أما الماضي البعيد فهو الحياة في ازدهارها وخصبها وتعدد نواحي الرؤية فيها ومع ذلك فإن بدء المقاييس الجديدة إنما يكمن في الشعور بعدم كفاية هذا الماضي ذلك أن الماضي كان في اعتقاد الرواد مجرد جزء وكان هذا الجزء عندهم أشبه بالموجه التي تغيب في موجه أخرى وسطح البحر لا تحكمه حاله واحدة أو مجموعة معينة من الأمواج فالماضي في هذه الحالة جزء من فيض المتغير على الدوام وهاهنا نجد زقار الأدب العربي القديم يتعرض لأعمق هزات ولم يكن متوقعا في أمة مغلوبة أن تستبقي الإحساس التقليدي الذي ورثه عن آدابها وفنونها فقد اهتز هذا الإحساس وسط اهتزاز كل مقومات الثقافة ووسط الانبهار العميق بالتراث الغربي الرومانتيكي على الخصوص. إن تاريخ النظر إلى الادب العربي في العصر الحديث ليبدأ من نقطة الاستحياء الجم الذي لاحظ في أقوال الرواد الذين أرسو دعائم النظر والتقويم. فالأدب القديم ساءه عندهم مبدأ النقاء في ذاته وسرفه في الحرص على ماضيه وخوفه من الذوب واعتداده بفكرة المبادئ والأصول ومن أجل ذلك كله كانت كلمة التجديد أكثر الكلمات سحرا وخطراً ولم تشع كلمة أخرى مثل الاجتهاد او التثقيف او التنقيح وكان اختيارها شعارا للنهضة الأدبية . إن أهميتهم في تاريخ النقد الحديث ترجع أولا إلى مكافحة تضخمن الإحساس بالماضي، وأنا الآن أشير – على خصوص- الى ما قاله المازني في حصاد الهشيم فقد أخذ المازني يصف الأدب العربي ويكر عليه بالنقد بين حين وحين كل أولئك إنما يريد به شيئاً واحداً هو أن الأدب العربي غير صالح للنمو من باطنه ولا بد له كما قلت من دم جديد ولأول مره بدأ الأدب العربي القديم مجموعة من الانطباعات اليسيرة التي طغت عليها في كثير من الأحيان محاولات البلاغة اللفظية ، ولم يكن الشعور بالعبقرية الجماعية سهل المنال في مثل هذه الظروف لقد عاش الرواد في ظل الشعور بأنهم هم الذين يخلقون مثل هذه العبقرية الذات التي كانت تبحث عنها مدرسة الديوان هي باختصار في مجال النقد الادبي ذات فردية ولكن فرديتها هذه هي مثار جاذبيتها وأصل قوتها وجدارنها ومهما يكن فإن المدرسة لم تبدأمن نقطة التراث ولم تبدأ من نقطة إعادة تشكيل العلاقة بين روح الأدب العامة وإنما بدأت من نقطة الشاعر بأنها هي تصنع التاريخ وكل ماعدا ذلك من تفضيلات لا يعدو في نهاية المطاف أن يكون تزكية لهذه المفهومات فالوجدان الفردي لا شيء أسبق منه والموجود لا وجود له بمعزل عنه إنه هو الذي يزيد الموجود وجوداً وهو وحده القادر على الرؤية والتأويل هو الذي يكشف المعنى ويصنعه الوجدان الفردي هو طاقة الانبساط على الأشياء فكل ماعدا الوجدان الفردي مظلم حتى يكشفه وكلمة الوجدان أو الشعور تكاد تكون مرادفة لكلمة الخيال الاخلاق ولأمر ما لم يصح في إحساس العقاد اللغوي استعمال مثل هذا الاصطلاح ومن ثم عكفت المدرسة. وليترك للأجيال التالية بعده مهمة الانتقال إلى النقيض ومهمة الانتقال الى صيغة توفق بين النقيضين والواقع أن سيرة الحياه في العصر الحديث لم توصف بعد وصفا كافيًا فقد تصور الجميع أن علاقتنا بالأدب العربي القديم يمكن أن تتعرض للبلى من أثر الشيخوخة وطول البقاء وتصور الجميع أن الفردي الذي يبحثون عنه يصح له وجود دون أن يكون له مقومات الحوار مع الماضي الفردية هي الأسلوب الصحيح للحوار ومن ثم حدث ذلك الصدع في علاقاتنا العاطفية بالأدب القديم فضلا على الصدع العميق في طريق تفهمه . أبو نواس في نظر المتقدمين شاعر عربي أو منتسب إلى الأدب العربي وأبو نواس في نظر بعض المحدثين على الأقل شاعر جذاب من حيث علاقة شعره بشخصيته فهم إذن يخرجون من الميدان يتركون ميدان الادب العربي ليبحثوا في ميدان الشخصية النواسية والغريب أن المتقدمين نظروا إلى تلك الأعمال الشخصية والبحث فيها نظرة الريب لقد كان الشعر في نظرهم عملا من الأعمال والعمل كما يعرفون قد يختلف عن النية وقد يتطابق النية ولكنه – على كل حال- شيء آخر غير النية وقد علمتهم آداب الإسلام أن ينظروا إلى الشعراء بحسب أعمالهم أو شعرهم لا بحسب نواياهم أو شخصياتهم كما يقال الآن كذلك يبدو أن طول بحثهم في التجريح والتعديل مهما عندهم قضايا الاحكام خاصة وكان يخف هذا الاهتمام كما يلاحظ البيهقي في المدخل في أحاديث الآداب والترغيب وما إلى ذلك حينئذ يرون أن هذه الأحاديث تعامل من حيث متونها فقط ولا ينظر كثير في العلاقة بين سندها.