الحداثة في النقد "الغربي" امتداد إلى عصر الظلمات، ثم امتداد بالعصور اللاحقة التي تزاحمت بكل أنواع المذاهب و الفلسفات المتناقضة المتصارعة، و كل مذهب من هذه المذاهب كان يحمل في ذاته عناصر موته[1]. ويشير جوس أن الحداثة المترسخة في تقاليد أدبية عريقة تعود إلى الثقافة اليونانية و اللاتينية على السواء، حيث كان على امتداد تاريخ هاتين الثقافتين صراع بين أنصا الحديث وأنصار القديم تبعا لرغبة كل جيل في الاعتراف بزمنه، و هو ما تكرر مع مرور الزمن. 2] والحداثة باعتبارها مشروع غربي بحت قامت على أسس ومبادئ عدة هي: أولا- العقلانية: بهذا عُرفت و إليها و نُسبت، ومازال الاعتقاد بهذا التشاكل و التناسب راسخا، حتى سُوي بينهما فقيل :إن الحداثة عقلانية. ثانيا-الحرية: إذ يمكننا القول بأن الحداثة هي الحرية، فالمجتمع الحديث مجتمع الطبقات المفتوحة لا الطوائف المغلقة، كما أنه مجتمع اختيار المهن الحرة. ثالثا-الفردية: وهي ثالث مبدأ من مبادئ الحداثة، لأنها حاولت تحطيم الحدود التي كانت تصادر حركة الإنسان. 3] ولقد اختلف النقاد في تحديد تاريخ نشوء الحداثة و في تحديد مكان نشوئها أيضا، وما تحمله من دلالات مختلفة، وكذلك الموقف منها؛ إلا أنهم يتفقون على نشأة الحداثة في الغرب، لكن لا يزالون يختلفون في التاريخ لها، فغالبية الباحثين يرون أن بواكير الحداثة بدأت أواخر القرن التاسع عشر في حقول الأدب بعد أن قضت الرومانسية على أركان الكلاسيكية. ويرى بعضهم أنها بدأت في السبعينات من القرن التاسع عشر، ويرى "كيرمود" أنها انطلقت مع السنوات العشر الأولىفي القرن العشرين و آخرون يرون بداياتها بين{1914/1910}. 4] و ظهر هذا الاختلاف على أساس مفهوم الحداثة ذاتها، و ماذا يقصد منها و من يمثلها، ولكننا نستطيع أن نوضح أرجح الاحتمالات: أولا: أنها ظهرت خلال الفترة الواقعة بين نهاية النصف الأول من اقرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. ثانيا: أنها انطلقت من أوروبا. و لقد ساعدت على ظهورها في أوروبا عدة عوامل نذكر أهمها: 5] ويعتبر بعضهم  أن  بداية  الحداثة  في  فرنسا،   وفي  ذلك  يقول  الناقد  "جمال وشحيد": « انطلقت فترة الحداثة –والحق يقال- من رحم الثورة الفرنسية التي ركزت بالرغم من فترتها اليعقوبية الدموية على سيادة العقل و التعقل و العقلانية، وهي مقولات انتشرت في عصر الأنوار الأوروبي، و انسلت مجموعة من المفاهيم منها: إلغاء الحكم السياسي المطلق، وإعلان حقوق الإنسان، و حرية الفرد، وفصل الدين عن الدولة، و النهضة و الإصلاح، وترسيخ دولة القانون. ».[6] ويرى أحد الباحثين: أن هناك ثلاث أزمات ميزت مسيرة الحداثة طيلة القرنيين الماضيين، الأزمة الأولى برزت في أواخر القرن الثامن عشر مع  الثورة الفرنسية التي جسدت المثل الحديثة في مجال السياسة، أما الأزمة الثانية فإنها ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر حيث تم الإعلان عن بداية انهيار مثل التقدم و العقلانية و الليبرالية. في حين الأزمة الثالثة فقد تفجرت في أواخر الستينات من هذا القرن، ومازالت لم تنته علاماتها تعبيراتها بعد[7]. إلا أن كلمة حداثة قد برزت لأول مرة سنة1849في كتاب d'autre" "mémoires ليتخذها بودلير علامة على ولادة جديدة، أما في ألمانيا فان كلمة و فكرة  diemoderne قد وظفت كموضة سنة 1887 من قبل "أ. وولف" الذي صاغ في محاضرة قدمها في الجمعية البولونية "دورش"، و كان ذلك إعلانا تبشيريا بعهد فني جديد. 8] لقد عاش العالم الغربي فترة ظلام دامس عرفت بالقرون الوسطى مر فيها الغرب بأحلك أيامه و أسوئها حيث عم الجهل و الظلام  نتيجة سيطرة رجال الكنيسة على عقولهم، و كانت الحداثة صورة يتجلى من خلالها حلم العالم الغربي في البحث عن عالم مثالي و الخروج من القيود و القوانين الصارمة التي تفرض عليهم، و بالفعل استطاع الغرب التمرد على رجال الكنيسة من خلال اندماجه في ما يعرف بالحداثة. وقد ظهر ذلك جليا منذ ما عرف بعصر النهضة في القرن الخامس عشر عندما انفصل المجتمع الغربي عن الكنيسة وثار على سلطتها الروحية التي كانت بالنسبة لهم كابوسا مخيفا ومرعبا: فالكنيسة كانت المفسر الوحيد للدين و المعرفة، تتدخل في صياغة كل شيء، و قد تعدت سلطة الكنيسة على المجتمع، فهي سلطة على الملوك و الأمراء الذين وافقوا على هذا التسلط نتيجة لما حبتهم به الكنيسة، فحكمهم للمجتمع مستمد من السلطة الإلهية. 9]. لذا لقد كان لظهور العلم و تطوره  أثر كبير من تخليص أوروبا من ظلامها الدامس، فاستطاع الغرب من خلاله تجاوز الخرافات التي فرضتها الكنيسة، يؤكد الحداثيون الغربيون على أن أخص مفاهيم الحداثة هو الثورة على كل ما هو قديم و ثابت، و النفور من كل ما هو سائد من أمور العقيدة و الفكر و القيم و اللغة. و هذا ما          يؤكد على أنها ثورة على الواقع بكل ما فيه من ضوابط، وبهذا الصدد سنتطرق لمفهوم الحداثة لدى مجموعة من النقاد و المفكرين الغرب. يعرف الناقد الفرنسي "رولان بارتbarthes roland " الحداثة بأنها: « انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه». ويعترف بأن الحداثة لا تقدم لنا أعمالا كاملة لا يوجد بها زلات، و مع ذلك يجب علينا التمسك بها و الدفاع عنها بقوله:« ينبغي أن نتخذ موقفنا من الحداثة و ندافع عنها في مجموعها راضين بما تنطوي عليه من نقائص لا يكون في استطاعتنا تقديرها». 11] و يقول أيضا"هنري لوفيفر" :« وقد ظهرت الحداثة، أي عبادة الجديد، من أجل الجديد وإرفاقه بنزوع ضمني. فالحداثة تعني التطور التاريخي والتبدل الفكري الثائر على ما سبقه من ثقافات ومبادئ، إنها موقف معارض لجميع الحضارات السابقة القائمة على ثوابت و مرتكزات. وفي وجهة نظر الناقد الروماني كالنسكو لمفهوم الحداثة يقول:« إن الحداثة الغربية، في جوهرها  تعكس  معارضة  جدلية  ثلاثية  الأبعاد:  معارضة  للتراث،   ومعارضة  للثقافة البرجوازية، بمبادئها العقلانية و النفعية، و تصورها لفكرة التقدم، و معارضة لذاتها، كتقليد أو شكل من أشكال السلطة أو الهيمنة، أي أنها لا تمثل انفصالا عن الماضي و رفضا لمقاييسه الثابتة أو ثورة على القيم البرجوازية السائدة فحسب، بل ثورة دائمة أبدية في تطلعها المستمر إلى قيم جديدة، و أشكال و أساليب تعبيرية جديدة». 13] بل عليها أن تكافح من أجل ألا تنتصر، إذ أن انتصارها معناه أن تفقد سمة الحداثة، وذلك بتكوين أسلوب أ تقليد ثابت لها، تلتزم به و تسيرعليه». 14] وما يود الوصول إليه من خلال هذا القول هو انه لابد أن تكون الحداثة في تطور دائم بحسب ما يقتضيه كل عصر، أي يجب عليها أن تكافح من اجل ما هو متغير. و في الأخير من خلال ما تطرقنا إليه من جذور و إرهاصات للحداثة الغربية مع ذكر أهم الحداثيون الغربيون و نظرتهم للحداثة، نصل إلى نتيجة مفادها أن الغربيون المهتمون بدراسة الحداثة يتفقون على أسسها وأصولها، وان اختلف بعضهم حول طبيعة هذا المصطلح و تفاصيله، فهم يجمعون على أن الحداثة منهج تغييري و مذهب انقلابي قي المفاهيم والأفكار، ويتطور مفهومها بتطور الزمن.      ② الحداثة في النقد "العربي"                  ****                  **** لقد اعتلت وتهافتت أصوات كثيرة بخصوص الحديث عن الحداثة العربية و هذه الأصوات شهدت احتداما كبيرا في تحديد بداياتها و تباينا في مفهومها. بداية سيتجلى حديثنا أولا في هذا المقام حول الجذور الأولى للحداثة العربية، و بعدها سنحاول توضيح أهم التحولات التي رافقت الحداثة في الوطن العربي و نقصد بذلك عصر النهضة و ما أفرزته من بنى حديثة. مرورا بالعصر الأندلسي، و ما تولد عنه من فن الموشحات«. 15] ولما جاء عصر النهضة حدثت تحولات مست الواقع العربي، واحتكاك العرب بالغرب يمكن تلخيص أهم هذه التحولات في الأحداث التالية : أ**(** **** أحداث سياسية**:** وتتمثل في غزو نابليون بونابرت لـ: مصر عام -1798) (1801  ثم استيلاء "محمد علي" على السلطة في مصر وبداية سياسة التضييع والإصلاح عام (1802/1845). 16] ب**(أحداث ثقافية واجتماعية:** »وتتمثل في تأسيس أول مطبعة عربية في بولاق بمصر وظهور أول جريدة رسمية: الوقائع المصرية عام 1860، ضف إلى ذلك ميلاد الأيديولوجية الوطنية المصرية، وتأسيس البنك الوطني المصري سنة1998«. 17] ومن زاوية أخرى يرى النقاد والمفكرون أن الحداثة العربية حداثة مستوردة أي أخذها العرب  من  الغرب  بفعل  التأثر  وهذا  ما  عبر  عنه  "عبد  الله  العروي"  في  قوله: »أن الجزء الأكبر من المسرحيات والروايات والقصص العربية المعاصرة جاءت استنساخا لأعمال أوروبية لأن الأشكال المقتبسة لا تطابق الواقع المعبر عنه«. اختلف النقاد والمفكرون في تأريخ بداية الحداثة فمنهم من يعززها إلى حركة الشعر التي انطلقت من بغداد عام 1948 في حين يرى بعضهم أنها بدأت مع مجلة شعر منذ أواخر عام  1956، ولا غرابة في ذلك فقد اختلف النقاد والشعراء كذلك حول تحديد بدء الحداثة في من هنا يتسنى لنا آراء المنظرين والنقاد العرب في  تفسيرهم أو ضبطهم لمفهوم الحداثة، وفي هذا الصدد سنتطرق لذكر مجموعة من الباحثين العرب ومن بينهم: نجد أدونيس الذي يرى أن: "الحداثة في المجتمع العربي لا تزال مجلوبا من الخارج إنها الحداثة تتبنى الشيء المحدث ولا تتبنى العقل أو المنهج الذي أحدثه، فالحداثة موقف ونظرة قبل أن تكون نتاجا". 19] ونشأة ظروف وأوضاع جديدة ومن هنا وصف عدد من مؤسسي الحداثة الشعرية بالخروج". 20] بمعنى المغامرة نحو المستقبل والانفلات من قيود الحاضر والماضي، غير أن الحديث ليس هربا من الحاضر بل تأكيد له، فالإبداع والخلق لا يحدثان إلا في اللحظة الحاضرة، في الآن التي تتحول إلى زمن جديد، الحاضر هو أرض المستقبل وهدفه، ودون العمل في الحاضر وتغييره لا يمكن العمل في المستقبل وبنائه". 21] نرى من خلال هذا القول أنه يؤكد على أن الإبداع يحدث في الحاضر، الحاضر هو أرض المستقبل وتصميمه. أما الحداثة لدى أركون هي: "ليست المعاصرة، فقد  يعاصرنا أشخاص لا علاقة لهم بنا ولا بالحداثة والعصر أناس ينتمون عقليا لمرحلة القرون الوسطى وقد توجد في القرون السابقة شخصيات تمثل الحداثة". 22] ينفي أركون كون أن الحداثة خاصية غربية وهو بذلك ينفي تعيين زمان أو مكان الحداثة فهو يرى أنها ليست سمة الحضارة الغربية بل هي السمة  تمييز الجديد عن القديم عبر مختلف الحكم الزمنية. أما عبد الله الغذامي 1946 فهو مولع بحب الحداثيين الغربيين وبخاصته الفرنسيين يكثر النقل عنهم في كتبه ويعرف الحداثة: "هي رؤية واعية لإقامة علاقات دائمة التجديد، بين الظرف الإنساني وبين الجوهري الموروث، وذلك من أجل استمرار العلاقة الإبداعية للإنسان مع لغته التي صانعا لها من خلال ما يضيفه إليها بديلا عن المتغيرات المنقرضة". 23] وما يتضح لنا من خلال تعريف عبد الله الغذامي في كتابة تشريح النص للحداثة أنها هناك علاقة تجديد بين الحياة الإنسانية والتشبث في كل ما هو أصلي وموروث. ويقول سامي سويدان في قوله لمفهوم الحداثة: "تحول وخروج عن السائد والمألوف، انعطاف وانحارف في اتجاه لم يكن قد طرق بعد، تفرع وامتداد نحو أفق كان حتى حينه مجهولا، و يرى حسن الحنفي أن: "الحداثة قد تعني إتباع أساليب العصر ومناهجه في تحليل التراث وتعني التجديد، وانما تعني قدرة التراث على أن يجتهد طبقا لظروف العصر". 25]