تزامنت خطابات قادة المؤتمر الشعبي العام في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيسه مع حديث متزايد عن لحظة يمنية مختلفة، وكأن كلمات سلطان البركاني وأحمد عبيد بن دغر وأحمد علي عبدالله صالح لم تكن مجرد خطابات مناسبة، وإنما قراءات لما يعتقدون أنه يقترب: لحظة تحول تستوجب طي خصومات الماضي، واستعادة الدولة والجمهورية والقرار الوطني، ودعم كل جهد يستهدف استعادة الدولة، وأنها معركة وطن يريد استعادة دولته من مشروع إمامي يسعى إلى إعادة تشكيل اليمن وفق منطق الكهنوت والغلبة. وبن دغر ذهب في الاتجاه ذاته، وربط ذلك بهزيمة الحوثيين واستعادة الدولة، داعياً إلى تعميق تحالف المواجهة ومساندة الشرعية. فكان خطابه ـ في تقديري ـ أكثر دلالة من مجرد الدعوة إلى توحيد الصف؛ فقد تحدث صراحة عن استعادة الدولة والقرار الوطني، ودعا مجلس القيادة والحكومة ومؤسسات الدولة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، والعودة إلى الداخل وتحمل المسؤولية بين الناس، مؤكداً أن الطريق إلى صنعاء لا يمر عبر اقتتال القوى المناهضة للانقلاب أو تصفية الحسابات، هدفها استعادة الدولة والنظام الجمهوري وإنهاء الانقلاب. ولفتني في موقف أحمد علي تحديداً أنه ينتقد أداء الشرعية من موقع الاعتراف بها، فهو يطالبها بالأداء الأفضل، وتوحيد القرار والمؤسسات وتحمل المسؤولية، فمن يعترف بالشرعية ثم ينتقد أداءها، ويدعو إلى دعمها وتوحيد الصف حولها واستعادة الدولة، ما قد يكون تمهيداً لعودة محتملة؛ إذ لا يمكن لمن يريد قيادة جبهة وطنية عريضة واستعادة الجمهورية أن يظل طويلاً صوتاً من الخارج. وهنا تكتسب كلمات الثلاثة الكبار في المؤتمر دلالتها الأهم؛ فالبركاني يتحدث من موقع رئاسة مجلس النواب وقيادة المؤتمر، وأحمد علي من موقع قيادي في المؤتمر، ومع اختلاف مواقعهم تلتقي رسائلهم عند عناوين تكاد تكون واحدة: تجاوز الخلاف، واستعادة الدولة والجمهورية وصولاً إلى صنعاء. قراءة مشتركة بأن المشهد اليمني دخل مرحلة مختلفة، وأن المطلوب من القوى الوطنية ألا تبقى أسيرة حسابات المرحلة السابقة، بل أن تستعد لما تفرضه المرحلة المقبلة وما بعدها. لكن الأخطر في المشهد ليس ما قيل عن لحظة الحسم، بل ما يُراد أن يكون عليه اليوم التالي! في الجهة الأخرى، لكن ما أورده ـ إن صح ـ يتجاوز بكثير حدود الرأي والتحليل؛ رؤية الحوثيين للحل السياسي الشامل في اليمن». ولا حتى شراكة تحفظ لهم نفوذاً؛ والميليشيات تتحول إلى «حرس للثورة» يتبع الزعيم مباشرة ويأتمر بأمره، على غرار الحرس الثوري الإيراني، لكن القرار الحقيقي يبقى خارج كل ذلك: عند زعيم الثورة، إذا صح هذا الطرح، فنحن لا نتحدث عن خلاف على حكومة أو حقائب أو ترتيبات انتقالية، وإنما عن إعادة تعريف للدولة نفسها: مرجعية فوق مؤسساتها، وزعيم فوق رئيسها، وسلاح فوق جيشها، وجماعة فوق مؤسساتها، وأيديولوجيا فوق دستورها. وتحتل عاصمتها، وأن تحتفظ بقوة عسكرية فوق الجيش، ثم يُطلب من اليمنيين أن يناقشوا ذلك كأنه مجرد بند تفاوضي؟ أي انقلاب هذا الذي يريد أن يتحول إلى دولة، وأي تسوية تلك التي تمنح الانقلاب حق إعادة صياغة الدولة على صورته؟ وهل لا يخجل الحوثي أن يعرض على اليمنيين، أو على من يفاوضهم باسم اليمن، بعد كل ما فعله بالدولة والجمهورية، ومرجعية فوق الدستور، ثم يريد من اليمنيين أن يناقشوا ذلك وكأنه مجرد خيار سياسي؟ لقد سقطت الأقنعة هنا؛ فهذه الرؤية، كما عرضها العريشي، فالطرف الذي لا يعترف بها، لا باعتبارها عرضاً مقدماً للشرعية، وإنما باعتبارها تصور الحوثيين لما يريدونه من التسوية ومن شكل اليمن القادم. لأننا لا نتحدث عن ورقة تفاوضية بين يمنيين، وإنما عن مشروع تحاول جماعة انقلابية أن تضع شروطه أمام دولة إقليمية معنية بالملف، والأشد خطورة أن كثيراً ممن يقاتلون اليوم في صفوف الحوثيين من أبناء اليمن قد لا يدركون أن ما يُطلب منهم الدفاع عنه يقود، فقد جرى استدراج كثيرين بشعارات دينية ووطنية براقة، بينما يبقى جوهر المشروع بعيداً عن وعي كثير من المغرر بهم. ولذلك فإن كشف هذه الرؤية لا ينبغي أن يكون موجهاً إلى خصوم الحوثي وحدهم، أما ما أورده العريشي عن أن المملكة لم تعلق على هذه الرؤية بالموافقة أو الرفض، وأنها ستترك لليمنيين تقرير مستقبلهم، فأنا لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة، من المبادرة الخليجية إلى قرارات الشرعية الدولية، فضلاً عن مقتضيات أمن المملكة القومي، تجعل افتراض قبولها بإعادة إنتاج المشروع الحوثي، ولو في صورة تسوية سياسية، أمراً يصعب تصوره. فالمملكة لم تتدخل دعماً للشرعية لكي تمنح الانقلاب فرصة التحول إلى صيغة دستورية، ثم تكون المملكة في المقابل مستعدة لقبولها، ليس كل ما لا يُعلن يُفهم منه القبول، كما أن الصمت لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل. أما القول بأن «اليمنيين وحدهم يقررون» فيحتاج قبل ذلك إلى شرط لا يمكن القفز عليه: أن يكون اليمنيون أحراراً في الاختيار. وأُخضع قسم منه لسلطة السلاح والقمع والحصار، ولا تتحول نتائج الانقلاب إلى شرعية لمجرد أن يُطلب من الضحية أن يصوّت على شكل القيد الذي سيُوضع في يده. أما الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، فإذا عُرض عليهما مثل هذا الأمر، فهما ليسا مفوضين بتسليم اليمن لمشروع الانقلاب، ولا السلاح، وإنما إنذار ينبغي أن يوقظ كل يمني وكل قوة وطنية قبل فوات الأوان. على الجميع أن ينهض، وأن يصطف، حتى لو خرج من صنعاء ببدلة سياسية وربطة عنق، بل أن نستعيد السلطة الحقيقية للدولة فوق كل جماعة وسلاح ومرجعية. وإن استعدنا العاصمة ولم نستعد الجمهورية، لم ننهِ الانقلاب؛ وإن استعدنا المؤسسات وتركنا فوقها مرجعية مسلحة، لذلك فإن الاصطفاف المطلوب اليوم ليس اصطفافاً لحزب ضد حزب، رشاد العليمي رئيس في جمهورية يمنية، والمرجعية فيها للشعب والدستور، والسلاح للدولة، مهما تغيرت عناوين التسوية أو طال أمد الانقلاب، لا يملك حقاً تاريخياً أو دينياً أو ثورياً يجعله فوق اليمنيين، ومكانه، بعد استعادة الدولة،