يتمحور موضوع هذا الفصل حول الأدب الجاهلي الذي كان له تأثير كبير على باقي الآداب العربية الأخرى. ويعني هذا أن الأدب العربي مر بعصور عدة: جاهلي، إلى عصرنا الحديث والمعاصر. ويعد الأدب الجاهلي المصدر والمنبع الوحيد للأدب العربي. وقد تفاعل الأدب العربي مع ظروفه وعصوره، وكانت له كثير من صفات العراقة والثبات والأصالة. وإن أوائل الأدب العربي شكلت أواخره. والمقصود بهذا أن الأدب الجاهلي بلغنا ناضجا ومكتملا في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية، بداية ناضجة شكلت منطلقا للشعر العربي ومنبعا بؤريا تنصهر فيه كل الآداب تناصا وتضمينا واقتباسا. فالأدب العربي مدين في جوهره للأدب الجاهلي. ولفهم هذا الشعر لابد من ربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي. وينبغي أن يدرس لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. وقد رفض الدكتور مصطفى ناصف كثيرا من الأحكام التي ارتبطت بالشعر الجاهلي كالبداوة والفقر والجدب والحسية والمادية والأمية والتناحر والصراع والتخلف والفكر التجزيئي وتعدد أغراض الشعر الجاهلي وافتقاره للوحدة الموضوعية والترابط العضوي… بل اعتبره شعرا رائعا لا يمكن التقليل من قيمته، وأنه خير وثيقة عن فلسفة التاريخ والإنسان في صراعه الأنطولوجي مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت. كما أنه شعر مترابط ومتسق ويحمل أبعادا تجريدية رمزية إذا تعاملنا مع قضايا الشعر الجاهلي كأنماط أسطورية وأنتروبولوجية،