خلاصة القول أنه كما كان للخليفة صاحب بريد ينقل إليه أخبار ولاة الأقاليم كان الوالي أيضا عامل بريد ينقل له أخبار عمال الأقاليم بمصر كما يفهم من الوثائق البردية التى كشف عنها في سنة ۱۹۰۱ م بكوم إشقا وإحدى وهي تختص بولاية قرة بن شريك ) ۹۰ - ۹٦ ه / ٧۰۹ كذلك كان للوالى بمصر كتبة كثيرون يستعين بهم في تدوين رسائله إلى الخليفة وإلى عمال أقاليمه ، الرسائل مما يدفع إلى القول أنه كان بمصر في ذلك العهد ديوان رسائل أو بمعنى آخر ديوان للإنشاء وخاصة أن القلقشندى يدلل على وجوده م نذ الفتح وحتى بداية الدولة الطولونية وإن أشار في الوقت نفسه إلى قلة هذه هى أهم الوظائف الرئيسية التى استحدثها العرب بعد فتح مصر، فيما عدا ذلك فقد بقى على ما هو عليه لاسيما ونحن نعلم أن العرب تركوا الوظائف والأعمال الأخرى فى يد أهل البلاد . ومن المعروف أيضا أن مصر بعد الفتح مباشرة كانت مقسمة إداريا إلى قسمين رئيسين هما : مصر العليا ، مقسمين بدورهما إلى أقسام أو كور بلغ عددها ثمانين كورة . الاسم كورة مشتق من اللفظ اليوناني الذي كان يعنى الإقليم في العصر وهذا يدل دلالة واضحة على أن العرب احتفظوا بالنظم الإداري ة ورغم أن مصر كانت مقسمة إلى هذه الأقسام ، بمعنى أن ولاة مصر لم يعطوا الفرصة العمال الأقاليم للتمكين لأنفسهم أو للاستقلال محليا بأمور أقاليمهم ، في مصر مركزيا إلى أبعد الحدود وهو بذلك يعكس لنا سياسة الخلافة فكما كان الوالى يخضع لسلطة الخليفة مباشرة لذلك نراه يضع رؤساء الأقاليم المختلفة تحت نفوذه مباشرة أى أن اللامركزية لم يكن لها وجود إبان عصر الولاة بمص ر بقى أن نشير إلى أن والى مصر بعد الفتح العربي مباشرة كان يشرف أحيانا على بلاد برقة وما يليها من شمال أفريقية، لم يمنع من أن يكون لبرقة والمغرب عمالها وولاتها في كثير من الأحيان ففي سنة ٨٦ ه / ٧۰٥ م أرسل الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى أفريقية موسى بن نصير واليا على البلاد يحكمها من القيروان ويتبع الخليفة مباشرة ومنذ ذلك الحين أصبحت أفريقية ولاية مستقلة في حكمها عن مصر بعد أن كانت تتبعها في الإدارة وتتلقى منها الجيوش الفاتحة . اشتهرت مصر منذ تاريخها القديم بتفوق أهلها فى عدة صناعات ، التي اشتهرت بها مصر قبل الفتح العربي وازدهرت بعد الفتح صناعة المنسوجات على اختلاف أنواعها، فضلا عن البهنسا والأشمونيين وأسيوط وأخميم فى الوجه القبلى الكتابة والزخرفة النباتية والهندسية ورسوم الطيور والحيوانات تسود في ويلاحظ أن معظم المراكز الرئيسية للنسيج في مصر هي التي يكثر فيها وظلت الزخارف القبطية غالبة على المنسوجات المصرية في القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة أى من القرن السابع إلى القرن العاشر الآثار فى الفسطاط وغيرها من المناطق الأثرية في مصر على تحف من العاج أو العظم أو من الخشب المطعم أو المرصع بهاتين المادتين . فقد عثر المنقبون عن الآثار في حفائر الفسطاط على مقادير وافرة من الأوانى الزجاجية التي تشهد على رقى المستوى الفني ومن الصناعات الهامة التى اشتهرت بها مصر في فجر الإسلام صناعة الورق من نبات البردى وهى صناعة قديمة ارتبطت بنمو نبات البردى وحذق المصريون في إعداد أوراق ه أدركوا أهمية مصر التجارية بين الشرق والغرب، وعملوا على الاستفادة من موقعها الفذ في تنشيط التجارة عن طريق إصلاح الطرق وتأمينها وحفر الآبار على امتدادها والعناية بالموانئ المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط. وهكذا غدت مصر مجمع التجارة من ما حققه الحكم العربي من أم ن من وفي ظل ما حققه الحكم العربي من أمن وتكدست في أسواقها بضائع الشرق والغرب من منسوجات وجلود وفراء وسيوف ورقيق وخيول وأخشا ب تمتعت مصر بأهمية حربية كبيرة في نظر العرب ، بلد أفريقى فتحه العرب ، ومن ثم غدت قاعدة للفتوحات العربية التي امتدت على طول الشاطئ الشمالي لأفريقية . هذا إلى أن مصر بموقعها المطوعة التى كان أساسها أهل البلاد من المصريين ، عمر بن الخطاب على الجنود العرب فى مصر وفي سائر الأقاليم الاشتغال على أنه من الواضح أن الخطر الذى هدد مصر تهديداً مباشراً عقب الفتح ففي عام ٣٤ ه/ ٦٥٥ م ، وكان والى مصر آنذاك هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح من قبل الخليفة عثمان عثمان بن عفان ، فخرج عبد الله بن سعد على رأس الأسطول المصرى الذى أصبح قوة بحرية بعد أن أعطوا الأسطول حقه من العناية لصد خطر البيزنطيين وتقابل الأسطول العربي مع الأسطول البيزنطي فى معركة عرفت باسم ذات الصوارى لكثرة صواري السفن ، وفي هذه المعركة حول العرب القتال البحرى إلى اشتباك وجها لوجه ، المتلاحمة ميادين قتال أشب ه بميادين البر ، وبذلك حقق العرب أول انتصار عمرو بن العاص السهمى مما نقل عنهم الرواية للحديث من الصحابة كما كان عبد الله بن عمرو أول من جلس من الصحابة لتعليم الناس الفقه والحديث بجامع عمرو بن العاص ، وقد روى عنه أهل مصر ما يزيد على ومن الواضح أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان من أكثر الصحابة تأثيراً في انتشار الفقه والفتاوى الفقهية بمصر في هذا الوقت وقد كان الصحابي الجليل عقبة بن عامر الجهني ممن انتفع المصريون وكان إسلامه بعد الهجرة بقليل . وقد أهله للتحديث والفتوى بالإضافة إلى قربه من الرسول صلى وتميز عقبة بن عامر كذلك بقدراته الإدارية ، وفي الفقه اشتهر الليث بن سعد الذي ولد في قرية قلقشنده بمصر حوالي وسافر إلى كثير من البلاد الإسلامية لأخذ العلم عن التابعين حتى برز في الفقه درجة جعلت الإمام الشافعي يقول عنه " الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به" واشتهر بعلمه الواسع في وخاصة فيما يتعلق بأحداث الفتح العربي لها . ونشير إلى أن المدرسة المالكية بمصر كانت قوية في أول الأمر إلى أن وقد على مصر الإمام الشافعي ، فانقسم المصريون بين مالكية وشافعية ، واشتد الجدل والنقاش بين المدرستين إلى أن أدى إلى صدام وقتال بينهما في المسجد العتيق مما اضطر الأخشيد إلى إغلاق الجامع . وهنا نلاحظ أن المذهبين المالكي والشافعي قد أصبحا متعادلين في مصر، أما المذهب الحنفى فكان أقل شأناً منهما ولو أن الخلافة العباسية كانت في حين لم يكن للمذهب الحنبلي أو المذاهب السنية الأخرى أهمية لم تقتصر الحركة العلمية على العلوم الدينية ، فمن النحاه الذين كان لهم أثر كبير بمصر بنو ولاد ، وأشهرهم الوليد بن محمد المشهور بولاد ، نحوياً مبرزاً وتوفى عام ٢٦٣ ه / ٨٧٦ م. وفى التاريخ ظهر عبد الله بن عبد الحكم الذي ولد بالأسكندرية عام ۱٥٥ ه / ٧٧٢ م ، الشهير "فتوح مصر" الذي يعتبر مصدراً أساسياً عن تاريخ مصر منذ