أشار المؤلف المسرحي يوجين يونسكو ذات مرة: "ليست الإجابة ما يُنير العقول، ففي السؤال إقرار أن مستقبلنا هو ما ستصنع أيدينا. وينتج لنا الذكاء الاصطناعي برمجيات ومحتوى متنوع. في كل مكان وفي الوقت نفسه. من المغري الافتراض أن التقدم أمر مفروغ منه، ننبهر بعلاجات تعِدُنا بالعيش الأزلي، نتابع مدراء تنفيذين وهم يستعرضون عضلاتهم، في حين يُكافح ملايين الفقراء من أجل البقاء. وفي نفس الوقت، فنجدها تحدق بنا من كل صوب: أزمة أخرى، ونصف سكان العالم عرضة لخطر اضطرابات الصحة العقلية. حيث يحذرنا العديدون ممن شاركوا في تطوير الذكاء الاصطناعي من أنه قد يقضي علينا جميعاً. ليس غريباً أن نشعر وكأن العالم فقد توازنه. أصبنا في الكثير من الأمور، إذ تشير بيانات التنمية إلى تحسن في مؤشرات الصحة والتعليم والحريات ومكافحة الفقر. لكن توازي ذلك حقيقة أخرى بذات الأهمية: التقدم ليس حتمياً ولا يحدث تلقائياً. لكني لا أظن أن الكثيرون يدركون أن كل قرار نتخذه أو حتى لا نتخذه اليوم سيحدد أين سينتهي بنا المطاف غداً. نمتلك ما يلزم. ولدينا الكثير من الحلول، ما ينقصنا ليس الموهبة أو التكنولوجيا… بل تنقصنا الإرادة السياسية. اليوم أود أن أقدم لكم ثلاث طرق لقلب الموازين فيما يخص أبجديات القيادة. أقوم بهذا الدور منذ 25 عاماً. قابلت خلالها عدد لا يحصى من القادة، وجلست مع أكثر الناس تأثيراً وأقلهم حيلة. أخذني عملي من منتديات دولية مثل هذا. هناك، بين أولئك الذين انقلبت حياتهم رأساً على عقب، لأنه في مخيمات اللجوء من الأردن إلى اليونان وبنغلادش، قابلت أشخاصاً لا يحوزون شيئاً لكنهم مع ذلك يشاركون كل ما يملكون. أشخاص اضُطهدوا من قبل عالم أناني، من خلال عملي، لا بل انقلبت. فإذا كان بإمكان قلة هم أكثر الناس ضعفاً في العالم التصرف بهذا القدر من القوة، كنت أعتقد أن أقوى القادة هم أصحاب القناعات الراسخة. الآن، كنت أعتقد أن القادة المؤثرين يقودون من الأمام فقط. الآن، أؤمن أن قدرتنا على اتّباع الآخرين توازي قدرتنا على القيادة أهمية. دعونا نبدأ بفكرة الشك. لكي ننجح في السنوات العشر القادمة، فأنا في نهاية المطاف أم. لكن من أكبر المخاطر التي نواجهها اليوم هو الانغماس في اليقين المطلق. من الشائع اعتبار الشك مؤشراً على الضعف، لكن الشعور الواهم بالأمان أسوأ. عندما لا نتقبل الآراء التي تتعارض مع أفكارنا، نلجأ لتحقير مؤيديها. فتزداد المسافات بيننا. ما يجعل من حل المشكلات أمراً شبه مستحيل. هذا العام، في استطلاع شمل 27 دولة، وأشار عدد أكبر منهم إلى أن قلة الاحترام المتبادل واللباقة اليوم هي الأسوأ حالة فيما شهدوه على الإطلاق. ومع ذلك، لعلكم تذكرون، على الفور، أخذت الأطراف المتنازعة مواقعها. وقام كل منهم بتقييم الأدلة بطريقة تتماشى مع قناعته. وكلنا معرضون لذلك. يجعل من السهل الاستنتاج أن الطرف الآخر ساذج ويفتقر للإنسانية والمنطق. لكن “التحيز للذات” ليس مناورة هجومية فقط. لا بل تكتيكاً دفاعياً أيضاً لتجنب المسؤولية المخيفة التي كنا سنتحملها. لأننا لو أسقطنا درع اليقين المطلق لواجهنا أسئلة مؤلمة. مثل: وكيف وقفنا متفرجين مكتوفي الأيدي؟ هل نحن حقاً حبيسي خنادق أفكارنا لدرجة لم تُمكننا من التحرك لإنقاذ طفل يغرق؟ قد يعتقد البعض أن اليقين هو دلالة على النزاهة الأخلاقية. لكن هل هو حقاً كذلك؟ لأن اليقين يمكن أن يؤدي إلى صدع أخلاقي – إلى قيم مشوهة تأخذ السفينة الغارقة دليلاً لإثبات وجهة نظرنا قبل اعتبارها كارثة إنسانية. عندما نسمح لقناعاتنا بتقسيم العالم إلى معسكرات، نحارب بعضنا البعض بدلاً من محاربة مشاكلنا. ففيما يتعلق بمسألة الهجرة، يمكننا قلب الموازين لتصبح فرصة لا مشكلة. ففي العديد من البلدان المتقدمة هناك فائض في الوظائف. ويشير أحد التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، ستواجه المملكة المتحدة وأوروبا فجوة قدرها 44 مليون عامل. سيصبح باستطاعتنا توليد منفعة متبادلة من خلال إنشاء برامج تعمل على التوفيق بين الوظائف الشاغرة والعمالة المؤهلة. علينا أن نكون منفتحين على التساؤل والشك. المكون التالي في خلق نوع جديد من القيادة هو أن نتعلم كيف نتبع الآخرين. أنا أتحدث عن نوع التبعية التي غذت الحركات الاجتماعية الكبرى في العالم: العمال السود الذين قاطعوا ركوب الباصات. أنا أتحدث عن الأشخاص الذين وقفوا في القاعة عندما لم يتبقى مقعداً فارغاً في القاعة. نحن على مسار لتجاوز هذا المستوى بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. لكن التغيير السياسي سيحدث فقط بالمشاركة الفاعلة من قبل الجميع. تخيلوا ما يمكننا تحقيقه، لو ساعد أشخاص مثلكم – قادة شركات ناشئة ومؤسسات فكر ورأي ورؤساء فرق عمل – في دعم الدور الذي يمكن أن يلعبه كل واحد منا ليس كقائد فقط، بل كجزء من أولئك الـ3, 5 بالمائة الذين يدفعون الحركة. إذا نظرنا "لحجم المشكلة التي نواجهها. إذا تمكنا من رؤية أنفسنا كجزء من شيء أكبر. أعتقد أنه سيمكننا تغيير مسار التاريخ. المكون الأخير للشكل الجديد للقيادة هو تبني منطق التعاطف. وهذا يتطلب التفكير بقلوبنا. في عام 2011، اندلعت الأحداث في سوريا. لجأ مئات الآلاف من السوريين إلى الأردن. كان أمام جلالة الملك عبدالله قراراً صعباً ليتخذه: هل نفتح حدود الأردن؟ بدءاً من مواردنا المحدودة إلى البطالة والاستقرار المجتمعي، قلبه قاد أفعاله، فعلى حد تعبيره: "هناك طفل جائع وأم يائسة على حدودنا. واحد من كل ثمانية أشخاص في بلدي الأردن هو لاجئ سوري. ولا يسعني إلا أن أكون أكثر فخراً بالكرم الذي أظهره رجال ونساء وطني. ونحن نتحدث الآن، تستقبل تشاد ودول أفريقية أخرى اللاجئين من السودان. لكنهم يفعلون الشيء الصحيح أيضاً. لكن خلال العام الماضي، زاد عدد الأشخاص النازحين قسراً على 110 مليون شخص. ولا تستطيع الدول المجاورة للنزاع أن تتحمل مسؤولية "فعل الشيء الصحيح" بالنيابة عن الجميع. منذ شهر تموز الماضي، خفض برنامج الأغذية العالمي الدعم للاجئين السوريين في الأردن – ليس لانتفاء الحاجة، في نفس الوقت الذي انخفض فيه دعم المانحين. تستضيف البلدان متدنية ومتوسطة الدخل 74% من النازحين في العالم. فبعد أربعة أشهر من الحرب هناك، تم تلبية أقل من 30 بالمائة من النداءات الموجهة للجهات المانحة، لذا قد يكون السؤال الآخر الذي يهم هذا الجمع هو: ما فائدة الذكاء الاصطناعي إن لم نتمكن من حشد التعاطف الإنساني الصادق؟ ولكي ننجح في السنوات العشر القادمة، ما زلت أؤمن أن تعاطفنا مع بعضنا البعض، واستعدادنا لرؤية أنفسنا كجزء من شيء أكبر، وإدراكنا أننا جميعاً نستحق عيشاً كريماً. كل ذلك هو ما يقود التقدم الذي نسعى له. إذا أردنا أن نقيم نظامنا الصحي، علينا ألا نغفل النظر إلى الرعاية التي نقدمها للمرضى. علينا أن نقيم دفاعنا عن المضطهدين.