موجودا بكل حسناته وعيوبه، وتلك البقعة الكبيرة من الطلاء الأخضر التي أضافها عز الدين إلى هيكله، عند الهندي (برد شاندرا). عدد من صباح ذلك اليوم كنت مشغولا في المستشفى بشدة، أجريت جراحة قيصرية لسيدة من نساء المجتمع الراقي، كانت تعمل قاضية في المحاكم الجنائية، وشهدت أمامها من قبل في القضايا المختلفة، والقاصرات اللائي سقطن في شراك منصوبة، واكتسبت ثقة القاضية التي تزوجت منذ عام، واختارتني بالذات لإجراء جراحتها، وأتخيل بلا توقف وجه القاضي بملامحه الجامدة وصوتها القوي يأمر وينهى في قاعة المحكمة وحين فرغت، واطمأننت على أن الأم وجنينها في حالة جيدة، ونقلا إلى الجناح النظيف الملحق بالقسم، وفكرت في الذهاب إلى (برد) شاندرا)؛ لأتدبر مولدًا جديدًا من أجل رزق المساء، دخلت إلى القسم حالة طارئة، امرأة شابة تحتاج إلى نقل سريع للدم، إنها هويدا الشاطئ التي هجرت حياة الفتيات الرقيقات أمثالها، وتخضع لسيطرة الحلمان، وهوسه في حي عشوائي بعيد لا يشبه جمالها. كانت ملقاة على محفة متسخة بيضاء وجافة، سوى ذلك الشعر المموج الذي كان الآن مبعثرا على جانبي وجهها بلا أشرطة تلمه، وعدد من النساء البدينات اللائي تفوح من أجسادهن روائح الزيت والصندل، وتحمل إحداهن مبخرا صغيرًا يتصاعد منه الدخان، وهي تستعيذ من الشيطان الرجيم. لم تكن لحظة مناسبة للارتباك والتفكير، ولا لحظة ملائمة للتحسر على تلك الفتاة، إنها لحظة عمل ميكانيكي علي أن أنجزه ثم أتحسر بعد ذلك. ونقل المريضة إليها، وأرسلت الرجال العشرة إلى بنك الدم الملاصق للمستشفى، لتحديد فصائل دمهم وسحب ما نحتاجه من الذين يحملون فصيلتها، وكانت لحسن الحظ فصيلة سائدة ومتوافرة لدى معظم الناس، واستعادت حياتها. لم يأت الحلمان برفقة فريسته النازفة، ولا جاء بعد أن نقلناها إلى عنبر مزدحم برفقة فقيرات أخريات، وقال لي أحد أتباعه وكان يبدو زعيما للآخرين، يحركهم بصوته باستمرار، حين سألته عن زوجها: إن الشيخ في حالة اعتكاف هذه الأيام، وحتى عيادته المسائية لا يأتي إليها، وهو الآن فكرت قليلا في ذلك الاعتكاف الغريب الذي منع زوجا من القلق على زوجته، والركض خلف المحفة التي تحملها، وإزعاجالأطباء وطاقم المستشفى كله، كما نشاهد دائما، وما كان الحلمان في رأيي شيخا ورعا، ولعله الآن يفكر في ملء الفراغ الذي ربما تخلفه الفتاة. بواحدة قلقة جديدة. كنت أتلفت باحثا عن العجوز حامد رطل وسط تلك الفوضى، ولم أجده وتذكرت أنه أبعد من مساعدة الشيخ بعد زواجه الأخير واحتلال الزوجة هويدا مكانه في العيادة الروحانية، وأظنه سيستغل فترة الاعتكاف هذه، ويروج لحلمه في افتتاح عيادته الخاصة. أين طفل الشيخ يا دكتور ؟ - أي طفل تعني؟ الذي أجهضته المرأة. أخبرته أنه لم يكن في الحقيقة طفلا متكونا، وإنما مجرد قطع صغيرة من اللحم والدم، ألقيت فضلات، وعمامته الخضراء تهتز على رأسه، بسرعة نريد غسله ودفنه كما يليق. لا يصح أبدا. ومن ثم كلفت إحدى الممرضات بجمع بقايا الجنين، فجمعتها في شاشة بيضاء، واستلمهاالرجل، ومضى بها إلى حي المرغنية. كانت توجد معضلة جديدة، فقد عرف الرجال الذين تبرعوا بالدم، وكانوا ثمانية، من إحدى الممرضات، أن المريضة لم تأخذ سوی ست زجاجات فقط، أعيد إلى البنك مرة أخرى لحقنه في عروق مريض آخر ربما يحتاجه، فتجمهروا أمامي مطالبين برد الزجاجتين المتبقيتين إليهم، وأخفقت كل الجهود التي بذلتها، وبذلها الاختصاصي الكبير الذي خرج من مكتبه على صياحهم في إقناعهم أن الدم لا يرد إلى أحد حين يؤخذ منه، كانوا قد تبرعوا لامرأة الشيخ كما كانوا يرددون، ولن يأخذ دماءهم شخص آخر مهما كانت الأسباب أمام ذلك الإصرار، وأعيد لرجلين منهم ما سحب من الدم، وكانت (فنتازيا) غريبة، (فنتازيا) الفضلات التي اعتبرت طفلا يستحق الغسيل والدفن، و(فنتازيا) الدم الذي حين انتصف النهار ، هويدا الشاطئ استعادت لياقتها شبه الكاملة، وجيء لها بمرآة صغيرة، ومساحيق خفيفة وضعتها عليه في عجالة وشكرتني بصوت خافت، وسمعتها تؤكد على ضرورة عدم إزعاج الشيخ في اعتكافه، أوقد بخور له رائحة جلد محترق في العنبر، وعاد الرجل الذي حمل بقايا الجنين، ليسأل عن موعد خروج المريضة، ولا حتى قبل يومين أو ثلاثةكان محل (برد شاندرا)، في وسط السوق الكبير، ومولدات كهربائية. وأجهزة (فيديو وتليفزيون)، وبعضها مفتوح ومتناثر الأحشاء، وقد كان يستم مين العامل من الجنوب اسمه الا - كان فيما مضى عداء معروفا في المدينة، وكان (برد) العصبي دائما، باركا على ركبتيه يفحص مولدا مستعملا من ماركة (هوندا)، تأملت المولد، فوجدت لطخة الصبغ الخضراء التي وضعها عز الدين، مولدي. رفع عينيه في اتجاهي، بلون جمر ملتهب، قال: - نعم مولدك، إنه جيد جدا ويعمل بكفاءة، لماذا بعته بهذه السرعة ؟ - لم أبعه، ولكنه سرق. وأسمع صوت ركبتيه تفرقعان تحت جسده الممتلئ، وتتأرجح سلسلة من الذهب اللماع، تتدلي من عنقه الغليظ، وينادي على مساعده الجنوبي في عصبية: با (لادو) . واستغنى عنه ببيعه بعد أن استورد واحدًا جديدا من الخارج، كان سعر البيع رخيصا أغرى الهندي بدفعه على الفور بالرغم من معرفته بأنه مولدي، كان يوما عصيبًا لدى (برد) شاندرا بلا شك، بسبب عدم تدقيقه في البضائع المستعملة التي يشتريها من أشخاص عابرين لا يعرف هوياتهم، ويتضح بعد ذلك أنها بضائع مسروقة، أو مهربة عبر البحر، وهاجر إليها أسلافه طلبا للرزق، ولباسهم التقليدي، ويحتفلون بأعيادهم الخاصة، كانت جلستي في محله في ذلك اليوم، لا صوت عاليا ولا قسم بالطلاق، ولا مساومة مختصرة، ليحضر لي زجاجة من مشروب (بزيانوس)، أرجوك . لا داعي لإدخال الشرطة بيننا. ولا أريد مصالحي أن تتعطل. وأجدها فرصة لا تعوض، للنيل منه وقد باعني المولد بسعر غال لم أكن أملكه واستدنته من أحد الزملاء. قل لي ماذا يرضيك؟ تتوقف عربة مكشوفة على ظهرها ثلاجة صدثة مربوطة بالحبال على الهيكل، ويهبط السائق، يكرر الهندي سؤاله، وعينه على الثلاجة القادمة للتصليح. - ماذا يرضيك ؟ هذا يرضيني. ستعوضها في سرقة أخرى. أنا متأكد. وعيناي على المولد. خذه. وأستغرب من لجوئه إلى القسم الكاذب، والحلف بالطلاق. كان الجنوبي القوي الفارع الطول قد حمل المولد كما يحمل خرقة من قماش، الزبون صاحب الثلاجة الصدئة، يساعده في إنزالها، جلس على ظهر غسالة معطوبة، وقد مدد ساقيهفي المساء عاد المولد إلى الخدمة في عيادة عز الدين، ربط بها المولد إلى عدد من مواسير الماء كانت ملتصقة بالحائط، بقفل صعب الكسر. أو لاحظوا غياب الكهرباء، يهنئوننا بعودة المولد، يتوسطان لدي حتى ألغي البلاغ الذي سجلته ضد الخفيف التائب الذي انخدع من محتال ولم يسرق بإرادته، ولم يكن الأمر بيدي، الذي بحثنا عنه طويلا، كان يحدثني بينما امرأته متوسطة العمر ، تصب لنا الشاي في أكواب مشجرة من تلك التي لا تخرج من أغلفتها إلا حين يحضر ضيوف مهمون: ثم نفكر في أمر مختار الخفيف. أخبرنا . اختلقت له قصة لا تشبه القصة الحقيقية في أي شيء، ولا يحب الشرطة، لقد وجده أحد أفراد الأسرة أمام باب البيت، وأخبروني حين عدت من عملي.