وبالتالي تعددت الفروع التي مضى الباحثون يدلون بدلوهم فيها. وكان لنشر المذكرات الخاصة بأولئك الذين أدوا أدوارا حفظها لهم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وخصوصا في فترات التحول الموقع على خريطة المركز الذي وقع اختياره على ما كتبه سليمان حافظ - وكيل مجلس الدولة ثم المستشار القانوني الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء - تحت عنوان ذكرياتي عن الثورة، فإنها تفيض بالأحداث، وتعد مصدراً من أهم المصادر التاريخية لتلك الفترة نظرا للدور الذي قام به صاحبها في تثبيت دعائم الثورة. وبناءً على المنهج الذي تتبعه اللجنة العلمية للمركز، فإنها في حالات كثيرة تفضل أن يسبق العمل الذي نقوم بنشره دراسة تحليلية له، وبالذات إذا كان هذا العمل يعبر عن وجهة نظر كاتبه التي تميل في معظم الأحيان إلى التحيز لنفسها . ويتبين ذلك بشكل ملحوظ في كثير من المذكرات التي يدونها أصحابها، وفي الوقت نفسه هناك البعض الذي لا يسبح مع هذا التيار، وإنما يتحرى الدقة ولا يتوارى عن أن يعترف بما يمكن أن يسيء إليه، وهي - إذا جاز التعبير - هوجة المذكرات التي كتبتها شخصيات لا وزن لها ونسبت لنفسها الأعمال الخارقة، وأوضحت كيف أنها كانت العالمة ببواطن الأمور نتيجة لمعرفتها بمكامن الأسرار. ومن هنا اختلطت الأمور على الناس ما بين الغث والسمين، وأصبح لزاما على المؤرخين أن يواجهوا هذا التردي، وهو ما فطنت له اللجنة العلمية عند نشر أعمالها، من حيث الاختيار المتأني الذي يخضع لمعايير موضوعية أولا ثم الدراسة الحيادية المتأنية التي تسبق العمل. في رحاب مدينة الإسكندرية، وعلى أرض حي كوم الشقافة الشعبي، وفي أغلب الأحيان يمتلك التجار الثقافة بحكم معاملاتهم مع الناس، أي من خلال علاقاتهم الاجتماعية، ومن ثم فقد نشأ الابن في بيئة هيأت له أن يكون تكوينه ممتزجا بذلك المناخ، فبدأ طريقه العلمي حتى حصل على البكالوريا. وفي ذلك الوقت كانت دراسة الحقوق تحتل مكانتها، نظرًا لنوعية دراستها المرتبطة بالقانون فضلا عن أنها تؤهل أصحابها لتولي المناصب الإدارية العليا بالدولة، وفي حاجة الرجال يدافعون عن قضيتها من هذا المنطلق التحق سليمان حافظ بالحقوق، فعمل موظفا في مصلحة الجمارك، وشكل إصراره وقوة إرادته وقدرته الذهنية عاملا مهما في مواصلة تعليمه وحصوله على ليسانس الحقوق ثم وكيلا لوزارة العدل. أما عن الماضي الوطني لسليمان حافظ، الوطني، وشارك بحماس في الحركة الوطنية ضد الاحتلال وقت جذوتها، ووقع تحت الاتهام في قضية اغتيال السير لي ستاك عام ۱۹۲٥ ، ولكن أنقذه القدر، ولم يصدر عليه حكم الإعدام كغيره. وقد دفعته هويته السياسية منذ وقت مبكر إلى أن يكون معارضًا ويُعد عام ١٩٤٩ من العلامات الفارقة في حياة سليمان حافظ، مجلس الدولة، وهو مجلس جديد على النظام القضائي المصري الحديث، تأسس عام ١٩٤٦ وشمل محكمة القضاء الإداري، وقسمي التشريع والرأي، وأمسك بزمام قسمي التشريع والرأي وتوثقت علاقة الود بين الطرفين. لم تتمكن السلطة التنفيذية قبل ثورة يوليو من السيطرة عليه، تلك التي أقلقت وأرقت الملك فاروق، وفشلت محاولات السلطة في اختراقه، إذ قامت الثورة، وكان للثنائي القانوني السنهوري وسليمان حافظ دورهما معها. وتعتبر الفترة من قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ - التي عرفت وقتئذ بحركة الضباط المباركة - وحتى نهاية أزمة مارس ١٩٥٤ من أحرج الفترات الصاخبة في حياة مصر، ونجحوا في جانبا، وذلك منذ أن أشرك رشاد مهنا في الوصاية المؤقتة على عرش الملك الطفل أحمد فؤاد الثاني. ظهر أمام الجميع عزوف سليمان حافظ عن المشاركة في وزارة علي ماهر، كما صرح برغبته في الاستقالة من مجلس الدولة ليعمل بالمحاماة ويكون حرا طليقا، ولكن عندما رفض رئيس الوزراء ذلك، وهنا يتبادر للذهن، فهما اللذان يحتاجان إليه بل ويخضعان لمشورته. كذلك فإنه إذا قبل المنصب، هذا في وقت يعلم فيه سليمان حافظ نوعية وتركيبة شخصية علي ماهر، فهو يمثل له نموذج رجل القصر العتيد، وصاحب المصلحة والسطوة، ومما يُسجل في هذا الصدد أنه قد ومن منطلق آخر، فإن سليمان حافظ، فله الباع في الحركة الوطنية منذ وقت مبكر، ويحمل موقفا سياسيا، وكثيرا ما صب غضبه على نظام ما قبل يوليو ، مركزا على تاج الدولة وحزب الأغلبية، وعليه فقد آمن بما قام به الضباط، وشجعهم وذلل لهم العقبات التي تتفق في الوقت نفسه مع التخلص من العهد البائد بكل مقوماته. وفي الحين ذاته، فإن الضباط رأوا فيه الأداة التي تثبت وجودهم وتدعم شرعيتهم. فإنه لم يمكنه، وانتهي بسقوط الأولى بعد خمسة وأربعين يوما من الحكم. وعرض على بساط البحث اختيار الشخص الذي سيتولى تشكيل الوزارة الجديدة فاقترح سلیمان حافظ اسم صديقه وربيب مهنته السنهوري، ولكنه استبعد لما سبق أن تردد بشأن ميوله اليسارية. اقترح فتحي رضوان ترشيحه لهذا المنصب، ووجد الاقتراح قبولا من مجلس قيادة الثورة. ومرة أخرى يرفض. وهنا يختلف الأمر عن سابقه، وضع في اعتباره أن الوزارة معرضة في أي لحظة اختلاف للإقالة، فضلا عن أن قبوله يخالف السياسة التي انتهجها والخاصة بتبوؤ وبالتالي رشح محمد نجيب للمنصب. ولما كان لسليمان حافظ تلك المكانة بين الوافدين العسكريين الجدد على الحكم فإنه حينما شكل محمد نجيب وزارته في ٧ سبتمبر ١٩٥٢ ، تم اختياره نائبا له ووزيرا للداخلية، وعلى الفور أصبح له الباع في اختيار الوزراء. والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا قبل الاشتراك في الوزارة ؟ لقد كان حينئذ قد تملك السلطة، وليس العكس بعد تلك الثقة التي نالها من العسكريين. وبحكم الواقع، فإن نجيبا لم يكن متفرغا لموقعه الجديد، وذلك بعد أن تدفقت عليه الشعبية الجارفة التي جعلته دائم التحرك وكثير الزيارات واللقاءات، وعمقت فيه الإحساس بالزعامة، بالإضافة إلى فقدانه فن الممارسة السياسية، والنتيجة أن أصبح الوضع مهيئا لسليمان حافظ؛ فأمسك بزمام الأمور بعد أن تركت له حرية التصرف. ومن منطلق سلطته لم يعد المشرع فقط وإنما أيضا المنفذ، ومما لا شك فيه أنه أرضى مجلس قيادة الثورة بتلك الإجراءات التي أقدم عليها، وبالذات المتعلقة بالأحزاب والدستور، وذلك أثناء الصراع struggle على السلطة بين رئيس الوزراء ومن انضم إليه من الضباط وبين مجلس قيادة الثورة. والواقع أنه لم يكن نزاعا conflict، بمعنى أن المسألة ليست اختلافا في توزيع الاختصاصات بقدر ما كانت التصميم على استحواذ السلطة. وحاول سليمان حافظ إصلاح ذات البين، وذلك بعد أن برز الدور القيادي لجمال عبد الناصر ومجموعته في مجلس قيادة الثورة الذي أصبح يشغل الساحة منفردا، وما كان يقدمه له من تفسيرات وشروحات قانونية، واستمر الصراع بين المجلسين، ورأى سليمان حافظ استقالة الوزراء، وتسليمه للعسكريين، وإما أن يشركوا معهم مدنيين متحججا بأن عليهم تحمل المسئولية مصرحا بأن هذا الوضع هو الأفضل من ازدواج السلطة القائم، الذي كلل فيه تثبيت الحكم العسكري. ورغم ما قدمه سليمان حافظ من خدمات، فإن مجلس قيادة الثورة بعد أن استنفد ما لديه، ووجد أن ميوله منعطفة ناحية نجيب، أبقاه مؤقتا حتى تحين فرصة التخلص منه، وذلك في وقت كان الإعداد لإعلان الجمهورية على قدم وساق، وذلك قبل إقرار الدستور، وبتعيين نجيب رئيسا لها وتقلده رئاسة الوزراء، وشغل عبد الناصر منصب سليمان حافظ في الوزارة السابقة، وهو منصب شرفي قصد من ورائه أنه قد استغني عن خدماته. وبالذات بعد سحب القيادة العامة للقوات المسلحة من رئيس الجمهورية وتسليمها إلى عبد الحكيم عامر وترقيته من رتبة صاغ ( رائد) إلى رتبة لواء، حاول سليمان حافظ استكمال طريقته بشأن فك الاشتباك بين المتصارعين، وتوالت الأحداث سريعا، ورأى مجلس قيادة الثورة ضرورة التخلص من نجيب وطلب عبد الناصر من سليمان حافظ استقالة نجيب، أدى إلى عودة نجيب إلى رئاسة الجمهورية في ۲۷ فبراير ولكن دون سلطات، وعندما تعذر تحديد اختصاصاته مع هذا المناخ المفعم بالتوتر، وكان لعودته الأثر الكبير على الشعب الذي استقبله بكل الحب، وأخذت المظاهرات المدبرة طريقها، وساءت الأحوال، وتفاقمت الأمور، وأنذرت بأن هناك ما ينبئ بحدوث تغييرات. وأدرك أنه أضحى غير مرغوب فيه، فقدم استقالته في ۲۷ مارس، ليعود إلى مهنة المحاماة التي رأى فيها مكانه الأخير، ولكنه ظل متابعا للأحداث، وينتقد اتفاقية الجلاء. لكنه لم يفعل حتى أعفي من مهامه الرسمية واعتقل في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ ليسدل الستار على ما اصطلح على تسميتها - في الخطاب التاريخي - بأزمة مارس ١٩٥٤. وأخذ على عاتقه مهمة إعادة الحرية إليه قانونا، وسعى في ذلك، وما ترتب على ذلك من وقائع أبرزها العدوان الثلاثي على مصر. ولم يكن سليمان حافظ ببعيد عما يحدث، فكانت له الآراء التي جهر بها، وتمكن من نقلها للمسئولين والتي حملت بين طياتها رغبته في تولى نجيب شئون البلاد، مما أسفر عن اعتقاله مع سياسيين آخرين، ورغم أنه لم يستمر فترة طويلة في الاعتقال، لكنها أثرت في نفسيته كثيرا، حيث وجد فيها تكفيرا عما ارتكبه من ذنوب، ومضى في تأنيب نفسه، وجهر بالندم على ما صنعه من أجل نجاح العسكريين وتوطيد حكمهم والذي كان على حساب وأد الديمقراطية. ولم يتخل عن جلد ذاته عندما خرج من معتقله، واستمر في بعد أن ترك للتاريخ الحكم عليه. وقبل أن نتعرض لذكريات سليمان حافظ التي بين أيدينا نشير إلى موقع المذكرات على خريطة الكتابة التاريخية، فمن المعروف أن لها أكثر من نوع - وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين أدوا دورا في الحياة السياسية - فهناك اليوميات التي يسجل صاحبها الأحداث في حينها، وهناك الذكريات وتنقسم بدورها إلى تلك التي تكتب بعد فترة قريبة من الأحداث بحيث تكون ماثلة أمام عين صاحب القلم، فيكون الزمن قدران عليها. فإن الأمر يتفاوت بين قلم وآخر تبعا لشخصية الكاتب وتكوينه المختلف الأبعاد فيما يختص بالنشأة والثقافة والقدر الإيجابي من الرؤية الحيادية والصدق والمرحلة العمرية وبالذات إذا كانت متقدمة فإن الأمور تختلط عليه، فضلا عن دور الكاتب فيما يرويه من أحداث، وما يسوقه من مبررات ليجعل صورته وردية. ولكن على جانب آخر، هناك آخرون لم يستروا أخطاءهم، ومن ثم فهم يقدمون خدماتهم للتاريخ، وفي الوقت نفسه ينالون احترام القراء، ونتيجة لذلك، وذلك عندما توضع تحت المنظار، وقبل ذلك الاتجاه الحيادي ليتسنى وذكريات سليمان حافظ سبق أن نشرت صحيفة الأخبار أجزاء منها عام ١٩٧٥، كما نشرتها صحيفة العربي عام ۱۹۹۷ . الأستاذ عادل السمرة. ومما يذكر أننا قد تدخلنا بالقدر البسيط في هذا النص سواء من حيث وضع علامات الترقيم والهمزات والتقسيم إلى فقرات أو التعليق العابر في الهامش التصويب معلومة جاءت سهوا من كاتبها بدأ سليمان حافظ كتابة هذه الذكريات بعد اعتزاله المناصب، حتى تكون نظرته لها بعد وقوعها مختلفة عن أثنائها، وانتهى منها في ٢٣ يونيو ١٩٥٦ ، ولا تنقسم إلى فصول، وإنما هي موضوعات التزمت إلى حد كبير بتتبع التاريخ، واختلفت من حيث الصفحات التي شغلتها، يستهل سليمان حافظ ذكرياته بإشارات لنظام ما قبل ثورة يوليو، تثبت أنه كان ناقما عليه، وعلى ما أصاب مصر منه. وبذلك يكون قد خرج عن الحياد الذي ذكره في بداية كتابته، ويرجع ذلك إلى أنه رجل صاحب ميول حزبية، وإن كان ينكر على نفسه ذلك. وترجم مشاعر الفرح التي غمرته مع بوادر قيام حركة الضباط، وكيف تمنى نجاحها والخلاص من الوضع القائم. وينقل إلينا إعجابه بنجيب، وهذا أمر طبيعي، فهو القائد وصاحب الماضي المشرف. وكان سليمان حافظ شأنه في ذلك شأن المصريين الذين أحبوه واعتبروه المنقذ لهم مما يعانون منه. ومنذ البداية جاء اختياره موفقا للمهمة التي ألقيت على عاتقه لما له من كياسة ودبلوماسية، وغبطة بما يحدث. ومما يميز الذكريات أن سليمان حافظ اعترف مبكرا في أثناء كتابته بأن ما أقدم عليه بالنسبة لمسألة الوصاية المؤقتة مع زميله السنهوري كان خطأ. ويُسجل أنه في أيامه الأولى مع الانقلاب كان يرغب في الاستقالة ليتفرغ لممارسة مهنة المحاماة، وقد استمر يعزف على هذه النغمة حتى استقال بالفعل بعد واحد وعشرين شهرا من إسهاماته في الأحداث، ويرجع السبب في الرجوع عنها طوال هذه الفترة إلى الضغط عليه من ناحية، من ناحية أخرى. وبين الأخير ونجيب في النهاية، ولكن الأمر اختلف بين الشخصيتين فلم يكن يرتاح للأول والعكس مع الثاني. وكان يؤمن بأن حركة الضباط تحولت إلى. انقلاب عسكري ثم أصبحت ثورة، وأن الشواهد دلت على ذلك، وعد أن الأمر أصبح لزاما على القانونيين بشأن حمايتها، ويدافع عن نفسه بأنه أراد أن يحيط أعمالها بسياج من الشرعية، ويلوم الآخرين الذين اتهموه بهذا المسلك، وغدا ذلك ورقة استخدمت ضده فيما بعد. وعندما يتعرض لشخصيات من مجلس قيادة الثورة لا يذكر أسماءهم، وإن كان بعد ذلك رددها. كما يتضح أنه كانت له العلاقات القوية مع بعضهم، فهو أحيانا لا يسميهم، هو ويرجع ذلك إلى طبيعة عملهم السري فيما قبل القيام بحركتهم. إذ انتابه الإحساس بسحب البساط من تحت قدميه، معترفا بما كان له من الحسنات والسيئات، وأنهم لم يقدروا ما فعله في سبيل نجاحها، ومن ثم لازمه الندم، هؤلاء الرجال ؟ فإنه - أي سليمان حافظ - استبعد ذلك، ورجح أن ما حدث تم بناء على تدبير رجال الصف الثاني، وعندما علم فيما بعد بأن عبد الناصر له اليد في هذه المسألة، بذلك، ويذكر أن التساهل جاء خوفا على النظام القائم، وهو أقرب للواقع، ويحلل جيدا لماذا فضل السودان الانفصال عن مصر، وأن الأخيرة خسرت نتيجة سوء تصرف القائمين عليها وصراعاتهم التي أفضت لما صار عليه الوضع، ويتناول شخصية الدكتاتور وصفاته وتصرفاته والمنافقين الذين يلتفون حوله وواضح أن المقصود هو عبد الناصر، ولكن على الوجه الآخر،