كالإعلان عن "اتفاق أوسلو" قبل ثلاثة عقود، لم تفاجئ عملية "طوفان الأقصى" العالم فحسب، أما مردّ المفاجأة للفلسطينيين في كلتا الحالتين، مع اختلاف مضمونهما عن بعض، فكان أن القرار بخصوص كلٍ منهما اتُخذ خِفيةً خلف أبواب موصدة، استكان الفلسطينيون بشكلٍ عام على عملية سياسية اتسمت بالتلكؤ والاجترار في عملية صنع القرار السياسي. واستفحلت تراكماته السلبية مع مرور الوقت، حتى وصلت حالياً إلى تكريس حالة أضحت مستعصية من الجمود السياسي المسؤول عن تآكل شديد في المقدرة والفاعلية السياسية، داخلياً وإقليمياً ودولياً على السواء. لا لنُحدث شيئاً نؤثّر به على ما يحدث لنا، والتعويل على طهران وأنقرة، ناهيك عن تمنياتٍ بحدوث "انقلابٍ" في سياسة العواصم العربية، أنفسنا السؤال الأهم: ما الذي يجب علينا نحن أن نفعل كي نُغيّر، أو على الأقل أن نُسهم إيجابياً في تغيير، الحال الذي نحن فيه؟ أما الأمر الأهم فهو أننا لا نُقدم على فعل شيء فعّال بهذا الشأن، كوننا نعيش تحت وطأة وهمٍ بأننا نقوم بالفعل بكل ما يلزم منا. بل لقد أنبتنا ورسّخنا الانطباع في أنفسنا بأن "ما نقوم به" هو العامل الفاعل الأساس والحاسم في العملية السياسية الدائرة من حولنا. والقناعة التامة بالسيطرة الذاتية على الموقف، من جهة ثانية: راحة واستراحة يولدّان حالة من الرضى عن الذات، من المفيد التنبه إلى أن تجربتنا الطويلة في انتظار حصول المتغير الخارجي أدت، لاتخاذ قرارات سياسية كان من المفيد اتخاذها في وقتها لتكون فاعلة ومؤثرة، علّنا نتذكّر أن منظمة التحرير وافقت على قرار 242 بعد حوالي عشرين عاماً على صدوره. كما وأن حركة حماس وافقت الآن على الدولة الفلسطينية بعد مرور أربعين عاماً على قبول المنظمة رسمياً بذلك، وبعد أن أضحت إمكانية إقامتها فعلياً، هذا غيض من فيض قرارات كنا بحاجة لاتخاذها في الوقت المناسب، فأدت إلى تآكل موقفنا السياسي دون مردود مناسب. وفقدان الفاعلية التأثيرية في مجريات الأحداث السياسية التي تؤثر على حياتنا ومستقبل قضيتنا الوطنية؟! بأننا لا نواجه إسرائيل لوحدها، وأننا نتعامل مع واقع إقليمي ما فتئ يخذلنا. فمهما كانت قدراتنا متواضعة أمام أثقال التحالفات الموجهة ضدنا، إلا أن ذلك لا يعني فقداننا للقدرة والفاعلية بشكل كامل. فعلى مدى تاريخ حركتنا الوطنية المعاصرة، بقينا منقسمين سياسياً إلى أطرافٍ لم تبحث بشكل جدّي فيما بينها عن القواسم المشتركة الضرورية لنسج ائتلاف متين يخدم القضية كالهدف الأساسي، وينحّي الخلافات بينها إلى وضعية ثانوية مُسيطَر عليها ومُتفاهَم بشأنها. أصبح الشأن السياسي منكفئاً على تحقيق الحسم الداخلي، والتي اختُزلت من ضرورة الفعل الجدّي إلى مجرد مبالغات بلاغية هدفها التستر على المناحرات الداخلية المحتدمة. وبما أن المناكفة الداخلية أصبحت هي لُبّ الفعل السياسي، فقد أصبحت السياسة الفلسطينية مجالاً سلبياً وإقصائياً، يُجيّر لتجييش "الجمهور" من قِبل كل طرف لتسجيل النقاط على الطرف الآخر وتقويض شرعية وجوده ومكانته. هذا الانشغال بالذات أدى بالمجال السياسي لأن يصبح شعبوياً، وللدرجة التي تقلصت فيها المساحة المتبقية لمتابعة الهدف الوطني العام إلى الحدود الدنيا. وعندما يصبح الوضع على هذا الحال، فإن المتأثر سلباً هو بالعادة ما يكون النقاش والحوار البنّاء، ووجود أسس قويمة للتغيير الذي هو عصب الحياة لكل نظام سياسي فعّال. يمكن لذوي الأطراف المتناحرة حالياً داخل النظام السياسي الفلسطيني الادعاء أن هذا التقييم سلبي ومتشائم أكثر مما ينبغي، ولكن ما استدعى هذه المكاشفة هو الكشف عن تجدد الحديث حول بحث الإدارة الأميركية مع أطراف دولية وإقليمية بشأن ما أصبح يُعرف بخطة "اليوم التالي" للحرب على غزة، وعدم الاستعداد الفلسطيني الجدّي لهذا "اليوم التالي" سوى الادعاء أن الموضوع محسوم، وأن "اليوم التالي" سيكون فلسطينياً بامتياز، سيكون هناك "اليوم التالي" للحرب على غزة، وسيكون هناك أجندات وجداول أعمال يُعدّ لها منذ اندلعت هذه الحرب، أما الغائب الأكبر فهو الأجندة الفلسطينية المتعلقة بالموضوع، قد يسأل سائل: وكيف تم الحكم على أنها غائبة؟ الأمر سهل، اجتماعات تلو اجتماعات، ولا يوجد أي خطوات عملية تُنبئ وتقنع الفلسطينيين والعالم أن ترتيب البيت الفلسطيني قد بدأ يخطو خطوات فعلية تنهي ليس الانقسام على محاصصة النظام السياسي، وبما يبدأ باستعادة فاعليته وقدرته على الصمود في وجه المصاعب الجمة القادمة. ولا يمكن للمناكفات المستمرة والتراشق بالاتهامات، أن تعين في تأمين المناعة المهدورة للنظام السياسي الفلسطيني. المسؤولية هي فلسطينية بالأساس،