فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة اجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران لم تكن إلا تعبيرا عن حالة مرضية يعانيها الإنسان الجديد انسان ما بعد الموحدين الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية، والذي كان يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين. فالنقائص التي تعانيها النهضة الآن، فنحن ندين له بمواريثنا الاجتماعية، وبطرائقنا التقليدية التي جرينا عليها في نشاطنا الاجتماعي. هذا الوجه المتخلف الكتيب ما زال حيا في جيلنا الحاضر، أو راعينا المترخل المتقشف المضياف. كما نصادفه في المظهر الكاذب الذي يتحده ابن أصحاب ( المليارات ( نصف المتعلم، الذي انطبع في الظاهر بجميع أشكال الحياة الحديثة، فأكسبه ( مليار ) أبيه وشهادة ( البكالوريا ) مظهر الإنسان العصري، بينما تحمل أخلاقه وميوله وأفكاره صورة ( إنسان ما بعد الموحدين). وطالما ظل مجتمعنا عاجزا عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، وما دام متقاعدًا عن تجديد كيان الإنسان طبقا للتعاليم الإسلامية الحقة، ومناهج العلم الحديثة فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلا عديم الجدوى. فهذه تعد خطرا في مجتمع مازال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم، ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيرا من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق،