ففي حين تشكّلت “الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة” في العام 1997من جمعيات ومنظمات وشخصيات غير حكومية، فإن الوحدة الحكومية الأولى (من وزارة الشؤون الاجتماعية) التي تعاملت مع الموضوع لم تتحرّك قبل العام 2003، وما يمتاز به لبنان أيضاً، هوالتعاون بين الدولة ومؤسّساتها وبين المنظمات غير الحكومية. وإن كانت هي المبادِرة إلى معالجة مسألة مجتمعية بعينها، هي تدعو الدولة إلى العمل على التشارك معها في المهمّة وتعميم تجربتها وتوسيع مجالات تطبيقها بما يتناسب مع ثقل مسؤولية الدولة وحجم مواردها واتساع دائرة تأثيرها. فإن الدولة اللبنانية لا تحاول السيطرة على فضاء هذه المنظمات بل هي تعمل على عقد شراكات معها وتدعوها من أجل الاستفادة من إمكاناتها المتاحة. فلا نجد تنافراً في الصلاحيات ولا “اتهامات” بالتعدّي على المجالات بين الفئتين أسوة ببعض البلدان التي تشهد صراعاً بينهما. وذلك في أكثر من مجالمدفوعة، أساساً، بواجباتها تجاه الاتفاقات المعقودة مع المجتمع الدولي، على امتداد التسعينات، ومنذ العام (2005) برزت قضايا المرأة واحدة من العناوين التي يتناولها البيان الوزاري في الحكومات المتعاقبة؛ بل إن البيان الوزاري ما قبل الأخير (وكان ذلك في أواخر العام 2009) تعهد بأن الحكومة «ستعمل على اعتماد خطة عمل لمكافحة ظاهرة العنف ضد المرأة، مثلاً: بصفيته الرسمية والمدنية. وهذه تهتدي بالمواثيق الدولية والعربية والإسلامية الضامنة للمساواة الجندرية والهادفة إلى العمل على كل ما من شأنه وقاية النساء العربيات من العنف الممارس ضدهن بجميع أشكاله، 2- القوانين تالياً، ويقابل هذا الرأي رأي مخالف يحمل لواءه جهات إسلامية، ترى أن قانون يحمي النساء من العنف الأسري عاملاً مخرّباً على قاعدة العلاقات بين افرادها كما صاغها الدين الإسلامي، بدوره، إن اللجنة المذكورة لم تتوصّل – وحتى كتابة هذه السطور- إلى صيغة مقبولة من قبل كل أعضاء اللجنة نفسها لعرضها على الجمعية العمومية لمجلس النواب . كلياً. تنشط المنظمات غير الحكومية من أجل نشر ثقافة مناهضة العنف ضد المرأة على ملأ الفضاءات العامّة. وإضافة إلى المظاهرات والاعتصامات والمهرجانات والاجتماعات العامة، مثلاً، أشخاص/ قيادات/ مرشدين دينيين من المجتمع المحلي، مستشارين في القضايا الاجتماعية والصحية ، خاصة، والمخفر ملزم، ويبلّغ المخفر المدّعي العام الذي يطلب من الطبيب الشرعي أن يفحص الحالة. فإنه يتوجّب عليها التوجّة إلى النيابة العامّة ومعها تقرير من الطبيب الشرعي. إذ ذاك تحيل النيابة العامة المرأة إلى المخفر حيث يتم التحقيق في الموضوع. إلى ذلك، ويحق له البقاء فيه حتى لو كان وجوده فيه يشكل خطراً على واحد أو أكثر من أفراد الأسرة. تحفظ القضية وتسقط الملاحقة / الحق العام باستثناء حالة الجرائم الكبرى. ولا يوجد تدبير يفرض سياسة إجبارية يحظر بمقتضاها إسقاط الملاحقة في حال العنف ضد المرأة في إطار الأسرة. أو متقادمة، خدمات طبية ونفسية وقانونية وثقافية للنساء عامّة ولضحايا العنف، خامساً: التعويض أمام الجهة القضائية نفسها التي تنظر بالجرم، وهذه يسعها أن تكون تعويضاً عن كل أنماط الضرر: المادي والجسدي والعقلي والمعنوي، ولا إفشاء “حقيقة ما” في حال طلبت الضحية ذلك إلخ. فقد طالبت بتعويضات من كل الأصناف؛ العكس بالعكس. في محاولتنا لاستكشاف أوجه التزام الدولة اللبنانية- مؤسساتها وأجهزتها- بمعايير “العناية الواجبة” بما يطول إلى مناهضتها للعنف ضد النساء في بلادنا نخلص إلى ما يلي: ففي حين صدرت توصيات من جهات متنوعة دولية ومحلية تحث الدولة على إدماج موضوع رصد العنف الأسري في إحصائياتها العامة، فإن المسؤولين في مديرية الإحصاء المركزي لا يزالون يتجاهلون الطلب بحجج ذات صلة بخصوصية ثقافتنا الاجتماعية. فنفتقد، ركناً من أركان مسوّغات التدخل الاجتماعي وحجّة أساسية لضرورته. في مسار العملية التشريعية للقانون، إن التلكؤ في تنفيذ الإحصاء الضروري لرصد انتشار العنف ضد النساء في مجتمعنا، إما شأناً من شؤون الأسرة الخاصة، مواجهات ترميمية مبعثرة، بل هو ذو صلة بطبيعة النظام الاجتماعي الأبوي وفي بنية هيكله. أي ما يسمح لمؤسسات الدولة القضائية والأمنية والاجتماعية بالاستجابة لمتطلبات “واجب العناية” على نحو فاعل. وتجد في تدخّل الدولة في ذلك المجال تعدّياً على صلاحياتها التي “فوّضها” إياها الدين والدستور اللبناني.