الفصل الخامس: التوجّهات اللغويّة والبلاغيّة من بين مجالات الاتّصال المختلفة، يهتمّ الاتّصال اللغويّ بمعالجة الرسائل المتبادلة في سياق ما، بعد أن يتمّ التمييز بين ما هو اتّصال لغويّ وما هو اتّصال غير لغويّ؛ وسياقه التاريخي والفكري الذي نشأ فيه. لقد تصور أرسطو البلاغة باعتبارها فن الإقناع، وضع نموذج أرسطو للتواصل، الأساس لنظرية الاتصال من خلال التركيز على الخطاب اللفظي كأسلوب أساسي للتأثير. كان الهدف من هذا النهج هو فهم كيف يمكن استخدام اللغة للتأثير على الرأي العام وإثارة العمل الجماعي، مما جعله محوراً أساسياً للنظريات الحديثة في الاتصال التي تتعامل مع أشكال متنوعة من صنع المعنى تتجاوز اللغة اللفظية، فهل بدأ التنظير الاتّصاليّ بالكلام والبلاغة والإقناع؟ أم كانت بدايته بالإشارة والرمز والإيحاء؟ وما قيمة اللغة المنطوقة والمكتوبة في تحقيق التواصل؟ وما دلالة الإشارة والعلامة والرمز في الخطابات الجارية بين البشر؟ تضاهي ما حدث إبّان عصر سقراط؟ وتصريف شؤونه وتسيير حياته عمليّاً، ولفهمه وتفاعله مع وسائل ونظم الاتّصال والإعلام؛ وتتوزّع مادّة هذا الفصل بين الاتّصال الخطابيّ وعلم العلامات؛ موضّحاً في الوقت ذاته حُجَج "السيميائيّين" في القول إنّ الاتّصال فعل متجاوز للغة في أنساقها التقليديّة، وقد تعاملت أدبيّات الاتّصال مع (نظريّة الخطابة) التي أسّس لها أرسطو، وهذا يجعل دراستنا لبدايات الخطابة وتطوّرها وأهمّيّتها دراسة في أصول الفكر الاتّصاليّ. 1. أهمّيّة الخطابة تبدأ أهمّيّة الخطابة من كونها فعلاً اتّصاليّاً دالّاً على تكوّن جماعة إنسانيّة، تحمل من الأفكار المشتركة ما يجعلها قادرة على التلقّي الجماعي لخطاب عام يلقيه أحد أفرادها لتكون بذلك أبسط نماذج ونظم الاتّصال غير الشخصيّ، فما إن تعمّ ظاهرة أو تبرز شخصيّة حتّى يؤتى بها على (أعين الناس) ويقام حدث حولها. وقد حملت جدران الكهوف والمعابد والأهرامات والمدافن والنصب - منذ بضعة آلاف سنة، في نشر ضلالاتهم والتشويش على خصومهم والنيل منهم. وكان الأثر السحريّ لبلاغة الخطباء في الجمهور هو الحافز لزخم من مناهج التدريب والكتابات التنظيريّة والنقديّة حول فنّ الخطابة. في كلّ سياقات التواصل، وتعدّ رسالات الأنبياء بيئات عمليّة لاختبار هذا الافتراض؛ واللغة- في النموذج القرآنيّ- هي أساس التخاطب الذي هو مبتدأ التواصل، "كان أحد الأشياء التي أراد الناس معرفتها حتّى قبل 5000 عام هو كيفيّة حدوث الاتّصال، مع وصول النورمان في القرن الحادي عشر، 3. التأسيس الأرسطيّ (للخطابة) وفي كنف هذا التداخل أخذ كتاب (الخطابة) مكانه، لقد طوّر أرسطو – من خلال ذلك الكتاب وسعيه بشكل علميّ لاستكشاف الطبيعة البشريّة- نموذجًا خطّيّاً في التواصل الشفهيّ أصبح يعرف باسم (نموذج أرسطو للاتّصال). ويعدّ هذا أوّل نموذج للاتّصال تمّ اقتراحه قبل 300 سنة قبل الميلاد؛ ولكي نستكمل الصورة هنا- وقبل توسيع القول عن أرسطو وكتابه في الخطابة- نلقي نظرة سريعة على أهمّ نماذج الخطابة في روما القديمة. بعد أرسطو، كان العملاق التالي للخطابة الكلاسيكيّة رومانيّاً لا إغريقيّاً. يمهّد استعراضنا السابق مدخلاً للنموذج الأوّل للاتّصال، الذي صاغه أرسطو ووثّقه في كتابه الشهير في الخطابة، ومن هؤلاء: ابن سينا في كتاب الشفاء، وغير ذلك ممّا يعرف من المنطق". وفسّره الفارابيّ أبو نصر. فالبحث يجب أن يتّجه إلى كتب البلاغة التي ألّفت في القرنين الرابع والخامس، لكسر العزلة، ومخاطبة اهتماماتهم الذاتيّة والثنائيّة والجمعية؛ فقد "فتنت أثينا ببلاغة خطبائها، وساهمت الخطب في اتّخاذ قرارات الحرب والترغيب في السلم وتخفيض الأسعار وتحديد الضرائب، فلا عجب إذا رأينا أنّ من لم يكن قديراً على فنون القول يحاول أن يتعلّمها. وكثير من الأفكار التي عرضها أرسطو فيه ما زالت تحمل طابع الجدّة وتتردّد في كلام النقّاد حين يقرّرون أصول النظريّة الأدبيّة، وما كان سائداً في العصر الذي ألّف فيه أرسطو كتابه، والمناسبة، والوضع (المناسبة). والإعداد الجيّد للخطبة ضروريّ؛ كي يتمّ إقناع الجمهور أو التأثير فيه. وكان الاعتقاد السائد حول "البلاغة" أنّها دراسة التواصل والإقناع، فلا يوجد مفهوم للتعليقات وردود الأفعال الصادرة عن الجمهور؛ وتشمل أخلاقيّات المتحدّث العناصرَ المحرّكة لمشاعر الجمهور واستخدام الشعارات والشواهد الرمزيّة المعزّزة للمحتوى. إنّها وسيلة لإقناع الآخرين بالاعتقاد بوجهة نظر معيّنة. في هذا النموذج تعتمد المناشدة الأولى (Ethos) على شخصيّة المتحدّث وتعبر عن مصداقيته، حيث يخدم كل منها أغراضًا مميزة في التأثير على الجمهور. بل تلهمه وتقنعه أيضًا باتخاذ إجراء أو تبني وجهة نظر معينة. وريتشموند، من ناحية ارتكازه على المتكلّم باعتباره العنصر الأكثر أهمّية، منها عدم وجود مفهوم للتغذية المرتدّة (Feedback)؛ أشرنا - فيما سبق- إلى التصوّر السيميائيّ للاتّصال باعتباره فعلا متجاوزا للغة في أنساقها التقليدية، وكيفيّة إفراز الدلالة. هما: الدّالّ والمدلول/ المعنى. أو كلمات على صفحة، والإشهار، يقترن الحديث عن نقل الاتّصال من خلال العلامات في جدليّات الفكر الاتّصالي بكل ّمن دوسوسير، إذ يعدّها مشكلة ليس لأنّها لا تؤثّر في إقناع الجمهور فحسب، متحدّثاً عن تأثيرات الصورة، للدلالة على الموافقة أو المخالفة، المحصور على جملة محدودة من الخصائص، إلى القراءة اللسانيّة للنصوص ومظاهر التعبير الأخرى . بالنسبة إلى النظريّة السيميائيّة فإنّ مشكلات الاتّصال هي سوء فهم أو سوء فهم غير واع للبيانات؛ ممّا يعني أنّ كلّ شخص يتعامل مع التواصل بشكل مختلف، على عكس الخطابة، 4. السيميائيّة في بحوث الاتّصال ففي السيميائيّة والإعلان جاءت دراسة بجامعة ولاية ألينوي؛ إذ تشكّل القاعدة النظريّة من السيميّائية الاجتماعيّة، إلا أنّه - وبشكل غير متوقّع- يتمّ تفسير صور رمزيّة، إلا أنّ تأثيره في إنشاء صورة العلامة التجاريّة-بشكل عامّ- لا يزال غير مستكشف نسبيّاً. إنّ تفسير الاتّصال في شكل مرئيّ معقّدٌ في الطبيعة. وهذا البحث يتناول هذه المسألة من منظور شبه سيميائيّ. إذ اهتمّ بدراسة بطاقات التهنئة باعتبارها سلعة يتمّ منحها عن بعد، وفي القيام بكلّ من هذين النوعين من (تحليل الخطاب) الموضّح في دراسة تجريبيّة إثنوغرافيّة، في سياقين لغويّين وثقافيّين مختلفين، لفحص أربعين علامة مقهى ومطعم عراقيّ وأميركيّ، مقسّمة بالتساوي إلى عشرين علامة لكلّ لغة.