الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، مع التعريف بأشهر كتُبها، سواء كانت الأحكام اعتقادية، إلاّ أن العلماء تعارفوا على إطلاق أحكام القرآن على أحكام القرآن العملية، المعروفة بالفقهية. وتفاسير آيات الأحكام، والتنبيه عليها، سواء بالاقتصار عليها، أو العناية الخاصّة بها»[4]. ثانيًا: عدد آيات الأحكام: اختلف أهلُ العلم في كون آيات القرآن الدالّة على الأحكام الفقهية محدودة محصورة أم لا؟ على قولين: القول الأول: أن آيات الأحكام محدودة، محصورة بعدد معيّن[5]، ثم اختلف هؤلاء في عددها: - فقيل: هي خمسمائة آية. - وقيل: بل مائتا آية فقط. - وقيل: هي مائة وخمسون آية فقط. القول الثاني: أن آيات الأحكام غير محدودة العدد، فكلّ آية في القرآن قد يُستنبط منها حكمٌ معيّنٌ[7]، ومَرَدُّ ذلك إلى ما يفتحه اللهُ على العالِم من معاني القرآن ودلالاته، وقوة الاستنباط، قال نجم الدِّين الطُّوفي: «والصحيح أن هذا التقدير غيرُ معتبَر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصِر؛ فإن أحكام الشرع كما تُستنبط من الأوامر والنواهي، كذلك تُستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، وإذا أردتَ تحقيق هذا؛ ولم يُقصد به بيانها»[10]. وقال القرافي: «فلا تكاد تجد آية إلّا وفيها حكم، - أولهما: ما صُرّح به في الأحكام، وهو كثير كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. [البقرة: 183] إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة: 185]، وعامّة أحكام القرآن العظيم من هذا النوع، ومثال ذلك: غالب أحكام سورة البقرة، والنساء، والمائدة. أحدهما: ما يُستنبَط من الآية مباشرة، وكاستنباط صحة صومِ مَنْ أصبح جُنُبًا، من قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}[البقرة: 187]. أو لحديث نبوي. وابن عباس[14]، مع قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}[لقمان: 14]. ومنه استنباط أن التطهّر المراد بقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}[البقرة: 222]؛ وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة: 6]، وبناءً على هذا؛ نشأ التفسير الفقهي في مرحلة متقدّمة جدًّا؛ إِذْ إنه جزء من التفسير النبوي في الجملة، فقد كان من جملة الآيات التي تنـزل على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- آيات الأحكام الفرعية، والمصطلح على تسميتها (الفقهية)، ويُقيِّد مُطلَقها، ويحجّ بهم ويقول: «خذوا عني مناسككم»، وهذا تفسيرٌ لآيات الصلاة والحج في القرآن الكريم، وكذا الزكاة أمَر اللهُ بها أمرًا مُجْمَلًا {وَآتُوا الزَّكَاةَ}[البقرة: 110]، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}[الأنعام: 141]، ومقاديرها، وأوقاتها، وهكذا في جميع التشريعات. قال عمر بن الخطاب: «سألتُ رسول الله عن الكلالة، فقال: تكفيك آية الصيف»[16]. لم يسألوا عنها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وليس بين أيديهم فيها عِلْم؛ فإن كان صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، فيجتهد في تفسيرها وتأويلها، وخالفه فيه كبار الصحابة: عليّ، وابن مسعود، وأبو موسى، وبرز من الصحابة في هذا الباب عبدُ الله بن مسعود، وعبدُ الله بن عمر، وعبدُ الله بن عباس، وأثّر كلٌّ منهم في تلاميذه؛ فظهر اهتمام المدرسة الكوفية (تلاميذ ابن مسعود)، والمدرسة المكية (تلاميذ ابن عباس)؛ في تفسير القرآن الكريم، وخاصة آيات الأحكام[18]. واستمر اهتمام الصحابة وتلاميذهم من التابعين بتفسير آيات الأحكام لا يتعدى المُدارسة والإفتاء حتى جاء الإمام مقاتل بن سليمان الخراساني (ت: 150هـ)؛ فألّف أول كتابٍ خاصّ في تفسير آيات أحكام القرآن، وكان تفسيرًا بالمأثور في الدرجة الأولى، ومن الأئمة المجتهدين الذين ألّفوا في هذا الباب: الإمام يحيى بن زكريا بن سليمان القرشي الكوفي، إمام مجتهد (ت: 203هـ)[20]. محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204هـ)؛ فقد ألّف كتابًا في أحكام القرآن[21]. وهو ينسج على طريقة المُحَدِّثين عمومًا؛ بغضّ النظر عن طريقته في الترجيح. واشتهر التأليف بعد ذلك؛ نصرة المذهب الذي ينتمي له المؤلف، ومن جهة المنهج؛ فالبناء على أصول إمام المذهب وقواعده. فهذا الإمام الجَصّاص في كتابه المعروف (أحكام القرآن) لا يألو جُهْدًا في نُصْرَة مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (ت: 150هـ)، ولو بالتأويلات البعيدة، وهذا الإمام إلْكِيَا الهَـرّاسي يصرّح في مقدمته بأن القصد من التأليف «شرح ما انتزعه الشافعي، فالقصد: شرح استدلالات الشافعي -رحمه الله-، والمنهج: جمع استدلالات الشافعي، وينسج على منواله، فهذا أقلّ ما ينبغي تجاه آراء الأئمة الكبار واجتهاداتهم؛ ليقتدي الخلَف بالسلَف في طريقة الفقه والتفقه؛ والتعصّب الأعمى، وقد استمر التأليفُ في إطار المذاهب؛ والتجرّد والانحياز؛ ومنهم من توسّع في ذكر أقوال الأئمة، وبحث عن الرّاجح من الأقوال، ومنهم من ظلّ حبيس أقوال شيوخه، فلم يتكلم في مسائل العلم إلا من خلالها، واللهُ المستعانُ لا ربّ سِواه. 1] نُشرت هذه المقالة بملتقى أهل التفسير بتاريخ 5/ 3/ 1424هـ، الموافق 6/ 5/ 2003م. 2] وتقسيم الأحكام الشرعية إلى أصول وفروع يُقصد به أمران؛ والآخر مردود ولا عبرة به ولا بقائله. أمّا التقسيم المقبول: فهو التقسيم باعتبار الغلبة أو للتوضيح والتبيين؛ ويلاحظ أن التقسيم غير دقيق تمامًا ولا منضبط؛ ثم إن هناك مسائل تُعَدُّ من الأصول وهي مما يعذَر المسلمُ بجهلها، بل وقد لا يجب تعلّمها؛ كبعض التفصيلات في مسائل الاعتقاد، وهناك مسائل تُعَدُّ من الفروع وهي مما يُعلم من الدِّين بالضرورة، بل وهي من الواجبات المتحتمات على كلّ مسلم؛ كفعل الفرائض من الصلاة والصيام والزكاة. ولا مفسدة فيه هنا، والله أعلم. والقسم الثاني: وهو التقسيم المردود؛ فهو أن يراد بهذا التقسيم تهوين شأن مسائل الفروع، أو ترتيب مسائل التكفير والتبديع على هذا التقسيم، دون مسائل الفروع! فهذا خطأ من قائله، وعلى مَن قال به. منهج القرآن في تقرير الأحكام (ص74-132). 3] ينظر: تفاسير آيات الأحكام ومناهجها، والشنقيطي. شرح مختصر الروضة (3/ 415)، إرشاد الفحول (2/ 814) ط/ صبحي حلاق، نثر الورود (2/ 145). 9] هو كتاب (الإمام في بيان أدلة الأحكام) للإمام الحافظ عز الدِّين بن عبد السلام السُّلمي (ت: 660هـ) كتاب عظيم لا يستغني عنه الفقيه ولا المتفقِّه، حُقق الكتاب في رسالة علمية بجامعة أم القرى، وطبعه محققه: د/ رضوان مختار بن غربية عن دار البشائر الإسلامية- بيروت- 1407هـ. 10] شرح مختصر الروضة (3/ 415). فقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}[البقرة: 233]، أو قال: لا رجم عليها، قال: فَخَلَّى عنها، ثم وَلَدَت». 14] روى البيهقي في سننه الكبرى، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، يعني قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}[الأحقاف: 15]». آيات الأحكام في المغني (رسالة جامعية) للفاضل (1/ 10) فما بعدها، باب الأذان للمسافر (رقم: 605). 17] رواه أحمد في المسند (رقم: 262) من حديث عمر بن الخطّاب. 18] انظر: تفسير التابعين، 19] انظر: تفسير الخمسمائة آية في القرآن، لمقاتل بن سليمان (ص66-68)، رسالة جامعية. 20] ذكره ابن النديم في الفهرست (ص57)،