1 تعريف الوظائف اللغوية من منظور اللسانيات الاجتماعية ‏II. تعريف الوظائف اللغوية من منظور اللسانيات الاجتماعية وفي الحقيقة تحديد الوظيفة اللغوية لا يكون بإسناد «منزلة» Statu» بعينها لكل لغة؛ بل لا بد من بعد هام جادا؛ وهو تصورات الناطقين بتلك اللغة أو اللغات ومواقفهم منها 13 . لذا تحديد الوظائف اللغوية ليس حكرا على الدستور، لأن الوظائف التي تقوم بها اللغة داخل المجتمع تتغير تلقائيا ودون تخطيط في أغلب الأحيان، وذلك لأن اللغة ذاتها تتغير بمرور الزمن. ومثال ذلك تغير اللغة الأم بتبني اللغة العربية في كثير من أجزاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد الفتح الإسلامي، حيث أصبحت للغة العربية وظيفة اللغة الأم واللغة الرسمية للدولة. فلا غرابة في وجود وظائف غير التي يحددها الدستور؛ كوظيفة التثقيف أو وظيفة الانسجام الاجتماعي أو وظيفة الاندماج النطاقي. وهي وظائف سأقف على تعاريفها في ثنايا هذا المقال. من حيث المبدأ يمكن - نظريا عند رسم السياسة اللغوية التركيز على أي وظيفة تواصلية، أما عمليا فنجد السلطة والنخبة المضادة تستهدف وظائف أخرى للغة تمكنها من توسيع سلطتها أو الحفاظ عليها . فما هي وظائف اللغة هذه؟ فإن ستيوارت Stewart حدد وظائف اللغة من منظور اللسانيات الاجتماعية فيما يلي:1- الوظيفة الرسمية : ويرمز لها بالرمز (0) من الأبجدية الانجليزية. وهي تعني أن اللغة الرسمية هي معتمدة لأداء كافة الأنشطة الممثلة للدولة، سياسيا وثقافيا. يحددها الدستور. ولها ثلاثة أنواع (مظاهر) أ- اللغة الدستورية الرسمية (القانونية) وهي التي يصفها الدستور بذلك. ب اللغة العملية الرسمية (الإدارية) والتي بها يتم التعامل الإداري وعلى لافتات الطرقات وعلى العملة وطوابع البريد. ج اللغة الرمزية الرسمية التي تستعملها الدولة كرمز لها ولقوميتها. ففي فلسطين المحتلة تعتبر إسرائيل اللغة العبرية هي اللغة الرسمية بالمفاهيم الثلاثة، أما العربية فيها فهي اللغة الرسمية من الناحيتين العملية والقانونية، أما الإنجليزية فهي لغة رسمية من الناحية العملية فقط. أن اللغة العربية كانت هي لغة التعليم ولغة الجمهور في عهد الخلافة العثمانية، في حين كانت التركية هي اللغة الحكومية أما الفرنسية فقد كانت لغة الدبلوماسية، والنخبة الجزائرية أيضا . أما التبادل التجاري فشاعت فيه لغة الخليط مثل لغة فرانكا كما يذكر أبو القاسم سعد الله 18 . فاللغة العربية قبل الاحتلال لم تكن لغة رسمية دستوريا لأن الدستور العثماني (القانون) لا يصفها بذلك بل لم يرد ذكر اللغة العربية إطلاقا في الدستور، لأن هذه الوظيفة كانت مسندة للتركية تناغما مع سياسة التتريك التي تبنتها الخلافة العثمانية وبموجب ضم الجزائر إلى الخلافة 19. و لكن رغم ذلك ظلت العربية لغة دستورية عملية ورمزية لمعظم الأقطار الإسلامية إذ قد أوجدت دولة الخلافة العثمانية وحدة بين الولايات العربية التي دخلت في سيادتها، فاحتفظت كل منها بمقوماتها الأساسية؛ مثل: الدين الإسلامي واللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية، والعادات والتقاليد الموروثة عبر العصور . 20 ، لذا كان استعمال العربية رمزا لوحدة الهوية بين كل المسلمين ولكنفي ذات الوقت كان دليلا على كون المواطن الذي يستعمل العربية ليس من الرعية التركية فهو بتعبير أدق لا يحوز على حقوق المواطنة كما يؤكد ذلك الدستور. و في الجزائر باعتبارها إيالة (ولاية عثمانية كانت تسود فيها تعالم الدستور العثماني ولكن رغم ذلك اللغة التركية كانت قليلة الاستعمال ومحصورة الانتشار ولا نكاد نجدها خارج الجزائر العاصمة، أما في العاصمة فقد كانت اللغة التركية مستعملة في مستويات إدارية كالمجلس الرسمي (الديوان)، وكانت الترجمة هي وسيلة التبليغ بين الحاضرين إذا لزم الأمر. كما أن اللغة التركية كانت مستعملة في ثكنات الجيش الإنكشاري بالخصوص، لأنه جيش خليط ومن مواليد الأناضول في معظمه. والمعروف أن الحروف العربية هي التي كانت مستعملة سواء تعلق الأمر باللهجات الدارجة أو باللغة التركية 2. وهذا ما يؤكد أن للعربية قبل الاحتلال وظيفة رسمية عملية ورمزية رغم غياب وظيفتها الرسمية الدستورية. لكن بعد الاحتلال الفرنسي أسندت الوظيفة الرسمية الدستورية للغة الفرنسية؛ إذ يصفها الدستور الاحتلال بذلك دون العربية، بل وحاولت فرنسا أن تسند للفرنسية حتى الوظيفة الرسمية العملية والرمزية من خلال قرارات وتعليمات فرض التعامل بالفرنسية وإقصاء العربية. كان أهمها 22 : -1- قرار صدر عام 1848 حول اللغة ورد فيه إن لغتنا هي اللغة الحاكمة إن قضاءنا المدني والعقابي يصدر أحكامه على العرب الذين يقفون في ساحته. بهذه اللغة، وبهذه اللغة وحدها، يجب أن تكتب جميع العقود، وليس لنا أن نتنازل عن حقوق لغتنا . وأن أهم ما ينبغي أن نعتني به هو السعي لجعل اللغة الفرنسية دارجة وعامة بين الجزائريين الذين عقدنا العزم على استمالتهم، وإدماجهم فينا وجعلهم فرنسيين». 2 تعليمة موجهة إلى حاكم الجزائر غداة الاحتلال جاء فيها: «إن إيالة الجزائر لن تصبح حقيقة مملكة فرنسية إلا عندما تصبح لغتنا هنا لغة قومية والعمل الجبار الذي يتوجب علينا إنجازه هو السعي وراء نشر اللغة الفرنسية بين الأهالي بالتدريج إلى أن تقوم مقام اللغة العربية -3 في عام 1904 صدر قانون يحرم على الجزائريين أن يفتحوا مدرسة عربية أو كتابا لتعلم القرآن ما لم يحصلوا على ترخيص. ثم جاء قرار «شودان» Chaudain وزير داخلية فرنسا في عام 1938 ليؤكد تطبيق القانون السابق الخاص بمنع فتح مدرسة لتعليم العربية. فمن خلال تتبع الوضع القانوني للغة العربية قبل الاحتلال وبعده نجد أن في كلا العهدين لا يعكس وضع اللغة الدستوري حالها الميداني في حياة الناس والمجتمع فهي لم تخضع للدسترة رغم كونها لغة أما لمعظم السكان، لذا بقيت وظيفة اللغة العربية الرسمية محصورة في الوظيفة الرسمية العملية، وإن لم يحددها الدستور أيضا لا قبل الاحتلال ولا بعده. فيما لا يمكن للفرنسية ولا التركية القيام به كتوثيق بعض من العقود والفتاوى وتعليم القرآن. إلا أنها نجحت في التعبير عن الوظيفة الرسمية الرمزية للجزائريين - رغم عدم دسترتها لا قبل ولا بعد الاحتلال لأن الجزائر كانت منذ الفتوحات الإسلامية تعتز بالانتماء القومي العربي فاللغة العربية بهذا الواقع لم تكن لغة رسمية دستورية بنص الدستور) وكانت لغة رسمية عملية ورمزية بواقع الميدان، وإن لم يحدد الدستور ذلك ولم يعلن عليه أيضا، وهذا ينسحب على فترة ما قبل الاحتلال أما بعد الاحتلال فقد حاول الاحتلال أن يسحب من العربية الوظيفة الرسمية بمفاهيمها الثلاث الدستورية والعملية والرمزية، لأن اللغة الدستورية أو القانونية ترمز إلى 94الذاكرة المشتركة وإلى تطلعات المجتمع (أو الأغلبية فيه وطموحاتهم وإلى ماضيهم ومستقبلهم. فعندما ينظر المجتمع إلى اللغة بأنها رمز عظمته وقوته فإن تحديد تلك اللغة بأنها اللغة الرسمية يعزز شرعية سلطة الحكومة 23. ولعل هذا ما عجزت عن تحقيقه اللغة التركية وخططت الفرنسية للوصول إليه. 2 الوظيفة الإقليمية : أي وظيفة الاستعمال الإقليمي وفي حدود الإقليم يرمز لها بالرمز (P) من الأبجدية الإنجليزية. هي لغة تؤدي دور اللغة الرسمية في حدود جغرافية محددة، فلا وظيفة قومية لها. ويمكن أن تتسحب عليها الأنواع الثلاثة للغة الرسمية الإقليمية الدستورية والعملية والرمزية). قبل الاحتلال لم يخضع تقسيم الجزائر إلى أقاليم وعمالات على أساس لغوي. فمثلا عمد إلى تكريس المنطق اللغوي في مجموع بلاد زواوة وسماها القبائل 25 ، ومثلها منطقة الأوراس والتوارق. فأحد القساوسة ألقى السلام بالفرنسية على طفل أمازيغي في منطقة القبائل، فرد عليه السلام بالعربية، فقال له القس: "لا تسلم علي بلغة ليست لغتك بل سلم علي بالقبائلية 26. 3- الاستعمال اللغوي المتداول على نطاق أوسع : يرمز له بالرمز (W) من الأبجدية الإنجليزية. ولا يمكن أن تؤدي الوظيفة العمودية بين الحاكم والرعية لا الرسمية ولا الإقليمية، لأنها للتواصل الأفقي بين أفراد الرعية). ومثالها لغة «ماندینجو» Mandingo التي استخدمتها فرنسا الاستعمارية للتواصل مع السكان المحليين. ففي فترة الاستعمار سيطرت عليه اللغة العربية بمظهرها العامي، والذي لا يمثل الشكل الرسمي للغة العربية. فهي تستعمل للتواصل الأفقي بين الأفراد الرعية 95ولا تؤدي وظيفة التواصل العمودي في المقامات الإجلالية مثل اللغة العربية في مظهرها فصيح وفي الحقيقة تمايز الوظائف اللغوية الاجتماعية للغات في الجزائر، جعل اللغة العربية الفصحى تنفرد بوظيفة اللغة الوطنية، في مقابل ذلك انفردت العاميات والأمازيغية بوظيفة التواصل العادي. فالتباين الوظيفي بين الفصحى وعامياتها ليس غريبا؛ لأن اللغة الفصحى في أية أمة تلعب دور الملكة التي لا تقبل التعدد، أما اللهجات واللغات الشعبية المحلية فهي تلعب دور الخادمات المساعدة للملكة في الشؤون العادية اليومية غير الرسمية. فإذا كان من الممكن عند الضرورة، أن تقوم الفصحى بأعمال الخادمات، 28. 4- الاستعمال الدولي 29 يرمز له بالرمز (1) في الأبجدية الإنجليزية. لذا تراعى مثل هذه اللغات في السياسة التعليمية للدول، باختيار أوسع اللغات انتشارا لتعليمها في المدارس ومثالها اللغة الإنجليزية في إسرائيل؛ إذ هي لغة تعامل تجاري مع غير إسرائيليين، ومع السواح ومواطني الدول الأخرى. مع كانت اللغة الفرنسية هي لغة الدبلوماسية والتجارة الدولية والسياحة وغيرها. ولكن رغم ذلك، ظلت اللغة العربية تتميز بوظيفة الاستعمال الدولي، لأن اللغة العربية الفصحى تتميز بكونها جامعة للهجاتها داخل الدولة وخارجها، بل لا يمكن التعرف على بيئة المتكلم إن تكلم العربية الفصحى. لذا فهي تؤدي وظيفة الاندماج الاجتماعي، إذ تدل على الانتماء القومي والانتماء الوطني 30. 5- الاستعمال اللغوي في العاصمة وما حولها 3 رمزه بالأبجدية الانجليزية (C). ولها مهمة التواصل في حدود عاصمة الدولة وما حولها، خاصة إذا كانت هذه العاصمة السياسية هي العاصمة الاقتصادية ولها نفوذ اجتماعي كبير، مما 96ولا تؤدي وظيفة التواصل العمودي في المقامات الإجلالية مثل اللغة العربية في مظهرها فصيح وفي الحقيقة تمايز الوظائف اللغوية الاجتماعية للغات في الجزائر، جعل اللغة العربية الفصحى تنفرد بوظيفة اللغة الوطنية، في مقابل ذلك انفردت العاميات والأمازيغية بوظيفة التواصل العادي. فالتباين الوظيفي بين الفصحى وعامياتها ليس غريبا؛ لأن اللغة الفصحى في أية أمة تلعب دور الملكة التي لا تقبل التعدد، أما اللهجات واللغات الشعبية المحلية فهي تلعب دور الخادمات المساعدة للملكة في الشؤون العادية اليومية غير الرسمية. فإذا كان من الممكن عند الضرورة، أن تقوم الفصحى بأعمال الخادمات، فلا يمكن أن يحدث العكس. 28. 4- الاستعمال الدولي 29 يرمز له بالرمز (1) في الأبجدية الإنجليزية. وتعني هذه الوظيفة أن للغة استعمالا في الأغراض الدبلوماسية والتجارة الدولية والسياحة. لذا تراعى مثل هذه اللغات في السياسة التعليمية للدول، باختيار أوسع اللغات انتشارا لتعليمها في المدارس ومثالها اللغة الإنجليزية في إسرائيل؛ إذ هي لغة تعامل تجاري مع غير إسرائيليين، ومع السواح ومواطني الدول الأخرى. أسندت للغة الفرنسية في فترة الاحتلال وخاصة في التعامل مع غير العالم العربي. ظلت اللغة العربية تتميز بوظيفة الاستعمال الدولي، بل لا يمكن التعرف على بيئة المتكلم إن تكلم العربية الفصحى. لذا فهي تؤدي وظيفة الاندماج الاجتماعي، إذ تدل على الانتماء القومي والانتماء الوطني 30. 5- الاستعمال اللغوي في العاصمة وما حولها 3 رمزه بالأبجدية الانجليزية (C). ولها مهمة التواصل في حدود عاصمة الدولة وما حولها، خاصة إذا كانت هذه العاصمة السياسية هي العاصمة الاقتصادية ولها نفوذ اجتماعي كبير، مما 96يجعل اللغة أو لغات العاصمة تنتشر في أطراف الدولة. ولا تشكل هذه اللغة ولا وظيفتها محور اهتمام السياسات اللغوية. يقول عثمان سعدي عن لغة العاصميين إبان فترة الاستعمار: «المعروف أن لهجة العاصمة في أي قطر تعتبر أرقى من لهجات المناطق الأخرى وقد شذت مدينة الجزائر التي تعتبر لهجتها أفقر لهجات الجزائر وذلك بسبب معاناتها من الوجود التركي طيلة ثلاثة قرون، ومن الاستيطان الفرنسي والأوربي طيلة قرن وثلث قرن 32 فلم تكن للعاصمة لغة خاصة للتواصل في حدود العاصمة وما حولها، رغم كون الجزائر عاصمة سياسية واقتصادية للدولة ولها نفوذ اجتماعي كبير. 6- الاستعمال الخاص بالمجموعات : 33: يرمز له بالرمز (G) من الأبجدية الإنجليزية. حيث توكل للغة مهمة التفاهم الطبيعية بين أفراد مجموعة عرقية وثقافية واحدة؛ مثل القبيلة أو مجموعة مهاجرين مستقرين. وقد ترتقي هذه الوظيفة - بشكل غير رسمي لتشكل معيار الانتساب والعضوية للمجموعة، ويمكن أن تكون هذه اللغة محور رسم سياسة لغوية، كما حدث مع محاولات إسرائيل جعل العبرية لغة التواصل بين كل الإسرائيليين ومحاولة الايرلنديين جعل الايرلندية لغة التفاهم بين الشعب الايرلندي. وهي وظيفة تضطلع بها العاميات العربية الجزائرية والأمازيغية إبان فترة الاستعمار. قد تتغير وظيفة اللغة نتيجة عوامل نفسية عند الناطقين بها كالخوف من السخرية أو إخفاء الانتماء القومي . وهذا ما ظهر جليا عند جماعة النخبة، في اعتمادها اللغة الفرنسية في تواصلها اليومي. ولعل من دوافع مثل هذا السلوك دلالات السخرية والدونية التي تربطها فرنسا باللغات الأخرى. يقول «كالفي»: ومن هنا فإن كلمة تدل على الجغرافيا ابتداء . » تبدأ شيئا فشيئا في أخذ معنى اجتماعي تحقيري، 97بين عدد محدود من الناس للآخر. إن هذا هو الأساس التاريخي السخرية الفرنسيين مما يسمونه حكايات كورسيكية أو حكايات بلجيكية 35. ومن هذه الإشاعات التي حاصرت بها فرنسا استعمال الجزائريين للغة العربية الفصيحة أو العامية أو حتى الأمازيغية الاستهانة بكل ما هو عربي، فأخذ المعمرون يحقرون من شأن ما هو جزائري وعربي في القول والعمل والتقاليد والأزياء والمحيط، فصوروا كل ما هو عربي ككائن قبيح، ناقص غير صالح للتطور ومن ذلك قولهم: «الطبع العربي»، و «الفوربي العربي»، و«البقرة العربية»، و«التين العربي أو البربري». 36. وما هذا التحقير إلا تكريسا لروح الانهزامية، وعملا على إنهاك الجزائري نفسيا بهذه الملفوظات المتفجرة، التي تقتل كل مبادرة نحو عمل لغوي راق في إطار قومي، وتسمم كل أجواء الجغرافيا اللغوية الجزائرية. 7- استعمال اللغة أداة للتعليم 37 ويرمز لها باللغة الإنجليزية بالرمز (E). وتعني جعل اللغة أداة للتدريس في المؤسسات التعليمية على المستوى الإقليمي والقومي. ولعل هذه الوظيفة من أهم المحاور التي تثور حولها نقاشات واسعة عند رسم السياسات اللغوية، لأن رسمها يشترك فيه السياسيون ورجال الأسرة التعليمية دون أن نستثني الضغوط التي يمارسها أصحاب المصالح والنفوذ السياسي والاقتصادي في اختيار اللغات التي تكون وسيلة للتعليم. يقول «كوبر»: «من المعتاد أن يفرض المستعمر لغته على النظام التعليمي للمستعمر. ويمكن حدوث مثل هذا الفرض التعسفي حتى في المستعمرات الأحادية اللغة. كما حدث في إيرلندا وتونس. وعلى الرغم من أن السياسة التي تم اتباعها كان لها تبريرا واضحا في حالة المستعمرات المتعددة اللغات كما في الهند والكمرون 38. ولكن فرنسا لم تفرض لغتها فقط بل فرضت حتى ثقافتها كتب «جورج هاردي» أحد الفرنسيين كلمة يقول فيها: «إن أحسن وسيلة لتغيير الشعوب البدائية في مستعمراتنا، وجعلهم أكثر ولاء وأخلص في خدماتهم لمشاريعنا هو أن نقوم بتنشئة أبناء الأهالي منذ الطفولة، وأن نتيح لهم الفرصة لمعاشرتنا باستمرار، وبذلك 98يتأثرون بعاداتنا الفكرية وتقاليدنا. فالمقصود إذن باختصار هو أن نفتح لهم بعض المدارس لكي تتكيف فيها عقولهم حسبما نريد 39. وعادة ما يتم تحديد لغة التدريس بقرار يشترك فيه السياسيون ورجال الأسرة التعليمية؛ إلا أن تحديد هذه الخيارات، كان من مهمة رجال السياسة الفرنسية وبعض من الخبراء الذين قدموا تقاريرهم حول الأوضاع اللغوية وغير اللغوية للجزائر حتى قبل احتلالها. وهذا يعني عدم إشراك الأسرة التعليمية الجزائرية في تحديد لغة التعليم ولا اللغات التي سيشملها التعليم. وتعني تدريس اللغات التي ليست لغات رسمية ولا إقليمية ويتم تدريسها في مراحل عليا كمرحلة الثانوي والجامعي، على اعتبار أن اللغة الثانية أدرجت للتدريس في المراحل الابتدائية. وقد يخضع اختيار اللغات موضوعا للتدريس لضغوط سياسية واقتصادية وتجارية . وقد تحركت فعلا جهود فرنسا في هذا الاتجاه وعمدت إلى جعل الدارجة مقررا دراسيا للفرنسيين خاصة في عهد «بيجو»، وأسسوا معهد الكوليج العربي في باريس سنة 1839، يكون «مشتلة» للمترجمين المقدر لهم العمل في الجزائر. وقد وصلت نسبة معرفة الكولون بالعربية 20% من الرجال و 10% من النساء يستطيعون التحدث قليلا بالعربية ولكن لا يكتب بها إلا 1. 7% من الرجال و 0. 5 % من النساء .