كانت له عينان وأذنان وأنف ويمشي على ساقين … ولكن المشكلة أن ملامحه تلك كانت تتخذ أوضاعًا غير بشرية بالمرة، فرقبته مثلًا تميل على أحد كتفيه في وضع أفقي كالنبات حين تدوسه القدم في صغره، ولم يحدث مرة أن ضيَّق هذه أو وسَّع تلك … وذراعاه تسقطان من كتفيه بطريقة تحس معها أنهما لا علاقة لهما ببقية جسده، وبشعر رأسه القصير الكثيف الخشن كالفرشاة تبدأ مشكلة تسترعي الانتباه … فليس فيه علامات أنوثة، وهوايته الكبرى أن يقف … يظل واقفًا بجوارك أو أمام دكانك أو في حوش بيتك كالمذنب بلا ذنب، فالطعام إذا قُدم إليه رفضه … والبعض يؤكد أنه يقتات بالحشائش من الغيطان، ولم تبلغ الجرأة بأحد أن يزعم أنها رؤية عين. أو على الأقل ينشر صورته في الجرائد والقيام معه بتحقيقات … ولكن أهل بلدنا لم يكونوا يرون فيه كائنًا شاذًّا أبدًا، وإذا أراد الخالق فلا مناصَ من إرادته … وليس على العبد أن يعترض على نظامه حتى إذا شذ النظام … وكم شذ النظام حتى ليبدو الكون بلا نظام. ويضمهم ذلك الموكب الرهيب البطيء السائر بهم نحو النهاية حيث لا نهاية، كل ما في الأمر أن أهل البلد كانوا يعاملون الشيخ شيخة بنوع خاص من الرهبة ليست فيها تلك القدسية الممزوجة بالسخرية التي ينظرون بها إلى المجاذيب والأولياء، وثبوته في مكانه ثبوتَ جذع نبت من الأرض فجأة … وإذا جذب وقوفه الذي يطول انتباهَ الأطفال، وتطوع واحد بالجري وراءهم حتى يغيبهم في شقوق البلدة وحواريها … والويل لهم إذا فكَّر أحدهم في معاكسته، أو نغزه بعود قطن ليجعله يصدر ذلك الفحيح الغامض الرفيع. ويقول الهامس للآخر حين يريد أن يطمئنه كي يفتح له صدره: قول يا أخي قول … ما تخافش … هو فيه إلا أنا وأنت والشيخ شيخة … قول. خافتة واهنة لا تكاد تصل إلى الألسنة حتى تذوب فوقها وتتبدد … مرة يقولون: إن ثمة علاقة مريبة تربطه بنعسة العرجة، حيث كانت تذهب نعسة لتبيع الجبنة واللبن وأحمال الحطب في الفجر … ويتردد الناس ألف مرة في تصديق أيهما؛ وهو الذي جعلها تستقر آخر الأمر في عملها الذي رشَّحَتها له عضلاتها القوية وعظامها العريضة … حمالة أحطاب وتبن وطحين وكل ما لا يستطيع وما لا يليق بالرجال أن يحملوه. تلك التي تلتهم الأحمال الوعرة والعمل الشاق علاماتِها واحدة وراء الأخرى … وعيبها الوحيد أنها كانت إذا مشت فاضية بغير أحمال لا تعرف كيف تمشي، ومرة سرَتْ قصة تقول إن الشيخ شيخة ليس ابنَ رجل كبقية الآدميين ولكنه ابن قرد، ولتهمس أن الشيخ شيخة ما هو إلا ابن عبده البيطار الذي يقص شعر الحمير ويقلم حوافرها ويركب لها «الحدوات» الحديد. أقاويل وقصص وإشاعات هشَّة وخافتة ومتباعدة، وكأنما يؤكد بها الناس إصرارهم على محاولة تفسير هذا اللغز الحي؛ ولكنها إشاعات وحكايات لا تفسر ولا توضح … وبعضها يقال للترويح عن النفس لا غير. – ما لك يا ولد جرى إيه؟ قال بتهتهة العبايدة وحشرجتهم: إنتم بالكم إيه! قال: دا أَتَبن الشيخ شيخة بيسمع وبيتكلم زي البربند. – إزاي يا ولد؟ مش معقول … دا من رابع المستحيل … عرفت إزاي؟ والولد يقسم برحمة أبيه إنه كان فائتًا من ناحية الخرابة، فسمع اثنين يتكلمان بصوت منخفض ما لبث أن ارتفع، فجرى وجاء يلهث ويرتجف ويروي الحكاية. أو من الجائز جدًّا أن المتحدثين كانا من الجان … فهو احتمال أقرب كثيرًا من أن يكون الشيخ شيخة يتحدث أو يتكلم أو يعقل الكلام. فرغمًا عنهم وبدون قصد راحت نظرتهم إلى الشيخ شيخة كلما رأوه أو تسمَّر قريبًا من أحد مجالسهم … راحت نظرتهم تختلط بتساؤل شاكٍّ بمجرد احتمال، فمصيبة كبرى بل فاجعة الفواجع لو صح القول … هذه السنين التي قضاها يُعامَل معاملة الكائن المكاني الذي لا يَرى ولا يَسمع ولا يعقل، فمن المحال أن يروا الأجزاء الخافية العميقة التي لا يمكن أن تصلها يدٌ أو عين أو أذن … لا تصلها إلا إذا أخرجها صاحبها، أو لأقرب الناس إليه أو أحيانًا أبعدهم منه … ولكن لا بد أن يتوسم فيه القدرة على حفظ سره … والشيخ شيخة كان يمثل هذا الدور في أحيان لبعض الناس. ففيها كيانه وفيها مفاتيحه ونواياه الداخلية التي تفرقه عن الآخرين وتحفظ استقلاله … والعائلة المكونة من أفراد تضطر لإِحاطة نفسها ببيت ذي جدران بالغة السمك، فيكون لها هي الأخرى كيانها وذاتها واستقلالها … والبلدة تضطر هي الأخرى لإِحاطة نفسها بسور مفترض وحدود وجنسية، فقد لا يعد هذا هدمًا لكل الجدران الداخلية التي تحيطهم وتقسمهم، فيقوم حينئذٍ يوم الفوضى الذي هو أفظع وأبشع من يوم القيامة. وملامحه مثلما رأوها دائمًا صلبة متجمدة لا تنفك، ولا بارقة انفعال لمحها أحد تطفو على سطح هذه الكتلة المدكوكة من اللحم والعظم والشحم. وكان أن بدأت الزوابع التي هاجت للخبر تهدأ وتئُوب إلى رضًا واقتناع، والرعب الذي اكتسح كلًّا منهم حين أدرك أنه من الممكن جدًّا أن تكون فرجة صغيرة قد صُنعت في حائطه، هذا الرعب بدأ يتحول إلى اطمئنان وما صاحبه من شك يتجمَّد على هيئة يقين. وكاد يصبح لما حدث نفس المصير الذي كانت تلقاه الشائعات لولا حادث آخر وقع. وكانوا يقسمون على ما يقولون … ففي ظليلة السعدني التي تحتل بطن الجسر، ويُصنع للوافدين عليها القهوة والشاي ويرص المعسل. كان الحديث يدور يوم السوق عن الحادثة التي رواها ابن العبايدة، حتى دفعت المزايدة الدائرة أحدَهم لأن يقسم أنها راودته ذات يوم عن نفسه. وإنما انفجار كالهدير أو كالجمل حين يضرب بالقلة، ثم الأهم من هذا كله كلمة سمعها البعض «أعوذ بالله»، ولكن الشيء المؤكد أنهم جميعًا سمعوا كلامًا بشريًّا يتصاعد قربهم، رأوا الشيخ شيخة يترك مكانه تحت الشمس ويتحرك بأسرع مما اعتاد، ولا يلبث أن يختفي في حقل الأذرة القريب ولا يظهر. وقسم كبير آخر أهوَن عنده أن يصدق أن الجسر قد نطَق وتكلم من أن يصدق أن الشيخ شيخة هو الذي فعل … ولكن هذا الجدل والخلاف كان يجري على أسطح الألسنة فقط، ويصبح كل ما قيل ويُقال كذبًا في كذب وكابوسًا رهيبًا مزعجًا غمر البلدة ومن فيها. غير أن الشيخ شيخة رغم كثرة الباحثين عنه لم يعثُر له أحد على أثَر؛ وأغرب شيء أن نعسة كانت تسحبه من يده! وما كاد الخبر ينتشر حتى كانت البلدة كلها بكِبارها وصغارها، وبالأخص نساؤها اللاتي كنَّ يبدون هالعات يرتَجفن من الغضب والذعر، ويكوِّنَّ بقعة كبيرة سوداء في الدائرة الآدمية المحكمة التي ضُربت حول نعسة والشيخ شيخة. ومضت أعينها تمتد إليهما وتتفحصهما بحدة وشراهة … ولم يكن شيء قد تغير في الشيخ شيخة … شواله الأزرق على حاله، يا غَجَر يا لْمامة عايزين إيه؟ ابني ولَّا مش ابني ما لكم وما لنا؟ … أخرس ولَّا بيتكلم عايزين منه إيه؟ كان عيَّان وداويته يا ناس إيه الجناية في كده؟ وحتى لو ما كانش عيان، لو كان سليم وسمع وشاف … يعني حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ ما الحالْ من بعضه … واللي بيقول في حق الناس كلام بطَّال بيتقال عليه كلام بطَّال … واللي بيخبي العيب عن جاره حيلاقي جاره بيخبي عنه نفس العيب … حيكون شاف إيه وسمع إيه؟ … اوعَ كده أنت وهو لَحْسَن وحياة مقصوصي ده اللي حاطُوله منكم، ولدت الضحكة في عقل الرجل كل الظنون وتلعثم وأُجبر مرغمًا على السكوت … إذن من يدري؟ ربما يضحك الشيخ شيخة منه؛ لعلمه بسر نقطة الدم التي لا تزال عالقة بذيلِ جلبابه، وأنهم أمام الشيخ شيخة عرايا من كل ما يَسترهم ويحفظ لهم الشخصية والكرامة والكيان … وأنهم أبدًا لا يستطيعون أن يحيَوا في بلدة واحدة معه، وتُسرع الأرجل هالِعة إلى مصدر الصوت، ويفاجَئُون بها تقذفهم بوابل من الطوب والأحجار، بينما الشيخ شيخة ممدَّد أمامها غارقًا في دمه،