‎ الآخَرُ» هاجسًا لدى المثقف العربي مُنذُ تَبَلْوَرَت فِكرة الاتصال بهذا «الآخَرِ» حينَ تَرْجَمَ العرب ثقافة ومعرفة اليونان والقدماء في عهد الخليفة العباسي المأمون، ودخل المثقف العربي في جدية التعامل مع هذا الآخر قبولا ورفضا. أو غيرها من حالات الاحتقان في الفكر العربي. ‎فَحِينَ عَمَدَ العرب إلى ترجمة كُتب القدماء، وحينَ تَوَاصَلوا معهم على خطوط التماس» من فارس إلى الأندلس، كان المثقف العربي يستند إلى ثقافة صَلْبَةٍ خارقة للآخر، أو مخترقة، وهكذا، فإن هاجس الخوف من الآخر لم يكن يتردد في مخيلة المثقف العربي، إذ تحدث تيار من الفقهاء وعلماء العقيدة وغيرهم عن أثر إفساد هذا التواصل المعتقدات بعض المسلمين، فجاءت المثاقفة لتوجد حالةً من الضعف الاعتقادي لدى هؤلاء. أما البنية الأساسية للمجتمع العربي المسلم فلم تكن مُتَعرِّضةً بمجملها لمثل هذا التأثيرِ، بَلْ تلقت ما لدى الآخَرِ تَلقَّي المُسْتَوْعْبِ والمحول لما استوعبه إلى جزء من بنية العقل العربي والثقافة العربية، فكانت تلك المرحلة من الثقافة العربية قادرة على ‎هَضْم» المعارف والفنون والآداب التي يُبدِعُها الآخر، ‎العربية. إذ لم تَعُدْ تِلكَ الحالة إلا موروثا تاريخيا أو ثقافيًا يَهْرُبُ له المثقف كلما شده الحنين للبحث عن بطولات تُعيد له ثقته بنفسه، عسكرية أم ثقافية. ولقد كرست هذه الحال روحًا من «الماضوية» لدى كثير من المثقفين العرب، بل تكتفي أحيانًا بأمثلة عن «الماضي المجيد» لحالات من الحراك الثقافي في بيروت والقاهرة وبغداد وغيرها من حواضر العرب قبل سنوات قريبة. ‎إن هذه الحالة ألقت بكلكلها على المثقف العربي وهو ينطلق ليتحاور مع الآخر، خاصةً حين تجلد سياط الواقع العربي جسد المثقف وهي تقرنه بما عليه الآخرُ الشبيه. إذْ يَحلو لكثير من العرب مقارنة الحالة العربية بِمُجْمَلِها بالحالة اليابانية أو الصينية، بل يُبالغ بعضُهم حين يذهب لمقارنة المثقف العربي بما عليه المثقف الغربي مع الفارق الكبير بين الاثنين في أكثر من مساحة، سواء في مجال الحريات العامة أو الدور المؤمل لكل منهما، أو لقدرة المثقف على أداء دورِهِ. بينما تتسع وتتضخم في حالة المثقف الغربي، وهي حالة شبهها أحد الكتاب العرب بقوله «في الغرب الإنسانُ تَقْتُلُهُ الحرية، وقد عالج كثير من الباحثين هذه الحالة مُعالجة موضوعية يمكن من خلالها معذرة المثقف العربي وإنصافه حين يتقدَّمُ ‎تجاه الآخر. فَحِينَ اندفع بعضُهم إلى الذات يحميها ويُحصنها، وتذكر مقولة ابن خلدون عن تبعية المَغْلُوب للغالب، فخشي على نفسه وذاته من أن يكون المغلوب التابع، خاصةً أَنَّهُ لا يستطيع أن يكون الغالب المتبوع، ‎المصطلحات، لِيُصبح نُسخةً مكرّرةً منه، ولم يستطع كذلك أن يسبق الآخر في عطائه؛ وليس في حاجة إلى بدائل لا تُحسن التعبير عن ذاتها فكيف بالتعبير عن ثقافتِهِ، ولكن وكلاء لتوزيع الفكر الغربي». وإذا كان التيار الأوّلُ قد تحصَّنَ بالذَّاتِ خوفًا من أن يُصاب بـــ «لعنة» ابن خلدون، ولم ينج من هؤلاء إلا عصبة قليلة، فَقَبِلَهُم ذلك الآخَرَ ؛ إذْ يُحاول رغم محدودية دورِهِ أَن يخترق حاجز عجز التفاعل وحاجز التفاعل العاجز، ولعل مثل هذا التَّيَارِ هُوَ الأَقدَرُ على التعامل مع الآخرِ، إِذْ يستطيع أن يُبرز ذاتِهِ ويُقدّم إضافته الثقافية، كما يستطيعُ أَن يَسْتَوْعِبُ الآخَرَ، وَيَتَعَامَلَ معه تعاملا إيجابيا غير رافض لكلِّ ما عند ذلك الآخر، والدَّوْرُ المُؤمَّلِ لهذا التَّيَارِ هُوَ الانتقال بالحالة الثقافية العربية من قيود المتعلقين وانفِلاتِ التَّبَعِيين، ليُضِيف إبداعًا ثقافيًا عربيًا يَرْسُمُ مَلامِحَ الصُّورَةِ الثقافية الإنساني بِمُجْمَلِهِ دون خَوْفٍ من انهزامية أو الإنسانية المتكاملة، فلم تكن هناك ثقافة عالمية واحدة،