وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز مع تمام الدلالة من أن يقال فيه : إنه قول موزون مقفى يدل على معنى فقولنا و قول ، دال على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر ، وقولنا : مقفي : فصل بين ما له من الكلام الموزون قواف وبين ما لا قوافي له ولا مقاطع ، وقولنا : يدل على معنى : يفصل ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة على معنى مما جرى على ذلك من غير دلالة على معنى ، فإنه لو أراد مريد أن يعمل من ذلك شيئاً على هذه الجهة لأمكنه وما تعذر عليه . وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال ، إذ كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات والمهن فله طرفان ، وحدوده بينهما تسمى الوسائط ، وكان كل قاصد لشيء من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود ، فإن قصر عن ذلك نزل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها ، إذ كان الشعر أيضاً جارياً على سبيل سائر الصناعات ، فإذا قد صح أن هذا على ما قلناه فانذكر صفات الشعر الذي إذا اجتمعت فيه كان في غاية الجودة ، ليكون ما يوجد من الشعر الذي اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها وخلا من الخلال المذمومة بأسرها يسمى شعراً في غاية الجودة ، وما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعراً في غاية الرداءة ، فإن سبيل الأوساط في كل ما له ذلك أن تحد بسلب الطرفين ، والمز الذي هو وسط بين الحلو والحامض إنه لا حلو ولا حامض ومما يجب تقدمته وتوطيده قبل ما أريد أن أتكلم فيه أن المعاني كلها معرضة للشاعر ، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه ، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة ، والفضة للصياغة وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى - كان من الرفعة والضعة ، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة . ومما يجب تقديمه أيضاً أن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين ، إذا أحسن المدح والذم : بل ذلك عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته . وإنما قدمت هذين المعنيين لما وجدت قوماً يعيبون الشعر إذا سلك الشاعر هذين المسلكين: فإني رأيت من يعيب أمرأ القيس في فمثلك حبل قد طرقت وموضع. وليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه ، وذلك قوله في موضع : تملأ بيننا أقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع و ري وأطرى في موضع آخر القناعة وأخبر عن اكتفاء الإنسان بشبعه وريه . لم ) [ طريق ] إلا أنه زاد في أحدهما زيادة لا تنقض ما في الآخر ، وذلك أنه قال في أحد المعنيين : فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكن في المعنى الأول زيادة ليست بناقضة لشيء ، وهو (1) قوله : لكني لست أسعى لما يكفيني ولكن لمجد أؤثله ، فالمعنيان اللذان ينبئان عن اكتفاء الإنسان باليسير متوافقان في الشعرين ، ولا تنسخه وأرى أن هذا العائب ظن أن امرأ القيس قال في أحد الشعرين : إن وفي الآخر : إنه لا يكفيه . ولا ذهب إليه ، ومع ذلك فلو قاله وذهب إليه لم يكن عندي مخطئاً ، ولا في معنى ملكه في كلمة واحدة أيضاً لم يجر مجرى العيب ، إذ كانت علامات . فإنه ليس يتنازع في ذلك . وإذ قدمت ما احتجت إلى تقديمه فأقول : وكان هذا الحد مأخوذاً من جنس الشعر العام له وفصوله التي عن غيره ، لأن الإنسان مثلاً يحد بأنه حي ناطق ميت ، فحي بمعنى الحياة التي هي جنس الإنسان الموجود فيه ، وكذلك معنى النطق الذي هو فصله مما ليس بناطق موجود فيه ، وهو التخيل والذكر والفكر ، ومعنى الموت الذي في حد الإنسان وهو قبول بطلان الحركة ، وكذلك أيضاً معنى اللفظ الذي هو جنس الشعر موجود فيه ، فإن كان ذلك كما قلنا فالشعر إنما هو ما اجتمع من هذه الأسباب التي يحيط بها حده ولما كان كل مجتمع وكل مؤلف من أمور ، فالأمور مؤلف من بعضها مع بعض ، يزيد عددها فيه وينقص على حسب كثرة الأمور وقلتها ، وأن يكون تعديد هذه التأليفات إذا استوعب وأضيف إلى ذلك عدة الأسباب المفردات من غير تأليف ، فقد أتي على جميع الأسباب التي يجب الكلام فيها من أمر الشعر فأقول : إنه لما كانت الأسباب المفردات التي يحيط بها حد الشعر على ما قدمنا القول فيه أربعة ، وهي : اللفظ ، والوزن ، والتقفية وجب بحسب هذا العدد أن يكون لما ستة أضرب من التأليف ، إلا أني وجدت اللفظ والمعنى والوزن تأتلف ، ولها دلالة على معنى لذلك اللفظ أيضاً ، والوزن شيء واقع على جمع لفظ الشعر الدال على المعنى ، فإذا كان ذلك كذلك فقد انتعلم تأليف الثلاثة الأمور الآخر ائتلاف القافية أيضاً . إذ كانت لا تعدو أنها لفظة كسائر لفظ الشعر المؤتلف مع المعنى ، وليس الترتيب أن لا يوجد للشيء تال يتلوه ذاتاً قائمة فيه ، فأما من جهة ما تدل عليه فإن ذلك تأليف معنى إلى ما يتألف ،