بعث اتفاق واشنطن الموقع بين حكومتي رواندا والكونغو الديمقراطية، الأمل في إمكانية إنهاء الصراع في منطقة البحيرات الكبرى. ويعود هذا الأمل إلى مستوى الاهتمام الدولي الذي عكسه حضور الرئيس الأميركي ووزير خارجيته مراسم توقيع الاتفاق بين وزيرة خارجية الكونغو الديمقراطية ونظيرها الرواندي في البيت الأبيض. فقد تحول الصراع في البحيرات الكبرى إلى حرب منسية تكاد لا تجد لها ذكرًا في المحافل العالمية، ولا تحظى بأي اهتمام على الأجندة الدولية. وجاء هذا الاتفاق ثمرة وساطة قطرية-أميركية بدأت رسميًّا بقمة ثلاثية في الدوحة بين رئيسي الكونغو الديمقراطية ورواندا، وجاءت الوساطة القطرية-الأميركية في ضوء تطورات ميدانية متسارعة، أبرزها سيطرة حركة "أم23 " على حواضر الأقاليم الثلاثة لشرقي الكونغو؛ وعجز الوساطة الإفريقية عن جمع رئيسي البلدين، والواقع أن المعطيات الميدانية التي جاءت في خضمها هذه الوساطة الدولية، تتنزل في سياق من الاضطرابات الأمنية في شرق الكونغو، صاحبه فشل مزمن في إيجاد حل دبلوماسي لهذا الصراع، تجدد العنف وعودة الاهتمام الدولي أثار انهيار هذا الاتفاق المخاوف من عودة العنف إلى منطقة البحيرات الكبرى، فإنه يُعد أطول صراع إقليمي مسلح في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ترتبت على عودة حركة "أم 23" إلى حمل السلاح حرب إعلامية شرسة بين نظامي كيغالي وكينشاسا، مصحوبة بتحركات دبلوماسية سعى من خلالها كل طرف إلى حشد الدعم الدولي لروايته وإدانة الآخر في المنابر الدولية ولدى القوى العالمية، وكان من تجليات هذا الحراك الدبلوماسي الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي، إلى سحب قواته من شرق الكونغو ووقف دعمه لحركة "أم 23". وكان لافتًا أن الرئيس الفرنسي تحدث إلى نظيره الرواندي بحضور الرئيس الكونغولي، الذي كان حينها يقوم بزيارة إلى فرنسا(4). حاول الرئيس الفرنسي التوسط بين البلدين لحل مشكلة شرقي الكونغو، مستندًا إلى التحسن في علاقات بلاده مع رواندا بعد اعترافه شخصيًّا، بتقصير بلاده في منع إبادة التوتسي عام 1994، لكن هذه الجهود تعثرت بسرعة، وغالبًا فإن ماضي العلاقة بين باريس وكيغالي، ألقى بظلاله على هذه المحاولة الفرنسية التي لم تكن الوحيدة. جهود وساطة حثيثة، رفض الرئيس الرواندي القدوم إلى لواندا للقاء الرئيس، تلقت الوساطة الأنغولية ضربة قاضية بعد رفض حركة "أم 23" الحضور للقاء في لواندا مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية. نهاية وساطة بلاده في نزاع شرقي الكونغو(6). فإنها استطاعت إعادة هذا الصراع إلى واجهة الأجندة الدولية من خلال جدولته في اجتماعات مجلس الأمن الدولي، رغم تقارير خبراء الأمم المتحدة التي تتهم رواندا بنشر آلاف من جنودها في شرق الكونغو، وسيطرتها على الأقاليم الثلاثة الرئيسية بشرقي الكونغو، فقد دفع هذا الهجوم الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على وزير الاندماج الإقليمي في الحكومة الرواندية، لدوره في الإشراف على الدعم المفترض الذي تقدمه بلاده لحركة "أم 23"، كما دعت الحكومة الرواندية إلى وقف دعمها للحركة(8). وهو جنرال متقاعد ومقرب من الرئيس كاغامي، بقيادته للقوات الرواندية التي رافقت قوات التمرد بقيادة لوران ديزيري كابيلا في زحفها من شرقي الكونغو إلى العاصمة، استدعت المفوضية الأوروبية السفير الرواندي لديها، وأبلغته إدانتها لهجوم حركة "أم 23"، ودعوتها كل الأطراف إلى وقف القتال، كما استدعت الحكومة الألمانية السفير الرواندي في برلين، وأبلغته إدانتها لـ"انتهاك رواندا القانون الدولي من خلال نشر قواتها في الكونغو الديمقراطية". جذور الصراع: إبادة عرقية وحربان لم يعرف شرق الكونغو الاستقرار منذ استقلال البلاد عن بلجيكا، لتدخل البلاد في حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات، بل عبَّرت أيضًا عن النقاش الذي كان دائرًا يومها بين النخب الكونغولية بشأن طبيعة الدولة الكونغولية المأمولة: هل هي دولة مركزية على غرار دول القارة التي كانت مستقلة حينها، بلجيكا؟ ويعزز أصحاب هذا الرأي الأخير موقفهم بشساعة مساحة البلاد، يعود الصراع الدائر حاليًّا في شرقي الكونغو إلى تسعينات القرن الماضي؛ فقد أدت إبادة التوتسي في رواندا (7 أبريل/نيسان- 17 يوليو/تموز 1994) إلى حالة من عدم الاستقرار على جانبي الحدود بين البلدين. نزح الآلاف من التوتسي هربًا من القتل على أيدي ميليشيات نظام الإبادة الذي استولى على السلطة بعد مصرع الرئيس، حيث شارك الرئيس في جولة مفاوضات مع الجبهة الوطنية الرواندية المعارضة، ومع تقدم الجبهة الوطنية الرواندية انطلاقًا من قواعدها في أوغندا المجاورة، نزحت أعداد كبيرة من الهوتو إلى شرقي الكونغو خوفًا من الانتقام، ظلت قيادات وفلول نظام الإبادة الرواندي تعيش متخفية في شرقي الكونغو، وتعززت هذه المخاوف مع دخول الجيش الرواندي الأراضي الكونغولية (يومها كان اسمها زائير، وهو الاسم الذي حملته معظم فترة حكم موبوتو بين1966 و1997)، صحبة قوات التمرد بزعامة لوران ديزيري كابيلا، تحولت إلى كراهية وعداء شديدين لرواندا ونظامها السياسي. تدفع الحكومة الرواندية بأن دخول قواتها إلى الكونغو دافعه درء خطر وجودي كامن يتهدد رواندا بأكملها، لم يدم شهر العسل طويلًا بين كابيلا ونظام كيغالي، طلب المتمرد السابق من رواندا سحب جيشها، وارتكابهم جرائم قتل واضطهاد في حق المدنيين(12). انسحبت القوات الرواندية والأوغندية، وإدانات قوية من دول الجوار. بدأ التدخل الرواندي في الكونغو يدفع المنطقة إلى حالة من الاستقطاب الإقليمي، إثر سيطرة قوات رواندية وأوغندية نُقلت جوًّا، على مطار كيتونا في جنوب غربي الكونغو، كان الهدف من العملية احتلال الواجهة البحرية الصغيرة للبلاد (70 كيلومترًا)، والسيطرة على ميناء ماتادي، رئة البلاد الاقتصادية، ورغم تمكن القوات الرواندية والأوغندية من السيطرة على المطار في الساعات الأولى للهجوم، واضطر القوات المهاجمة إلى الانسحاب جنوبًا باتجاه أنغولا، والاختباء في الأدغال إلى أن جرى إجلاؤها بعد ذلك بأربعة أشهر. قبل عملية كيتونا بيومين، وسيطروا على المواقع الحيوية في مدينتي غوما وبوكافو؛ ردَّت السلطات الكونغولية بدعوة الهوتو في شرقي البلاد إلى التعبئة، وانخرطت وسائل الإعلام الرسمية في تسويق خطاب معادٍ للتوتسي؛ ما أشاع مشاعر معادية لهم بين السكان، ومدن شرقي البلاد. ومن مظاهر التحول في الموقف الرسمي الكونغولي إزاء الصراع في شرقي البلاد، عن تشكيل "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" من طرف قيادات سياسية وقادة عسكريين من فلول نظام الهوتو المسؤول عن إبادة التوتسي في رواندا قبل ذلك بست سنوات. مصرعه على يد أحد حراسه، ولن تعرف الحرب طريقها إلى النهاية إلا بعد وساطات عدة ستتوَّج باتفاق بين الحكومة الكونغولية وحركات التمرد، المؤلَّف من التوتسي والذي تدعمه رواندا، تشكيل حكومة انتقالية في الكونغو، وبالمقابل ستسحب أوغندا قواتها من شرق الكونغو. لن ينعم شرق الكونغو بالسلام، فما كادت حرب الكونغو الثانية تنتهي حتى تفجرت حرب جديدة من نوع آخر، في إحالة على أنها صارت محصورة تقريبًا في هذا الإقليم الغني بالمعادن النفيسة والنادرة. ستولد من رحم هذا الصراع عشرات المجموعات المسلحة، وشارك أغلبهم في حربي الكونغو الأولى والثانية. وسيتم إدماج أعداد من مقاتليها في الجيش الكونغولي(14). التهدئة مع رواندا وأوغندا خدمة لاستقرار نظام حكمه، والتشابك الاجتماعي والعرقي بين السكان المحليين وبين هذين البلدين. توجد في شرق الكونغو مجموعات سكانية رواندية (ناطقة بلغة كينيارواندا)، عزلها ترسيم الحدود على يد القوى الاستعمارية عن عمقها التاريخي شرق بحيرة كيفو. قد أصدر في ستينات القرن الماضي مرسومًا بمنح هذه المجموعات الجنسية الكونغولية، ظلت رواندا تطالب بإعادة ترسيم الحدود بما يضمن عودة هذه المجموعات إلى سلطة الدولة الرواندية. تقوم رؤية كابيلا على طمأنة رواندا إزاء ما تراه خطرًا وجوديًّا كامنًا. في نظر الحكومة الرواندية، سندًا لمتمردي "الجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا" في أي مواجهة عسكرية محتملة، لا ترى لها من هدف إلا استعادة حكم الهوتو لرواندا، كان كابيلا الابن يدرك جيدًا أن التهدئة مع رواندا وأوغندا لها ثمن باهظ، بغضِّ الطرف عن سيطرة الميليشيات الموالية للبلدين على مناجم المعادن النادرة والنفيسة (الكوبالت، كما ضحى كابيلا بسيادة حكومته على جزء مهم من التراب الوطني ثمنًا للتهدئة. رغم فداحة ثمنها على المستوى الاقتصادي، التحول السياسي في الكونغو وعودة الحرب شكَّل فوز فيليكس تشيسيكيدي في انتخابات 2018 تحولًا مهمًّا في التاريخ السياسي للكونغو الديمقراطية ومنطقة البحيرات العظمى، وكان جليًّا أن هذا التحول ستكون له تبعات على هذا البلد المركزي والمنطقة كلها، مع رواندا وأوغندا بشأن شرق الكونغو. رغبة في الحفاظ على التهدئة مع رواندا. فإن تشيسيكيدي لم يكن يخفي رفضه الشديد للواقع الأمني في شرق الكونغو، ولهيمنة رواندا وأوغندا على أقاليمه الثلاثة الغنية، وفي الجهاز الحكومي والإداري بشكل عام. ركز الرئيس الجديد على الجبهة الدبلوماسية من أجل إعادة الملف إلى الواجهة، وإدراجه على أجندة السياسة الدولية، وهو أمر ستكون له تبعات سلبية جدًّا على العلاقة مع رواندا، التي ظلت تحرص على عدم تدويل القضية وتسويتها في الإطار الإقليمي الضيق. عجز تشيسيكيدي عن إسناد تحركه الدبلوماسي بجهد عسكري يمكِّنه من تأهيل الجيش، وجعله قادرًا على تحقيق مكاسب ميدانية يستطيع توظيفها لانتزاع تنازلات من دول الجوار، بما يسمح باستعادة سيطرة الدولة الكونغولية على هذه المنطقة، وبينما كان الانطباع السائد هو أن علاقات البلدين في تحسن، على هجوم لمقاتلي حركة "أم 23" على أطراف المدينة، رافقه انتشار للشرطة الرواندية عند بعض مداخلها، لكن مسار الأحداث أثبت لاحقًا صحة اتهامات الحكومة الكونغولية، كما أن الحركة سرعان ما أعلنت عودتها إلى السلاح بحجة مماطلة سلطات كينشاسا في تنفيذ بنود اتفاق السلام الموقع عام 2012. نسفت هذه التطورات الميدانية المفاجئة جهود التقارب بين البلدين، ليدخل شرق الكونغو دوامة جديدة من العنف، تمكنت حركة "أم 23" من السيطرة على عواصم الأقاليم الثلاثة في شرقي الكونغو، وبدأت تعزز هجومها غربًا باتجاه مدينة كيسنغاني ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة؛ حين سيطرت قوات التمرد، بزعامة لوران كابيلا، تسندها القوات الرواندية والأوغندية، التي تمر منها كل الطرق الرابطة بين شرق الكونغو والعاصمة، وبلغ هذا الإخفاق حدوده القصوى مع رفض الرئيس الرواندي حضور قمة ثلاثية في لواندا، تدفع الحكومة الرواندية بأن أزمة شرق الكونغو أزمة داخلية، وهو أمر ترفضه الحكومة الكونغولية، ظلت رواندا ترفض اتهامات كينشاسا لها بتأجيج الوضع في شرقي البلاد من خلال الدعم النشط لحركة "أم 23"، ونشر تشكيلات من قواتها في إقليم كيفو يناهز عددها 4 آلاف، تعرضت الوساطة الإفريقية لنكسة ثانية قاتلة مع رفض حركة "أم 23" حضور لقاء مع ممثلين عن الحكومة الكونغولية في لواندا، نجحت الوساطة القطرية-الأميركية في صياغة اتفاق وضع إطارًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا يبدو كفيلًا بإنهاء الصراع، فقد نَصَّ على التزام كل من البلدين (الكونغو الديمقراطية ورواندا) باحترام سيادة البلد الآخر، ووقف الأعمال العدائية عبر الحدود سواء بشكل مباشر أو بواسطة مجموعات موالية بل تجاوز ذلك إلى إلزام الطرفين بتفكيك كل المجموعات المسلحة، وأبرزها حركة "أم 23" التي تدعمها رواندا، والجبهة الديمقراطية لتحرير رواندا المناوئة لنظام الرئيس بول كاغامي. كما نص الاتفاق على آلية للتنسيق الأمني بين البلدين يشرف الوسيطان على مراقبة عملها، وفي ضوء ميزان القوة المختل لصالح رواندا، جاء في الاتفاق أن تفكيك الجبهة الرواندية المعارضة يكون تلقائيًّا وشاملًا. في الحياة المدنية بالجمهورية الكونغو الديمقراطية، أم سيتم إدماج قياداته وعناصره بشكل فردي في الحياة السياسية(22). تركوا تفاصيل الحل للمفاوضات الجارية بين الحركة وبين الحكومة الكونغولية برعاية قطرية. يشمل الاتفاق أيضًا بُعدًا اقتصاديًّا تنمويًّا، ظلَّت قدرة الضامنين والوسطاء على الضغط على أطراف النزاع في البحيرات الكبرى نقطة ضعف مزمنة لاحقت كل الوساطات السابقة، وأدت إلى فشلها ولو بعد حين. ومن هنا تبرز أهمية الدور الأميركي في الوساطة الحالية، لقدرتها على ممارسة ضغوط دبلوماسية وسياسية وحتى اقتصادية على الأطراف. وكان لافتًا خلال مراسم التوقيع تلويح الرئيس، ويُعين السياق الزمني العام للاتفاق في فهم هذا التحفز الأميركي. فالولايات المتحدة تجري مفاوضات مع الحكومة الكونغولية بشأن شراكة إستراتيجية في مجال استغلال المعادن النادرة في شرقي البلاد، وتراهن الحكومة الكونغولية على هذه الشراكة في دفع الولايات المتحدة إلى مزيد من الاهتمام بموضوع الاستقرار والأمن في البحيرات الكبرى. وقدرة الإدارة الكونغولية على ضبط هذا القطاع في ظل الاستثمارات التي ستتدفق على البلاد. مستدلة بمآلات الشراكة الموقعة مع الصين، والتي حملت اسم "المعادن مقابل البنية التحتية". ويرى هؤلاء أن تلك الشراكة أدت إلى استشراء الرشوة والفساد في الإدارة؛ حاول الرئيس تشيسيكيدي طمأنة الكونغوليين بتأكيده، حرصه على منع استنزاف موارد الكونغو دون عائد مفيد لتنمية البلاد واستقرارها. بمقدار اهتمامها بالموارد المعدنية الهائلة وذات القيمة الاقتصادية والإستراتيجية الكبيرة.