ويلزمنا خصوصاً معدات للقيام بأعمال الحفر. أخشى ألا نتمكن من تنفيذ مشروعك على عوضاً عن الإجابة المباشرة، هتف الشيخ الذي كان قد صعد إلى سيارته اللاندروفر - سوف أعود بعد بضعة أيام. انطلقت السيارة محدثة غيمة من الغبار ووجهتها الساحل. لمن كانوا على معرفة جيدة بالرجل كان من الواضح أنه في مزاج عكر. قاد بسرعة قصوى إلى أن توقف أمام مدخل الحصن. كان المبنى المحصن بأربعة أبراج صغيرة في زواياه، وثلاثة أبراج مربعة الشكل مسننة، يُشرف على مشهد شبحي. بضعة عرشان من سعف النخل، ونحو مائة بيت مبنية بالآخر توحي بأن المكان قرية صغيرة لا عاصمة إمارة. وصيادون ينصبون شباكهم على الشاطئ الرملي. ترجل زايد من السيارة. حيا الحرس القائمين على المدخل. وبعد أن عبر فناء فسيحاً دخل إلى الجناح الأيمن للمبنى وصعد ممراً طويلاً مجتازاً صفاً من الغرف. لم يجد صعوبة في التعرف إليه: إنه بيري غوردون مندوب جلالة الملك جورج السادس المفوّض بالعلاقات البريطانية في المنطقة. عندما أصبح في موازاة زايد توقف وانحنى واضعاً يده على رطن بعربية ذات إيقاع إفرنجي. أو لنقل بأحسن ما يمكن. يقيناً. هر زايد رأسه. أدرك ذلك. لكن ما من مشكلة إلا ولها حلّ لأن الحل بأيدينا. دبي من الواضح أن الجواب لم يرضه. - اسمح لي بالانصراف أمامي طريق طويل للوصول إلى بأمان الله، سيد غوردون. سوف نلتقي مجدداً بالتأكيد. حياه الإنجليزي واتجه بخطوات واسعة نحو المخرج. شيعه زايد بالنظر للحظات قبل أن يدخل إلى الغرفة التي كان المندوب الإنجليزي قد غادرها. غرفة بسيطة لها منور وحيد ينفذ منه شعاع الشمس الشاحب الأرض مفروشة بالسجاد والأثاث يقتصر على مقعد طويل منجد يحاذي أحد الجدران مغطى بمخدات متعددة الألوان، حالما قبل أن يأخذه بين ذراعيه. - أهلاً وسهلاً ! صفق بيديه. وأشار إلى كرسي. امتثل زايد فيما جلس شخبوط مقابله. سعيد جداً برؤيتك. أرى أننا قلما نلتقي. أفضل حالاً. كيف حالك؟ كيف حال أمنا؟ بصري يخف، وعظامي تؤلمني. بعد ثلاثة أشهر أكمل الخامسة والأربعين من العمر. تنتظر مولوداً. كان الخادم قد عاد حاملاً فنجانين صغيرين ودلة. قدم القهوة وانسحب باحترام. وولدي خليفة بلغ عامه الثاني. ثم أعلن: دائماً هذا النزاع الحدودي. لا ينتهي. هر زايد رأسه. وفي ما يخص زايد كان همه الوحيد تجنّب سفك الدماء مهما كان الثمن في رأيه أنه لا يمكن لعربي، ولا ينبغي له أن يسفك دم عربي آخر. رفع شخبوط الفنجان إلى شفتيه. وتابع الرجلان حوارهما المفعم دمائةً إلى أن قرّر زايد أن يفصح عن سبب زيارته. اسمح لي أن أكلمك بصراحة. - أليس هذا ما اعتدنا عليه؟ أسمعك. نهض الشيخ مسح براحته تجعيداً خفياً في كندورته. وتقدم نحو المكتب بوقار. لا يغرب عنك أن العين منطقة زراعية على مدار السنة، وترتبط كثيراً بالمياه المنحدرة من جبل حفيت. هذه المياه بحاجة إلى قنوات تجري فيها. جدنا، رحمه الله، كان يدرك أهمية هذه القنوات منذ بدء الأزمة المالية التي حاقت بنا - أتكلم طبعاً عن تدهور تجارة اللؤلؤ - لم نتمكن لعدم توافر الإمكانات من صيانة القنوات الموجودة. قاطعه شخبوط. - تريد أن تتكلم عن النفط. الساحل. ألا ترى أن بإمكاننا الإفادة من هذه العائدات؟ الاحتيال عليّ، وممثلهم المدعو لونغريغ، يهدد بمقاضاتي في المحكمة. أخبرك في ما بعد. لنعد إلى مآخذك؟ ألم أبن خط أنابيب لنقل الماء من العين إلى هنا؟ وأعتزم إنشاء وحدتين لتحلية المياه. بلى يا أخي أعلم ذلك. وعلينا أن نسدّد مبلغ 23 ألف دولار وعدنا بها المهندس الذي عاد أدراجه متأبطاً التصميمين. البنوك. المستشار المالي الذي اقترحوه علي كان أجنبياً! وأنا لا أريد أن يدس الأجانب أنوفهم في قضايا بلادنا. ارتسمت على شفتيه ابتسامة وأضاف: - لكن ذلك لا يمنع من اختباري لهم في أي وقت للتأكد من جاهزيتهم لإمدادي بأي مبلغ في أي وقت. - ولكن المستقبل لا ينتظر أحداً يا أخي، إليه. هذه المرة وقف شخبوط. حدق في عيني أخيه ثم قال بصوت بالغ التأثر : - أنا قلق يا زايد قلق من أن تفقد بلادنا أصالتها. «تقدم». ولا طرق، لماذا هذا الإصرار على تغيير ما نحن فيه؟ نعم، أعلم أنك سترد علي قائلاً إن الآخرين قد بنوا مستشفيات ومدارس. لكن لماذا نقلد ما يفعلونه؟ بما أنك تحدثني عن مدارس، وليس لدينا معلمون؟ - نعم، أفهمك. يتولاه إلا معلمون من بلادنا. الأصالة والهوية. الرأي، لكنهما يدعمانني. قدم الخادم لهما القهوة ثانية وهمس: العشاء جاهز. ولما لم يكن زايد قد أجاب بعد، كرر شخبوط السؤال. وبصفتي مواطناً أوليك طاعتي واحترامي، لا ريب في أن شخبوط تأثر بهذه المحادثة لأنه بعد أسبوعين على لقائنا أمدني بالوسائل اللازمة لبدء الأشغال. على مدى الأزمان كان الوصول إلى الماء امتيازاً في العين. كان موقوفاً على عائلات الوجهاء، هذا ما أعتبره إجحافاً. ولقد كان المشروع معقداً، خصوصاً ونحن لا نملك أية معدات حديثة. ومرة أخرى واجهتنا الحقيقة القاسية: عدم وجود المعدات المناسبة. هكذا شرح الأمر فارس صديق العمر، الذي كان يقال عنه: «له قوة الأسد وقلب حمل». كنت أوده كثيراً. لم وذلك لا يعنيني: كان اسمه فارس. وأنت يا زايد متفائل جداً. كنت تقول: «هنا ستقوم مدرسة ذات يوم، وهناك مستشفى، وهنالك مدرسة أخرى» ينقصنا الماء لكن دماغك غارق. يحلم. وأعلنت مشدداً على الكلمات: هنا ستقوم ذات يوم مدرسة، وهناك مستشفى. أنت امرؤ لا يمكن تقويمه - لا، لدي الحل. بما أننا لا نملك الوسائل سوف نوجه نداء إلى جميع الرجال ذوي النيات الحسنة حالما تحفر البئر الأم ويتم الوصول إلى الماء نوصله بأفلاج". هكذا نكون شبكة. رفع فارس يده إلى جبهته. - يا الله لست جاداً، يا زايد. حوالي أربعين متراً في الأرض الوعرة وصولاً إلى مجرى الماء في الظلمة. هذا مستحيل.