نتتبع نجاة أثناء خروجها من دار الأيتام بعد أن قضت هناك أربع سنوات، وذلك إثر فقدانها والديها تباعًا. فالملجأ الذي كان يؤويها لم يعد يسعها، إلى أين ستذهب؟ لا عائلة لها، وصور تجمعها بوالديها، بالكاد يكفي لمصاريف التغذية والمبيت في فندق متواضع لثلاثة أيام. لمعت عيناها واستبشرت خيرًا، لم تكن لحظة اللقاء بينهما عادية؛ فقد تبين أن نرجس أصبحت تقطن في منزل عائلة نجاة، بعدما حصلت عليه كتعويض عن الأموال التي كانت تقرضها لوالد الأخيرة لتغطية مصاريف علاجه الباهظة. شعرت نجاة بعدم الارتياح حيال هذا الأمر، خصوصًا بعد أن اقترحت نرجس على نجاة الإقامة معها في نفس المنزل. كان المنزل لا يزال على حاله بطرازه العريق: فسيفساء وزجاج ملون وخشب منقوش. يضم أثاثًا متنوعًا يجمع بين الطابع المغربي الأصيل والنمط الأوروبي المعاصر. على جدار غرفة المعيشة علقت لوحة لقصر فرساي، وعلى الأرض فرشت سجادة من فرو الخروف على شكل القارة الإفريقية، بينما توجد على الجدار المقابل شاشة تلفاز كبيرة. قررت نجاة أن ترسل رسالة إلكترونية إلى دار الأيتام لتطمئنهم بأنها قد استقرت عند صديقة للعائلة. تفيد بأن والدها قد ترك لها ثروة كبيرة، حتى يكون العلم دليلها وسلاحها في الحفاظ على تلك الثروة وتنميتها. ظهر على الشاشة مقال بعنوان: «الثروة الإفريقية». أغلقت الصفحة بسرعة وذهبت إلى نرجس لتخبرها بأمر الرسالة. استغربت نرجس من هذا الخبر وانهالت على نجاة بالأسئلة: كيف له أن يترك ثروة وهو الذي أفلس في آخر أيامه؟ وأين الدليل على وجود الثروة؟ معتبرةً أن الأمر مجرّد كذبة من مجهول، فهي الصديقة الحميمة التي كانت تعرف كل أسرار العائلة. استحضرت نجاة ذكرياتها مع والدها، وتردّد على مسامعها صوته وهو يوصيها بالعلم خيرًا. لا تصديقًا لرسالة مجهولة، أظهرت نرجس جانبًا إنسانيًا ووفاءً لذكرى صداقتها مع العائلة، فقررت أن تساعد نجاة وتتكفّل بمصاريف دراستها. استيقظت نجاة على صوت الأواني والكؤوس وهي تُرتَّب على الطاولة. وتظهر نجاة تارةً في الجامعة مع زملائها، خصوصًا أنها كانت الوحيدة التي تشعر بتلك الأمور. بينما نرجس تتأخر في سهراتها الخاصة لعقد الصفقات. لم يُبدِ أحد اهتمامًا بما تقوله نجاة، كانت تعاتب نفسها مرارًا على الرجوع إلى البيت المشؤوم الذي فقدت فيه والديها. لكنها أخبرتها أن السبب هو الإرهاق والسهر الطويل، وأن ما تراه مجرد أوهام ناجمة عن التعب والهلوسة. خلدت نجاة إلى النوم مبكرًا. دوى طرقٌ قويٌّ على باب غرفتها، توجهت إلى هناك فلم تجد شيئًا، عادت إلى غرفتها خائفةً منهارة، لتفاجأ بأن لباس التخرج المعلّق على الرف يحترق! بدأت تصرخ وتنهار وتتعلى صيحاتها، لكن فدوى أنقذتها في اللحظة الأخيرة واحتضنتها حتى هدأت وبدأت تحكي لها قصتها في مواجهة صدمات الحياة وطبيعة علاقتها بنرجس. الصديق الغامض الذي اعتاد زيارتها لعقد اجتماعات سرية. كان النقاش بينهما محتدمًا، على الشاشة كان يُعرض برنامج وثائقي حول الصراع الإمبريالي، بما في ذلك قتل والدتها عبر طقوس شعوذة، وخدع الترهيب التي مارستها على نجاة لدفعها إلى الجنون أو الانتحار حتى لا تبحث عن إرثها. سمعت نجاة وفدوى الحديث كاملًا، فهرعت نجاة إلى غرفة المعيشة رغم محاولة فدوى منعها. وحاولت نرجس طرد نجاة من المنزل، لكن الأخيرة تمردت وتشبثت بحقها في بيت والدها. أسرعت نرجس إلى خزانتها الخاصة تبحث عن الوثائق السرية التي تثبت حق نجاة في ممتلكات والدها وتدينها هي بتهمة التزوير والقتل، ثم حاولت استجماع قواها واستعادة هدوئها، وتوجهت إلى نجاة معترفة بالتزوير، صعدت إلى غرفتها ونادت على فدوى، وهددتها بتلفيق تهمة جنائية إن لم تفعل. انهمكت فدوى في البحث في كل أركان البيت، بينما جلست نرجس متوترة تراقب عقارب الساعة، في حين كانت نجاة في غرفتها منهارة تفكر فيما حدث. تذكرت فجأة أنها رأت نرجس تخفي شيئًا بين رفوف المكتبة. مدّت يدها بين الكتب التي تزيّنت أغلفتها بوجوه سياسية إمبريالية، تلك السجادة التي كانت على شكل القارة الإفريقية. فأصابها انهيار عصبي حاد أدى إلى جنونها، وأثناء نوبات هذيانها بدأت تبوح بأحقيتها في حصولها على الثروة والسلطة وأقرت بانها تستعمل جميع أساليب التلاعب والخداع لتسلب الاخرين ثروتهم مهما كانت علاقتها وثيقة بهم ، كانت تعترف بأنها هي من أرسلت الرسالة الإلكترونية إلى نجاة، وجعلتها تتضمن مبدأ من المبادئ التي كان يؤمن بها والد نجاة، والمحفور في ذاكرتها منذ الطفولة: به تُصنع الثروات، وبه يُهيمن على الثروات. وبعد تخرجها من الجامعة استثمرت ممتلكات والدها في تأسيس معهدٍ للبحث العلمي،