أنا لستُ مرتبطاً بدارٍ خلت من أهلها، ولا يحزنني شخصٌ أو مكانٌ أو أثر. لم أبكِ على منزلةٍ هجرها أهلها وانتقل منها الجيران، ولم أقطع على حرفٍ مذكرةٍ في مرفقيها عند مرورها، فتصير بيئتي قفرةً يوماً، فأنعيتها. لم أسافر بها جملاً، ولم أشْتُو بها عاماً فأدركني فيها الصيف، فلي عن ذلك مَرْتحل. لم أشد بها من خيمةٍ طنباً، تجري بها الضّبّ والحرْباء والوَرَلُ. الحزن مني أعرفهُ بعيني، ولا يعْرِفُني سهلٌ ولا جبل. لا أنعتُ الروض إلا رأيتُ به قصراً مُنيفاً عليه النخلُ مشتمل. فهذا وصف حالي إن كنتَ مُختبراً، ومخبّراً نفراً عني إذا سألوا. نخلٌ، إذا جليتْ زينتها، لاحَتْ بأعناقها أعذاقُها النحلُ. أسقاطُ عَسجَدِهِ فيها لآلئها منضودةٌ، بسموط الدر تتصل. يفتضّها فطنٌ عِلْجٌ بها خبيرٌ، فضّ العذارى حُلاها الريط والحُللُ. فافتضّ أولها ومنها وآخرها فأصبحت، وبها من فحلِها حبل. لم تمنعْ عفةً منه، ولا ورعاً بلا صداق، ولم يُوجد لها عقل. حتى إذا لقحتْ أرختْ عقاياصها، فمالَ مُنتَثِراً عُرْجونُها الرجِل. وبينما هي والأرواح تنفحها شهرين بارحةً وهناً، وتنتحل، أرختْ عقوداً من الياقوت ترضعُه حتى تمكن في أوصالِه العسلُ. يا طيبَ تلك عروسٌ في مجاسدها، لو كان يصلح منها الشمّ والقبل. خلالها شجرٌ في فيئه نقد، لا يرهب الذئب فيها الكبش والحمل. إن جئتَ زائرها غنّاكَ طائرها من بلبُلٍ غرّد ناداك من غصن، يبكي بلبلةً أودى بها خبل. هذا وصفه، وقلْ في وصفه صدداً، مُدّت لواصفِه في عمرِهِ الطولُ.