فالرجل يكاتب عبده على مال يؤديه منجمًا أي يتفق معه على حريته مقابل مبلغ من المال، ويرى أصحاب هذا الرأي أن هناك مرحلة أساسية لابد أن يمر بها المؤلف قبل أن يقوم بعملية التأيف - وهى مرحلة تالية للتدوين - والمقصود بها مرحلة الإنشاء أي عملية بناء الجملة التي تحسن تصوير الفكرة . أما الدور الثالث فيبرز فيه نزوع إلى التزبين اللفظي التأليف : ولم يكن الإنشاء بأدواره المختلفة بمعزل عن التأليف، كما ازدهر التصنيف الأدبي الذي يقوم على المختارات المدونة ثم تطور فيما بعد ليصبح تأليفاً منظماً مبّوباً على يد الجاحظ وأضرابه . مما سبق يتبين لنا أن الكتابة معنى جامع شامل لمراحل وأنواع الإنشاء والتأليف، وفيه تبدو عملية التعبير الذاتي المستقل عن الأفكار التي تبدأ بسيطة وجزئية ثم تصبح شاملة وكافية في مرحلة التأليف. 2. الإنشاء : مر بالدور الفطري - والدور الفني - والدور البديعي. 3. التأليف القائم على الجمع. ولكنها تتطور بتطور الخبرة الإنسانية والآن ما هو المقصود بالتحرير الذي هو محور هذا البحث؟ إذا بحثنا عن الجذر اللغوي لهذه الكلمة في المعاجم المعتمدة نجد أنها - في مادتها - الأصلية - تدل على معنيين رئيسيين هما : الشدة على إطلاقها أما المعنى الثاني فهو العتق من العبودية ففي لسان العرب: حر العبد يحر حرارة «بالفتح» أي صار حرًا ، فهو أشبه بالتصحيح مستدلاً بماجاء في تاج العروس للزبيدي وغيره من المعاجم من أن تحرير الكتاب وغيره تقويمه ويرى الفريق الثاني الذي يمثله اللغوي الأديب أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري أن استخدام التحرير بدل الكتابة جائز على سبيل التوسع وعلى سبيل الشيوع أيضًا من وجهة نظره فاللغة كائن حي متطور، لأن الحديث الشفوي يتم - غالبًا - دون طول تأمل أو تفكير فهو عفوي تمليه الحاجة الراهنة وتقتضيه متطلبات اللحظة، ولغة الكتاب تختلف عن لغة التعبير اليومي فتختفي فيها مظاهر الارتجال والسرعة، وقد واكبت نضج العقل الإنساني وارتقاء إدراكه وتكامل مفاهيمه. ودلالات الألفاظ والصيغ في متنها قاطعة باترة لا تحتمل التأويل. وكتابة إبداعية فنية : تحتاج إلى قدرات فطرية مركوزة في النفس وقارة في الوجدان، كالمعامل الصوتية بأجهزتها المختلفة واتقان هذه العلوم وما يتصل بها من وعي تام بأشكال الكتابة ورسومها يعتبر من المبادئ الأساسية للكتابة، وكتابة القصة بأنواعها تحتاج - بالإضافة إلى الموهبة الفطرية الخاصة - إلى الإلمام بقواعد القصة وأصولها وأساليبها وكذلك المسرحية وغيرها . هذا هو المقوم الرئيس في فن الكتابة وبدونه لا تستقيم ولا تجود ثانيا - التمرس بالأساليب الأدبية الرفيعة لا يتأتى هذا الشرط إلا بالمطالعة الغزيرة الواعية للكتب الأدبية المشهورة، فالأقمار الصناعية العالمية سوف تتمكن في وقت قريب من غزو بيوتنا بما تحمله من برامج معدة لبيئة غير بيئتنا، ومع هذا فإن الوعي بشخصيتنا الأساسية المتميزة - وقبل ذلك وبعده - بمعتقداتنا الراسخة وفهم واقعنا وإدراك جوهره لسوف يعصمنا من ضلالات المضلين وفساد المفسدين إن شاء الله. كذلك فإن علين أن نعي مايدور حولنا من أحداث في مختلف المجالات وأن تكون آفاقنا متسع رحبة تستوعب ذلك كله، فالكتابة في موضوع إجتماعي - مثلاً - يتطلب معرفة بأنماط العيش في مختلف المجتمعات وقد أشار الكتاب والفقهاء المسلمون إلى ألوان الثقافة المتعددة التي يدخل بعضها في باب فرض العين وبعضها الآخر فرض كفاية، ويدخل في ذلك تعلم الفقه المحتاج إليه كفقه الطهارة والصلاة والزكاة لمن يملك نصابًا، والصوم والحج لمن قدر عليه والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في الزواج، وقد أسفر الدرس العلمي عن تصنيف تعريفات الثقافة إلي سبعة أقسام: منها التعريفات الوصفية التي ترى أن الثقافة تشمل المعلومات والمعتقدات، فالثقافة تشمل الممارسات والمعتقدات المتوارثة اجتماعيًا والتي تحدد جوهر حياة الأمة وفقًا لهذا اللون من ألوان التعريف. وعلى أنها أداة لحل المشكلات وإبراز عنصر التعلم الإنساني باعتبار أن الظاهرة الثقافية تحوي كل أنشطة الإنسان التي يكتسبها عن طريق التعلم. فيصفها بأنها نتاج التفاعل الإنساني وأنها الأبنية العقلية التي يكتسبها الفرد من محيطه ويتطور بها عبر مراحل حياته. أما المنظور الشامل للثقافة فيتجاوز هذه الجوانب الجزئية لينظر إلى الثقافة على أنها ظاهرة تاريخية تتضمن المنجزات في مجال العلم والفن والأدب والفلسفة والأخلاق والتربية. وما إلى ذلك ونحن نرى أن كل معالجة كتابية لموضوع معين تقتضي قدراً من الثقافة المتخصصة، فضياء الدين ابن الأثير يقول: إن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون حتى أنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس. إلخ فالكتابة عن ظاهرة أدبية معينة ية تضي إلمامًا خاصا بالأدب ومقوماته، وفي ضوئه تم تنظيم الحقوق والواجبات للأفراد والجماعات يعتبر أمراً مهمًا لمن يكتب في هذا المجال، رابعًا: تكوين قاعدة فكرية خاصة بالموضوع الذي يراد الكتابة فيه لم يعد مفهوم التحرير قائمًا على مجرد الصياغة الإنشائية اللفظية، وعلى سبيل المثال فإنه إذا أردنا الكتابة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة نعود أولاً إلي المصادر الأساسية والمراجع الهامة على النحو التالي: 1. 2. تفسير الآيات في كتب التفسير المعتمدة. 3. كتب السيرة النبوية المعروفة «سيرة ابن هشام» مثلاً أو ((السيرة النبوية» لأبي الحسن الندوي وكتب فقه السيرة ككتاب عماد الدين خليل في هذا الموضوع والموسوم ب «فقه السيرة» أو كتاب الشيخ محمد الغزالي المشهور، وعبقريات العقاد خصوصًا «عبقرية محمد » و «عبقرية الصديق» و «عبقرية عمر» ولا بأس من مراجعة « في منزل الوحي» لمحمد حسين هيكل، وتلك التي تتغنى بهجرة الرسول بيع على وجه الخصوص فذلك أمر جيد. وإذا كانت الكتابة جدلية أو وصفية أو تدور حول قضية من القضايا الخلافية أو كانت إبداعية تستلزم قدراً من معاناة التجربة والتعبير عنها فإن الأمر يختلف بعض الشيء، ففي الموضوعات الجدلية التي تستثير اهتمام قطاعات عريضة من الرأي العام يصبح الاحتكاك المباشر بالمجتمع والتعرف على وجهات النظر المتباينة فيه أمراً ضروريًا بالإضافة إلى معرفة ماكتب عنه ورأي الشرع فيه، وفي الموضوعات الوصفية المحضة يستلزم الأمر مشاهدة حسية لما يراد وصفه ومعاناة عملية إذا كان الموصوف نسقًا من السلوك أو تجربة إنسانية خاصة، وقد تعرّض عبدالحميد الكاتب (في رسالته الشهيرة إلي الكتاب) إلى القواعد السلوكية والصفات الثقافية والفكرية التي ينبغي أن تتوفر في الكاتب وكذلك أبو هلال العسكري في الصناعتين، ومن هذه التفاسير: تفسير الطبري وابن كثير والزمخشري (وفي ظلال القرآن) الذي لا يعتبره البعض تفسيراً وإنما هو أقرب إلى النظرات المتأملة في كتاب الله بأسلوب مشرق العبارة، وأن تكون قراءتها حذرة متمعنة متيقظة لأنها تتصل بأشرف كتاب على وجه البسيطة هو كتاب الله عز وجل. وتناول الإيمان بالله والنبوة والوحي وخصائص الرسالة المحمدية والحق والحرية والمساواة والعدل، وقد سجل في نهاية الكتاب كشفًا طويلاً بمصادر الثقافة الإسلامية لعدد كبير من علماء الإسلام ينصح بمراجعته والاطلاع على هذه المصادر لاختيار أهمها والعكوف على قراءتها والاستفادة منها. ومن يعد نفسه للكنابة أن يطلع عليها ويحفظ بعض ماجاء فيها من نماذج شعرية رائعة: أولاً- المعلقات: وهي تحتوي عل سبع قصائد لفحول شعراء العصر الجاهلي، وتتضمن المفضليات مائة وثلاثين قصيدة وفقًا لتحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون تزيد أحبانًا، وتضم اثنتين وتسعين قصيدة ومقطوعة لواحد وسبعين شاعراً من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، رابعًا - جمهرة أشعار العرب: لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي «المتوفى سنة ١٧٠ه» قسم القرشي مختاراته إلى سبعة أقسام متدرجا بها مع طبقات الشعراء، في مطبعة بولاق بمصر سنة ١٣١١ه وحققها على البجاوي وطبعها عام ١٩٦٧م. التجديد في العصر العباسي) : وقد عمد إلي اختيار الشعر الذي يروقه دون اعتبار لشهرة صاحبه، وفيه يتحدث عن الحرب والسؤود والعلم والزهد والإخوان. وكتاب «أدب الكاتب» لابن قتيبة أيضًا حافل بمختلف المعارف. 4- كتاب «الكامل» لأبي العباس المبرد فهو يحتوي على ألوان من الثقافة وأبواب من الأدب واللغة، ومن كتب الأدب واللغة كتب أبي العباس ثعلب: «قواعد الشعر» و«معاني القرآن» و«المجالس» وغيرها ولكن أشهر هذه الكتب «الفصيح». ومن الكتب أيضًا ماصنفه المرزياني في الأدب والتاريخ والنوادر والثقافة بصفة عامة، ويتناول فيه الشعر والخطابة والنثر والعلم والأدب وقد قسم الكتاب إلى خمسة وعشرين كتابًا ، يحمل كل منها اسم درة من درر عقد الجيد كالياقوته، 6- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: وهو أوسع كتب الأدب العربي شهرة وأوفرها حظًا من حيث الشيوع والانتشار، فقد جمع الأصوات المائة التي اختارها المغنون للرشيد، وقد حاول بعض الكتاب تهذيبه واختصاره وأبرز هذه المختصرات كتاب « تهذيب الأغاني للشيخ محمد الخضري». كثعلب واليزيدي والقالي وأبي حيّان التوحيدي والشريف المرتضى وابن الشجري، وكتب الموسوعات العربية لابن منظور والنويري في كتابة «نهاية الأرب) والقلقشندي في «صبح الأعشى»، ولكنها في مجملها من أفضل الكتب وأحفلها بالثقافة اللغوية والأدبية العامة والحذر مطلوب في كتب الأدب جميعها. ولكن تخيرُ الوقت المناسب الذي يشعر فيه الكاتب بالراحة الجسدية والنفسية والفكرية مبدأ هام يكاد بجمع عليه الباحثون والكتاب من الشرق والغرب، وربما كان أنسب الأوقات الصباح الباكر بعد الفجر لمن اعتاد على النوم مبكراً فأخذ قسطًا من الراحة. وقد وضع أحد علمائنا من السلف قواعد هامة في هذا المجال في صحيفة مشهورة هي صحيفة بشر بن المعتمر، ويقرر ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة فى الفصل الذي عقده لعمل الشعر وشحذ القريحة أنه لابد للشاعر وإن كان فحلاً، مبّرزاً من فترة تعرض له إما لشغل يسير أو موت قريحة أو نُبوَ طبع في تلك الساعة أو ذلك الحين. أما الكتابة الإجرائية فلا يمكن التحكم في وقت مخصوص لها. لأنها عمل وظيفي تدفع إليها الظروف في أي وقت من الأوقات، ولا تحريض لملكة الكتابة لأنها تسير وفق قواعد مقررة،