بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق ، ويخضع الدين لهذا المنهج دون أية قداسة وما دام الدين يدخل في التراث ونحن نعيش الدين وقيمه ومقاييسه ؛ فحياتنا الحاضرة ليست منبتة الجذور ولا مجهولة الأصول ، وتقوية الصلة بين حياتنا المعاصرة وجذورنا التراثية ؟ لقد طفرت الحضارة الغربية خلال القرون الأخيرة متجاوزة كل منجزاتنا التراثية في حقل الطب والفلك والرياضيات وفنون الصناعات . فهو أمر معقول وهو يولد الاعتزاز بالذات ، مما له أثر في العلاقات مع عالم اليوم. ولا بد من دراسات واسعة لمعرفة قيم التراث وأثر إحيائه على حياتنا العقيدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبين حركة الإحياء الإسلامية الحديثة. لقد سعى العلماء في عصر النهضة الأوروبية لتوثيق علاقتهم الفكرية والنفسية بتراث الرومان واليونان متجاوزین تاريخ النصرانية والكنيسة بسبب حالة العداء بينهم وبينها ؛ رغم أن بعضهم مثل « روسو » عبر عن إيمانه بالله وثورته وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهرت المدرسة الجمالية التي أعلنت عدم الالتزام بقيم المجتمع الخلقية والدينية حتى قال « أوسكار وايلد » : ليس ثمة كتاب يمكن أن يوصف « باللا أخلاقي » : إذ ليس ثمة سوى أما في القرن العشرين فقد سيطرت العبثية وفقد اليقين الديني ، فلا غرابة إذا ما عانت حضارة الغرب من الخواء الروحي والإفلاس القيمي ؛ وبالنسبة للمسلمين فإنهم يتعرضون لهذا التفكك ويندفعون بقوة مطردة نحو التيارات العالمية المتباينة ، وفي القيم العامة التي تحكم إلى حد ما - ولو على صعيد القيادات الفكرية - عملية التفاعل معه ثالثاً . فإن الأعراف الاجتماعية والتقاليد والقيم الخلقية تتوارثها الأجيال اللاحقة وتكتسبها من الأجيال السابقة ، ولكن من الواضح أن المكتبة العربية هي أهم جوانب التراث الإسلامي ، الذي لا بد أن يتمتع بمستوى لغوي وثقافي مناسب ؛ وإذا كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث - وهي كذلك ـ فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته ؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي نعرف تماماً أن معظم الأكاديميين يلقون صعوبات شتى في هذا المجال ؛ إن عملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة ، والذي أدى إلى إحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقاً على جذورنا الثقافية . وتُقِرُّ بجدوى تجديد روح الأمة وقيمها بالارتكاز على جذورها الحضارية والثقافية . ولا تعاني من مشكلة حذف مرحلة تاريخية معينة كما حدث لحركة الإحياء الأوروبية ؛ إن هذه النظرة الإيجابية التي تتسم بها حركة الإحياء الإسلامية الحديثة ذات أثر عميق في التعامل مع التراث. فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى تكامل المكتبة العربية القديمة ؛ وفي الوقت نفسه دفع الحاضر إلى الأمام للحاق ببقية المتسابقين بالاعتماد على تقوية الجذور وتحديد الهوية خوفاً من الضياع في حلبة السباق. وأن يسودها روح التحدي للتخلف والتمرد على الواقع ولا بد من أن تتحول الدراسات إلى روح عامة في الأمة ولا تقبع في مدارج الأكاديميين أو على رفوف المكتبات. لأن كلفة التصوير وإمكانات الناشرين أقوى من المؤلف مما يُمكنهم من خفض الكلفة كثيراً . إذ يمكن أن تتعامل مع دور النشر وفق شروط مناسبة ، وقد استمرت معاناة المؤلفين والمحققين منذ مطلع هذا القرن دون أن تتمكن الجهات المتخصصة من القيام بالمحافظة على حقوقهم المعنوية والمادية وحل المشكلات التي يعانون منها ، وقدرتهم على ابتزاز المحقق بحيث ينالون معظم الربح ، مع بيان مدى خدمة كل مخطوطة للفن الذي ألفت فيه . إن المطلوب من المؤسسات المعنية بالمخطوطات ليس مجرد جمعها وإخراج عدد محدود منها إلى عالم المطبوعات ، فإذا كانت لدينا ثلاثة ملايين حسن مخطوطة كما تذهب بعض الإحصاءات الحديثة في شتى الفنون ؛ فينبغي أولاً ما إذا كانت تستحق كلها أن تبذل فيها الجهود للتحقيق أن ندرس والنشر. إن المحقق قد يمكنه إخراج عشرة كتب في حياته ـ بالمتوسط ـ ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى ثلاثمائة ألف محقق يمضون حياتهم لإخراج هذه المخطوطات !! وبالطبع فإننا لا نمتلك على صعيد العالم الإسلامي