على ضوء هذه المقدمة العامة سننظر في المعاجم العربية لترى كيف جمعت لغتها وكيف رتبت كلماتها وكيف أوضحت معانيها . وأول من ألف معجماً شاملاً هو الخليل بن احمد الذي عاش في القرن الثاني الهجري ) ۱۰۰ - ۱۱۵ ) وألف معجم العين وتتابع بعده تأليف المعاجم الى العصر الحاضر وألف ابن دريد المتوفى سنة ٢٣١ معجم الجمهرة . وألف ابو علي القالي المتوفى سنة ٣٥٦ هـ معجم البارع . ابو منصور الأزهى المتوفى سنة ٣٧٠ هـ معجم التهذيب وألف الصاحب بن عباد المتوفى سنة ٣٨٥ هـ معجم المحيط ، وألف ابن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ هـ معجمين هما مقاييس اللغة والمجمل . وألف الجوهري المتوفى حوالى سنة ٤٠٠ هـ معجم الصحاح وألف ابن سيدة الاندلسي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ معجم المحكم كما ألف ( المخصص وألف الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ هـ معجم أساس البلاغة وألف الصاغاني المتوفى سنة ٦٥٠ هـ معجم العباب وألف ابن منظور المتوفى سنة ۷۱۱ هـ معجم لسان العرب. وألف بطرس البستاني سنة ۱۲۸۳ هـ معجم المحيط ، وألف الشرتوني سنة ۱۹۰۷ هـ معجم أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد. وألف الأب لويس المعلوف حوالى سنة ١٣٢٦ هـ (۱۹۰۸ (م) معجم المنجد . و معجم الذي ظهر بالألمانية سنة ١٩٥٢ م بعنوان Milton Cowan بعنوان ولسنا نقصد بهذه القائمة احصاء A Dictionary of Modern written Arabic دقيقاً للمعاجم التي ظهرت في اللغة العربية فهناك معاجم أخرى لم نذكرها ولكننا نقصد وضع صورة لتلاحق تأليف المعاجم في العربية منذ عهد بعيد فالخليل بن احمد عاش في القرن الثامن الميلادي وإذا أردنا أن نقارن تاريخ المعاجم في العربية بمعاجم لغة كالانجليزية مثلا ، وجدنا الاصطلاح معجم لم يظهر في احدى صيغه اللاتينية ( dictionarius ) إلا في سنة ١٢٢٥ ميلادية أي بعد خمسة قرون من ظهور معجم العين ، وبعد هذه القرون الخمسة استعملت الكلمة ، التقليد في تصنيف المعاجم العربية : وهي أن المتأخرين اعتمدوا على السابقين لهم عامة إلى حد بعيد ، ولكن الروح العامة كانت روح التقليد . وحاول أن يرتب الألفاظ فيه بطريقة مختلفة لاعتقاده أن ترتيب العين كان صعباً على الدارسين اعترف بالتبعية له فقال عنه ، وعندما أراد أحد علماء اللغة في عصره وهو نفطويه ، أن يهجوه لمنافرة بينها أثبت عليه أن كتاب الجمهرة معتمد على كتاب العين قال ابن دريد بقرة وفيه عي واشراه يدعي من حمقه وضع كتاب الجمهرة وهو كتاب العين إلا أنه قد غير ويصرح ابن فارس بالأخذ عن كتب السابقين والاعتماد عليها وعلى خمسة منها بالذات هي كتاب العين للخليل ، وغريب الحديث ، وراجع إليها (4) ، ولكنه يزيد عليها كثيراً ، وجميع (ما فيه موجود في التهذيب ، إلا بعض الشواهد التي يأتي بها من عنده يأتي بعد ذلك العباب ( وخلاصة القول في العباب أنه حوى في مواده معظم ما أنت به المعاجم التي قبله ، بل كل ما فيها عدا النادر التافه ، فلا فرق بينه وبين التهذيب أكبر المعاجم التي قبله إلا في إكثار هذا من أقوال اللغويين المختلفين في اللفظ الواحد ومعانيه (۳) ) . فبعد أن يذكر التهذيب للازهري ، والمحكم لابن سيده ، والنهاية في غريب الحديث لابن الاثير الجزري يقول في مقدمته ، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ، وطالب العلم منهوم . فعهدته على المصنف الأول ، ولم أبدل منه شيئاً ، فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه ويذكر مجد الدين الفيروز بادي صاحب القاموس المحيط في مقدمته أن كتابه و صريح ألفي مصنف من الكتب الفاخرة ، أما العين فالأرجح أنه استقى منه عن طريق غير مباشر . (٣) . وهذا النص ولو أنه أساساً عن القاموس المحيط فإنه تعبير واضح عن مقدار اعتماد المعاجم العربية لاحقها على سابقها حتى إنها لتنقل نصاً في كثير من الأحيان . أما أغلب ما جاء بعد القاموس المحيط فهو متعلق به يجعله أساساً ويدور حوله فتاج العروس للزبيدي يشرح ألفاظ القاموس وقد سماه صاحبه و تاج العروس في جواهر القاموس ، ومنهم من تقيد بسائر الكتاب وغرد على أفنائه طائره المستطاب ، ومنهم المستدرك لما فات والمعترض عليه بالتعرض لما لم يأت ، فلما آنست من تناهي فاقة الأفاضل إلى استكشاف غوامضه والغوص على مشكلاته . في وضع شرح عليه ممزوج العبارة ، ه ومثل هذا المعيار للشيرازي وفي حقيقة الأمر أننا إذا عارضنا المعيار بالقاموس وجدنا الأول نسخة منقحة مزيدة من الثاني . ) (۳) وتابع لهذا بلا شك قطر المحيط للمؤلف نفسه وقد رجع الشرتوني في تأليفه المعجمه ( أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد ) إلى معاجم كثيرة ولكن المرجع الرئيسي كان القاموس المحيط. ولقد ظهر اعتماد اللاحقين على معاجم السابقين واختصارها منذ بداية التأليف في الموضوع فقد ألف ابو بكر محمد بن الحسن الزبيدي كتابين عن العين أولهما استدراك الخطأ الواقع في كتاب العين (۱) ( وممن ألف أيضاً الاستدراك على العين ابو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم ، (۲) وألف الزبيدي سالف الذكر مختصراً للعين كذلك ، وقد لهجم الناس كثيراً بمختصر العين للزبيدي فاستعملوه وفضلوه على كتاب العين ، والحروف المصمغة ، وهكذا نرى أن التقليد في المعاجم العربية كان سنة متبعة ولكن لا شك أنه كان هناك تميز ظهر في أكثر من ناحية فكل لاحق أراد أن يضيف شيئاً إلى ما عمله السابقون ، ولكي نوضح هذا التميز سنختار ثلاثة من المعاجم العربية المعروفة لنعرض لها في شيء من التفصيل: الأول : أساس البلاغة للزمخشري الثاني : لسان العرب لابن منظور التميز يظهر أولاً فيما عقد العزم على اختياره من اللغة. ١ أولاً : اللغة التي أخذت منها المعاجم تتراوج اللغة التي أخذتها المعاجم بين الاحصاء التام لكل مواد اللغة العربية وبين الاختيار منها ؛ وربما كان من الخير هنا أن نوضح معنى هذه الألفاظ الفنية التي أوردناها والأساس في التفريق بينها هو استعمال العرب لها فالفصيح : ما كثر استعماله في ألسنة العرب الموثوق بتربيتهم والوحشي : ما نفر عنه السمع ، فلا يغيب عنه منها شيء ، وجاء بعده ابن دريد فلم يرد أن يجمع على حد سواء كل اللغة ، قال في مقدمته : ( وإنما اعرناه هذا الاسم لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب وأرجأنا الوحشي والمستنكر ، وكان ارجاؤه للوحشي والمستنكر أنه جعله ملحقاً بأبواب كتابه ، لكل باب ملحق ، وبذلك جعل الأهمية الكبرى لما هو صحيح مستعمل عند أكثر الناس وأسماء المعاجم التي جاءت بعد ذلك توحي بأن الخليل وابن دريد قد ضمنا معجميها كثيراً من الألفاظ الغريبة ، والدليل على ذلك ما جاء بعدهما من معاجم اتخذت أسماء توحي بالحرص على تنقية اللغة من الغريب والحوشي ، وقد أخذ الأزهري لمعجمه ما صح من لغة ٤) العمدة لابن رشيق ج ۲ ص ٢٦٥ ط الثالثة يناير ١٩٦٤ . ۳) تصدير مقدمة تهذيب اللغة للأزهري ص ۱۲ دراسة وتحقيق للاستاذ احمد عبد الغفور ۳۳ العرب قال : ( وقد سميت كتابي هذا و تهذيب اللغة ، والغريب الذي لم يسنده الثقات العرب ) ، (۱) ورغم أن نص الأزهري يوحي بأنه قد اختار الصحيح فقط من اللغة ، لا يمكن اعتباره صحيحاً عند كل العلماء ، وأوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب ) . ولم نأل في اجتباء المشهور الدال على غرر ، أو شعر ؛ أو من كتاب لا يشك في صحة نسبه ، بمستنكر الاقاويل ، وبنيات الطرق ؛ فقد كانا متعاصرين ، وعلى الاعتبار الذي أسلفناه من أنه ربما اعتبر التهذيب للأزهري محتوياً بعض الغريب ، وفاة الجوهر مقدمة الصحاح التي ألفها الاستاذ احمد عبد الغفور العطار ط القاهرة سنة ١٩٥٦ م، وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها ، (۱) والجوهري قد شافه العرب كما صنع الأزهري وهو يصرح بذلك في مقدمة الصحاح إذ يقول عن اللغة التي اختار الصحيح منها وألف معجمه و بعد تحصيلها بالعراق رواية ، واتقانها دراية ، ننتقل إلى معجم أساس البلاغة للزمخشري ، ولكنه خطا خطوة بعد ذلك فتخير ما وقع في عبارات المبدعين ، من التراكيب التي تملح وتحسن ، لجريها على رسلات الأسلات مع الاستكثار من نوابغ الكلم الهادية إلى مراشد حر المنطق الدالة على ضالة المنطيق المفلق ) (۲) ، ومتناظمة لا طرائق قددا (۳) ) . هذا إلى جانب اثباته للاستعمالات المجازية مما سنتحدث عنه فيما بعد. قال في مقدمته عن كتابه : ( جمع من اللغات والشواهد والأدلة ، وبكلمة سمعها من العرب شفاها ، ولا أقول تعاظم عن نقله بل أقول استغنى بما فيه ، فسارت الفوائد في كتبهم مفرقة ، وسارت أنجم الفضائل من أفلاكها هذه مغربة ، وهذه مشرقة ، فانتظم شمل هذه الأصول كلها في هذا المجموع ، فجاء بحمد الله وفق البغية وفوق المنية . وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير فطالب العلم منهوم . فمن وقف فيه على صواب أو زلل ، الجامع بين المحكم والعباب ، وأضفت إليهما زيادات امتلأ بها الوطاب . وسئلت تقديم كتاب وجيز على ذلك النظام . وألفت هذا الكتاب ، محذوف الشواهد ، والشوارد ، مطروح الزوائد معرباً عن الفصح والشوارد (۲). أما المعجم الوسيط فلا يعترف بانقطاع سلامة اللغة العربية عند عصر معين ، ولا مكان معين ويثبت ( ما وضع المولدون والمحدثون في الأقطار العربية من الكلمات والمصطلحات والتراكيب ، قد وقفت عند حدود معينة من المكان والزمان لا تتعداها ، فالحدود المكانية شبه جزيرة العرب ، والحدود الزمانية آخر المئة الثانية من الهجرة العرب الأمصار، وآخر المئة الرابعة الأعراب البوادي . ومعظم هذه المعاجم قد تصونت عن إثبات ما وضع المولدون والمحدثون في الأقطار العربية من الكلمات والمصطلحات والتراكيب حتى قر في نفوس الدارسين أن اللغة قد كملت في عهد الرواية ، واستقرت في بطون هذه المعاجم. كذلك أغفلت ( اللجنة التي وضعت المعجم ) بعض المترادفات التي تنشأ عن اختلاف اللهجات ؛ ورعس ورعث .