إن تسمية «الاتحاد الأوروبي» تسمية مضلِّلة — إلى حد ما — تصف تركيبة المؤسسات والعمليات التي تشكل في مجملها جزءًا من الجهود التي يبذلها بعض الأوروبيين لتحقيق التكامل الأوروبي الاقتصادي والسياسي. وقد صدم رفض الفرنسيين يوم ٢٩ مايو ٢٠٠٥ والهولنديين أول يونيو ٢٠٠٥ القاطع لمسودة دستور الاتحاد الأوروبي السياسيين والمسئولين الأوروبيين، فأي معاهدة من معاهدات الاتحاد الأوروبي لا بد من تصديق جميع الدول الأعضاء عليها قبل إدخالها حيز التنفيذ. أن البلدين اللذين رفض الشعب فيهما مسودة الدستور، كانا عضوين مؤسسين في الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي تأسست عام ١٩٥٧. أعلنت ست دول أعضاء أخرى (بريطانيا وأيرلندا والدنمارك والسويد وجمهورية التشيك وبولندا) أنها لا تنوي إجراء استفتاء على المسودة. كانت الدول القومية الأوروبية قد تعرضت للتدمير والإفقار من جراء الحربين العالميتين على مدى خمسين عامًا، فخشيت تلك الدول من أنها إذا ظلت منقسمة على أساس قومي فستكون ضعيفة، واعتقدَتْ أيضًا أن تعافي أوروبا سيكون أقوى وأسرع إذا أمكن لها إحراز تقدم تجاه المزيد من التكامل الاقتصادي الأوروبي. وهو الاعتقاد بأنه إذا أمكن لك تحقيق التكامل بين قطاعات معينة مهمة من الاقتصاد عبر الحدود القومية فسيكون بإمكانك خفض احتمالات الحرب لدى الدول، وقد كان إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب عام ١٩٥١ محفزًا رئيسيًّا لعملية التكامل (تذكَّر الأوروبيون استغلال هتلر لإقليم الرور — أحد أهم مراكز مناجم الفحم والصناعة — بين الحربين). وكانت فكرة إنشاء جماعة أوروبية للفحم الحجري والصلب قد طرحتها خطة شومان عام ١٩٥٠، ورأى أتباع المنهج النفعي في نجاح تحقيق التكامل بين قطاعات صناعية معينة تأكيدًا لقناعتهم بأن تكامل الأنشطة غير السياسية من شأنه في النهاية تيسير التكامل السياسي. وقد قدم نجاح تلك الجماعة الأوروبية مساعدة جمة لمشروع التكامل القطاعي الذي تبناه أصحاب المنهج النفعي، وشوهد المزيد من التقدم في ذلك الاتجاه في إنشاء الجماعة الاقتصادية الأوروبية والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية بموجب معاهدة روما عام ١٩٥٧، إلا أن تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي في عدد متزايد من القطاعات الاقتصادية لم يستتبع بالضرورة التكامل السياسي؛ فقد كان النجاح «الاقتصادي» لنموذج التكامل الأوروبي النفعي القطاعي هو ما أكدته الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب، وقدَّمت إمكانية الوصول إلى المزيد من الاستثمارات وتحسين القدرة التنافسية المحرك الحقيقي لكلٍّ من النمو الاقتصادي الأوروبي والجهود الساعية إلى التكامل، وصحبهما تحقيق جميع الأعضاء المؤسسين لقدر كبير من الازدهار نتيجة وصولهم إلى سوق أوروبية أوسع. كانت جاذبية الوصول إلى سوق الجماعة الأوروبية هي التي اجتذبت المملكة المتحدة في النهاية للانضمام إلى الجماعة الأوروبية بصحبة الدنمارك وأيرلندا عام ١٩٧٣، وعندما انتهت الحرب الباردة صار ممكنًا للدول التي اتبعت سياسة حياد صارم أثناء الحرب الباردة (النمسا والسويد وفنلندا) أن تنضم، فقد كان أمن دول الاتحاد الأوروبي الديمقراطية أثناء الحرب الباردة مكفولًا بدرع الناتو، ومن المفارقات العجيبة أنه على الرغم من أن الدول التي قُبلت في الاتحاد الأوروبي في إطار توسُّعه الأخير، انضمت في المقام الأول بغية كسب المزايا الاقتصادية المتاحة للأعضاء — مثل الوصول إلى أكبر سوق موحدة في العالم، والحصول على مِنَح التنمية الإقليمية، ويشير الخبراء الاقتصاديون إلى حاجة الاتحاد الأوروبي الملحة إلى إزالة القيود عن أسواق العمالة وخدماتها. فإن كان للاتحاد الأوروبي أن يسترد النجاح الاقتصادي الذي حققه في أعوامه الأولى، فلا بد له من أن يعمل جاهدًا على منع الدول الأعضاء فيه من التعلل بالقومية الاقتصادية؛ بغية الحماية والالتفاف حول قواعد المنافسة الصارمة للاتحاد الأوروبي. وإن الإصرار على الحفاظ على السوق الموحدة وإعطاء دَفعة لحرية انتقال العمالة والسلع والخدمات ورأس المال لأمر حيوي من أجل سلامة الاتحاد الأوروبي على المدى البعيد؛ فمن المتوقَّع أن توفر السوق الموحدة الأساس اللازم لنوعية الانتعاش الاقتصادي، إلا أننا — وأكرر هنا درسًا مهمًّا ضمن الدروس المستفادة من الاستعراض العام الذي قدمته عن الأمم المتحدة — علينا توخي الحذر من إلقاء اللوم كله على مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمتاعبه الحالية وافتقاره الظاهر إلى حس الاتجاه؛ فالاتحاد الأوروبي منظمة حكومية دولية في النهاية، وإن كان بالفعل منظمة حكومية دولية غير معتادة؛ إذ إنه مضى في جهود التكامل الاقتصادي الإقليمي لحد يفوق كثيرًا ما بلغته أي منظمة إقليمية في العالم. ويكاد يكون من المؤكد أن التصويت ﺑ «لا» في الاستفتاءين الفرنسي والهولندي على دستور الاتحاد الأوروبي ارتكز على الانتقادات المتنامية الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أنه من المبالغة أن يُوصَف الاتحاد الأوروبي بأنه جهة فاعلة مستقلة تمامًا في العلاقات الدولية، فإنه كثيرًا ما يُستهان بما حققه من إنجازات كمنظمة حكومية دولية تعمل لمصلحة أوروبا. فالاتحاد الأوروبي — بإصراره على أن يكون لدى جميع الدول التي تطلب الانضمام إليه نظم سياسية ديمقراطية مفعَّلة تفعيلًا كاملًا، تحافظ على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي، فالنتيجة التي لم يتوقعها الكثيرون للتوسع الضخم للاتحاد الأوروبي، ربما تمثل أهم آثار تلك المنظمة الحكومية الدولية الطموحة على العلاقات الدولية؛ فقد اتضح أن مخاوف بعض الدول الأعضاء من أن تُلحِق التبعات الاقتصادية المترتبة على التوسع ضررًا خطيرًا بالاتحاد الأوروبي لا أساس لها، وتوصلت إلى أن ضم أعضاء جدد من وسط أوروبا عام ٢٠٠٤ رفع النمو الاقتصادي، فمن اليسير أن تنزلق تلك البلدان مجددًا في بحار النزعة القومية، من المرجح أن يحددا شكل مشروع التكامل الأوروبي في المستقبل، فالاتحاد الأوروبي الحالي لديه أربعة أمثال عدد الأعضاء الذين شاركوا في الجماعة الاقتصادية الأوروبية الأصلية، فهم مصرُّون على الاستمتاع بامتلاك حكوماتهم القومية المستقلة. وإن السياسيين المؤمنين بتجاوز حدود الولاية القومية في البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية وبعض حكومات الاتحاد الأوروبي، من المرجح أن يكتشفوا أن اتحادًا أوروبيًّا قوامه ٢٥ عضوًا لا يمكن إقحامه في هيكل يتجاوز حدود الولاية القومية، وسيظل الاتحاد الأوروبي منبرًا ذا أهمية حيوية، وهيكلًا يستهدف التعاون الإقليمي الأوروبي الأوثق، ولكن من المستبعد أن يتحول إلى ما يعادل ولايات متحدة أوروبية. وإذا حاول الاتحاد الأوروبي السعي إلى إعادة إحياء مسودة الدستور الأوروبي ودفع الفرنسيين والهولنديين إلى التصويت عليه مجددًا، فالأوروبيون ما زالوا يعتبرون دولهم القومية مصبَّ ولائهم بالأساس، ويتمتع البرلمان الأوروبي بسلطات محدودة للغاية في هيكل الاتحاد الأوروبي، إحدى المشكلات الجوهرية التي تواجه الاتحاد الأوروبي هي العجز الديمقراطي، الذي تعكسه الفجوة الضخمة بين النخبة الأوروبية الساعية إلى التكامل والمواطن العادي في الدول الأعضاء. وينتاب الشعوب حنق متزايد من قدرتها المحدودة على التأثير على قرارات الاتحاد الأوروبي وعملية صنع السياسات فيه. وتكمن مراكز القوة الحقيقية داخل الاتحاد الأوروبي في مجلس الوزراء الذي يأتي بالتعيين المباشر من الحكومات القومية والمفوضية الأوروبية؛ جهاز الاتحاد الأوروبي البيروقراطي القوي، ولكن على الرغم من أن البرلمان الأوروبي هو المؤسسة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي المنتخبة مباشرةً من مواطني الاتحاد، فالاتحاد الأوروبي ما زال منظمة حكومية دولية ذات مجلس استشاري منتخب، ونظرًا لقوة الولاءات القومية لدى الزعماء والمشرعين والناخبين في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وأن السياسيين الأوروبيين كثيرًا ما أعربوا عن إحباطهم من عجز حكومات الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق على كيفية الاستجابة للأزمات الكبرى. فقد وصف وزير الخارجية البلجيكي مارك إسكينز — إذ نفد صبره إزاء ضعف استجابة الاتحاد الأوروبي أثناء حرب الخليج عام ١٩٩١ — الاتحاد الأوروبي بأنه «عملاق اقتصادي، فالاتحاد الأوروبي ليس جهة فاعلة مستقلة بحق في الشئون الدولية، فعلاقاته الخارجية تعكس قطعًا أن الدول الأعضاء فيه ليست مستعدة للتخلي عن سيطرتها السيادية على سياستها الخارجية. إضافةً إلى ذلك — وكما علَّقْتُ بالفعل — فدول الاتحاد الأوروبي لم تستشعر قط الحاجة إلى تحويل الاتحاد إلى حلف عسكري قوي؛ فإن وصفًا من ذلك النوع الاستهزائي يتضمن أن الاتحاد الأوروبي يمثل ضربًا من الدول السيادية، وهو في الواقع آلية ذات قيمة محتملة في إقامة التواصل والتعاون متعدد الأطراف بصفة يومية. فعندما تتمكن حكومات الاتحاد الأوروبي من الاتفاق على موقف مشترك بخصوص مسألة سياسة خارجية مهمة، يمدُّ ذلك زعماء الاتحاد الأوروبي السياسيَّين بقدر إضافي لا يُستهان به من النفوذ الدبلوماسي. ولم يَفُت الدول الأخرى ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي عملاق اقتصادي، فهو أكبر وأغنى سوق استهلاكية موحدة في العالم أجمع، وإلى حد ما بسبب التوسع الضخم للاتحاد الأوروبي، يفوق مجموع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد وعدد سكانه ناتج منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وعدد سكانها إلى حد بعيد. وبالطبع فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير على العلاقات الدولية، وإن سمات «الحنكة السياسية» التي تصنع اختلافًا كبيرًا في مصائر الدول تحمل نفس الضرورة لعمل أي منظمة حكومية دولية، إذا كان لها أن تكتسب تأثيرًا حقيقيًّا على العلاقات والأحداث الدولية. وثمة فرصة خاصة سانحة أمام الاتحاد الأوروبي لممارسة نفوذه الدبلوماسي لمصلحة الدول الأعضاء فيه، بتزايد مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية للتكاليف والمخاطر المرتفعة المتولدة عن السياسات أحادية الجانب. ومع مواجهة مشكلة برنامج إيران النووي الشائكة إلى حد بعيد — اتضح في منتصف مايو ٢٠٠٦ أن الولايات المتحدة على استعداد للانتظار حتى ترى نتائج الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف — بقيادة خافيير سولانا، والأهم من ذلك كله — في وقت تثير فيه سياسات الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة الباقية، وإجمالًا لاستنتاجاتي بخصوص دور كلٍّ من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، أقول إن: (١) من الخطأ افتراض أن المنظمات الحكومية الدولية هي جهات فاعلة مستقلة تمامًا في العلاقات الدولية.