الحجاج في الخطابة العربية . ولم يكن أحد قبل هذا البدوي يتوقف عند هذه الآية الكريمة، ويفهم ما فهمه لكنه عندما فهمها لم يتمكن من تمالك عواطفه " إذ لاحظ أن في الآية الثانية تأكيدا مضاعفا، والمتكلم لا يحتاج إلى تكرار التوكيد إلا إذا كان المخاطب يشك في كلامة، كما أنه لا يقسم إلا إذا كان المخاطب يرفض التصديق، فالآية الأولى تذكر معلومة مهمة، وأن الإنسان لن يستطيع عن طريق الأسباب وحدها أن يحصل عليه، فالأسباب لن تعمل إلا إذا كان الله قد كتب للإنسان أن يحصل على الرزق منها، أما إذا لم يكتب الله للإنسان الحصول على المال، فلن تنجح الأسباب وحدها أبدا. وهذه الفكرة الدقيقة لا يؤمن بها كثير من الناس إيمانًا عميقاً، وحتى الذين يؤمنون بها، لكننا عندما تتأمل أفعاله سنجدها تدل على أنه لا يصدق ذلك تصديقاً كاملا، إذ لو كان يصدق لاختفى الظلم والقتل من أجل المال، فالإنسان المؤمن بأنه سيحصل على كل ما قدره الله له من الرزق، وبأنه لن يحصل على غيره أبدًا مهما فعل - لن يرتكب جرائم من أجل المال أبدا. ومعنى هذا أن من يفعل هذه المظالم يرفض من خلال عمله التصديق بأن رزقه في السماء، ولذلك أقسم الله على صحة هذه المعلومة، وأكد ذلك بعدد غير قليل من المؤكدات إشارة إلى أن الناس يقفون موقف المنكر، وهذا ما فهمه الأعرابي فتعجب من قسوة الناس وغلظتهم مع ربهم حتى جعلوه يقسم ويؤكد، وما كان يليق بالناس أن يجعلوا خالقهم، ويؤكد، وتأثر الأعرابي بذلك حتى خر مغشيا عليه (1).1) انظر حسام قاسم : الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم، والنص المحال إليه عند الزمخشري في الكشاف: ٤٠٠/٤-۹۹۸-ده بدر محمد إبراهيم -وهكذا تعد فكرة ربط التوكيد بحال المخاطب من أبجديات البلاغة العربية