بها”، قال: فقسمها أبو عبيدة، فلما أخبر الرسول عمر قال: “الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا”. مثل قلب المؤمن، مثل العصفور، يتقلب كل يوم كذا وكذا مرة. أعلم أنه أفضل مني بتقوى، التهلكة: هو أن يذنب، ثم لا يعمل بعده خيرًا حتى يهلك وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ” [البخاري] . ولما جاء وفد نجران من اليمن إلى الرسول صلي الله عليه وسلم طلبوا منه أن يرسل معهم رجلا أمينا يعلمهم، فقال لهم: ” لأبعثن معكم رجلا أمينا، ولكن النبي اختار أبا عبيدة، فقال: ” قم يا أبا عبيدة [البخاري] . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: “نِعْمَ الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل معاذ بن جبل، وعن عبدالله بن شقيق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أيُّ أصحاب رسول الله كان أحب إلى رسول الله؟ قالت: أبو بكر. قلت: ثم مَن؟ قالت: عمر. قلت: ثم من؟ قالت: ثم أبو عبيدة بن الجراح. قلت: ثم من؟ قال: فسكتت. يذكر أنه في السنة الثامنة للهجرة أرسل الرسول عمرو بن العاص إلى أرض بَلِيّ وعُذْرة في غزوة ذات السلاسل، ووجد عمرو بن العاص أن قوة أعدائه كبيرة، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح مددًا لعمرو بن العاص، قال عمرو: أنا أميركم، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، وكان حسن الخُلق، فقال: تعلم يا عمرو أن رسول الله قال لي: “إن قدمت على صاحبك فتطاوعا”، وإنك إن عصيتني أطعتك. قتل والده وآثر حب الله ورسوله وكانت له مواقف عظيمة في البطولة والتضحية، ففي غزوة بدر رأى أبو عبيدة أباه في صفوف المشركين فابتعد عنه، وتقابل السيفان، بيد ابنه الذي آثر حب الله ورسوله على حب أبيه ، وحيل القتل لذا جعله الرسول (قائدًا على كثير من السرايا)، وكانوا ثلاثمائة رجل فقل ما معهم من طعام ، فأكلوا منه ثمانية عشر يومًا . وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – لجلسائه يومًا: تمنوا ، فقال أحدهم : أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم ، فأنفقها في سبيل الله. ومعاذ بن جبل ، [البخاري] . وكان عمر يعرف قدره، كي يختار منهم أمير المؤمنين بعد موته . وكان أبو عبيدة – رضي الله عنه – كثير العبادة يعيش حياة القناعة والزهد، وقد دخل عليه عمر – رضي الله عنه – وهو أمير على الشام، فلم يجد في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعًا (أو قال: شيئًا) فقال أبو عبيدة :يا أمير المؤمنين ، إن هذا سيبلِّغنا المقيل (سيكفينا). جهاده وأعماله أيام الخلافة شارك أبو عبيدة -رضي الله عنه- في غزوتيّ بدرٍ وأُحُدٍ والحديبية، أرسله رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على سريَّة جيشِ ذات الخبط، وكان أحد الأمراء في بلاد الشَّام بعد أن عزل عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، فوضع أبا عبيدة -رضي الله عنه- مكانه، وكان نَقش خاتم أبي عبيدة: “الخُمُس لله. ولمَّا جاء أهل اليمن يطلبون من رسول الله -ﷺ- أن يرسل معهم مَن يعلمهم القرآن والسُّنَّة أخذ بيد أبي عبيدة أمين الأمّة واختاره لهم. فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب عرف أن أمير المؤمنين يريد إنقاذه من الطاعون فتذكر قول النبي: “الطاعون شهادة لكل مسلم” [متفق عليه] . فكتب إلى عمر يقول له: إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، لا أرغب بنفسي عنهم . بكى، وكأن قد (أي : وكأنه مات) . فكتب أمير المؤمنين إليه مرة ثانية يأمره بأن يخرج من عمواس إلى منطقة الجابية حتى لا يهلك الجيش كله، ومرض بالطاعون، فأوصى بإمارة الجيش إلى معاذ بن جبل ، وصلى عليه معاذ بن جبل ، ودفن ببيسان بالشام. سنة (18) هـ أرسل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – جيشًا إلى الأردن بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ، ونزل الجيش في عمواس بالأردن ،