المطلب الثالث: إن نظرية العقود الإدارية، ذلك أن العقود التي تبرمها الإدارة، وحسب السائد وقتها إلا عقوداً بين متعاقدين، بذات الشروط والأوصاف التي تشترط في العقود التي يتم إبرامها بين الأفراد العاديين وفي دائرة علاقات القانون الخاص، وذلك يدخل في العقود على اختلافها، مادام كانت الإدارة طرفاً فيه، وما كان منها بين أفراد عاديين، قامت هذه الثورة بإلغاء المحاكم التي كانت قائمة قبلها، أيا كانت، وبأي درجة ولأي سبب، في أعمال السلطة الإدارية (شق من السلطة التنفيذية)، والذي اعتبرته الثورة الضمانة الرئيسية لحقوق المواطن الفردية وحرياته العامة. وخروجاً من هذا المأزق قررت الثورة فتح باب الطعن في القرارات والتصرفات الإدارية أمام هيئات مكونة من كبار الموظفين بالإدارة. إذ تكون الأحكام صادرة من الإدارة، وضد الإدارة، ) ولقد كانت هذه بداية ظهور القضاء الإداري، الذي يختص بالفصل في المنازعات الإدارية، والتي حرمها المشرع من قبل بالتعرض للمنازعات الإدارية، ثم الجهة الثانية المتمثلة في اللجان الإدارية التي عقد لها المشرع الاختصاص بالفصل في المنازعات الإدارية، دون ما تدخل من أي سلطة أخرى. قد تطورت حتى أصبحت محاكم بالمعنى الفني الدقيق، وبديهي أن يؤدي ازدواج المحاكم إلى نشوء وظهور مشكلة الاختصاص بين نوعي المحاكم بكل ما يترتب على ذلك من تنازع الاختصاص إيجاباً أو سلباً، ولكن المشرع كثيراً ما لا يتعرض لذلك، تاركاً هذا المجال لاجتهاد المحاكم وآراء ونظريات الفقهاء، فإنه لا يستطيع أن يضع حلاً حاسماً لأنه مهما كان بعد نظره، فإنه لا يستطيع التنبؤ بما قد تأتي به الأيام من منازعات جديدة. ( ) ففي بداية عصر نظام القضاء المزدوج، فكل منازعة تتعلق بعمل إداري قامت به الإدارة مستندة على ما تتمتع به من امتيازات ووسائل السلطة العامة، ينعقد الاختصاص بنظرها للقضاء العادي، حتى ولو كانت صادرة عن الإدارة، أو كانت الإدارة طرفاً فيها، وبذلك انتقل الوضع في فرنسا من انعقاد الاختصاص بمنازعات العقود كلها للقضاء العادي، ولولاية القانون الخاص، حيث أخضع المشرع عقوداً إدارية بعينها لاختصاص القضاء الإداري. ولما كان اختصاص القضاء الإداري بهذه العقود الإدارية بموجب نصوص تشريعية، فقد أطلق عليها الفقه "تسمية العقود الإدارية المسماة" أي التي سماها المشرع، وجعل الاختصاص بمنازعاتها للقضاء الإداري. وقد تعرض معيار السلطة العامة كمعيار للتمييز بين المنازعات الإدارية التي يختص بها القضاء الإداري، للكثير من النقد، فظهرت معايير بديلة، متى كان متعلقاً بمرفق عام إنشاء أو إدارة أو غير ذلك. على أساس أنها كلها عقود تتعلق بالمرافق العامة. وبإعمال معيار المرفق العام استطاع مجلس الدولة، أن يجعل العقود الإدارية كلها في ولايته، على أساس أنها كلها عقود تتعلق بالمرافق العامة. ومن هذا التطور يتضح أن اختصاص القضاء الإداري بمنازعات العقود الإدارية لم يكن إلا نتيجة مباشرة لجهد قضائي بذله مجلس الدولة، ومن ثم فإنه بديهياً أن يتطور الاختصاص بأحكام قضائية يصدرها مجلس الدولة كلما تعرض لحالة جديدة، وظهرت نظريتها، وتأسست قواعد الاختصاص بنظرها. ( ) ثانياً: الوضع في مصر فبقيت هذه المنازعات كما كانت ورغم إنشاء محكمة القضاء الإداري من اختصاص المحاكم العادية وكان القانون رقم 9 لسنة 1949م أول الوثائق التشريعية التي مدت ولاية القضاء الإداري إلى نطاق العقود الإدارية. فقد تقرر بالمادة الخامسة من هذا القانون أن تفصل محكمة القضاء الإداري في المنازعات المتعلقة بعقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد الإدارية التي تنشأ بين الحكومة والطرف الآخر في العقد، ويترتب على رفع الدعوى في هذه الحالة أمام المحكمة المذكورة عدم جواز رفعها إلى المحاكم العادية كما يترتب على رفعها إلى المحاكم العادية عدم جواز رفعها أمام محكمة القضاء الإداري. وبذلك كان اختصاص مجلس الدولة المصري في منازعات العقود الإدارية محدداً بقيود ثلاثة:( ) 1 أنه كان اختصاصاً قاصراً على عقود إدارية معينة بذاتها هي عقود الالتزام والأشغال العامة والتوريدات الإدارية، فقد بقيت هذه العقود الأخرى من اختصاص المحاكم العادية. 2- أن ولاية القضاء الإداري في شأن منازعات هذه العقود الثلاثة، كانت قاصرة على طائفة معينة من الدعاوى تتصل فقط بما يثور بين الإدارة والطرف الآخر في العقد. أما ما عدا ذلك من منازعات ولو كانت تتصل بنفس هذه العقود الثلاثة، فقد كانت ولاية هذه المحاكم تمتد إلى ما يتولد بين الإدارة والمنتفعين، أو بين المنتفعين والطرف الآخر في العقد. 3- أن اختصاص محكمة القضاء الإداري، لم يكن حاجباً لولاية المحاكم العادية بالنسبة لنفس الطائفة من المنازعات.