قال تعالى : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا النساء : ٤٧: النداء هنا لأهل الكتاب، بعد أن وجه لهم النداء بالإيمان وامرهم به قرن بهذا الأمر الوعيد الشديد بسوء العاقبة في الدنيا فقال تعالى : (مِن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الطمس عند أهل اللغة: استئصال أثر الشيء، وطمس الكواكب بذهاب ضوئها، والوجه يطلق على امرين الاول: وجه البدن: قال ابو البقاء : ( من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها يعني الأقفاء) (٢). ومنه قوله تعالى : ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ آل عمران : ١٢٠، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِم وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ الضمان: ١٢٢، وقوله (۳) تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا الروم : ١٣٠ (٢). يقال: رده عن وجهه اي: صرفه، والأنبار : جمع دُبُر، واختلف العلماء في المعنى المراد من قوله تعالى : مِن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا : هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ على ما يأتي: اولا: ذهب ابن عباس، ثالثا : وذهب الفراء جعل وجوههم من قبل أقفيتهم، وجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم، فيكون معناه: فنحول الوجوه أقفاء والأقفاء وجوها، قال الامام الطبري : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الأول، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ وحذرهم بأسه وسطوته وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا، وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كهيئة وجوه القردة، فقولهم مخالف لقول أهل العلم من الصحابة والتابعين (٢). وقال تعالى : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ : اللعن في اللغة: الإبعاد والطرد من الخير ، وقيل : الطرد والإبعاد من الله، واللعينُ : المَمْسُوخ والأعينُ المُخْرَى المُهْلك، قال الفراء : اللعن: المسخ، وبه فسر الآية : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ النساء :٤٧]، واصحاب السبت هم قوم من اليهود احتالوا على انتهاك محارم الله، وقوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرِ مِن ذَلِكَ مَثَوبَةٌ عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أو أُولَئِكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: وقوله ١٦٠، تعالى: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِين الأعراف : ٢١٦٦، أنه مسخ بعض بني إسرائيل إلى قردة عقوبة لهم على معصيتهم، بل يهلكه الله تعالى بعد مسخه ولا يكون له نسل، قال رسول الله ﷺ « إن الله لم يجعل المسخ نسلا ولا عقبا، وقوله تعالى : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا : أي : قضاؤه، يعني: احترسوا وكونوا على حذر من وعيده لكم، فإن لم تؤمنوا فإن ما وعدكم الله به ناجز لا محالة، ونرى أن ذكر الوجه جاء في الآية مغايرا لصيغة الخطاب فيها فإن الله تعالى قال : نَطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا النساء : ١٤٧، ولم يقل : نطمس وجوههم، فتتناسب مع صيغة ما بعدها لقوله تعالى : أَوْ نَلْعَنَهُمْ (النساء : ١٤٧، فتنكير الوجه في قوله تعالى: وُجُوهَا قد يكون الأمرين: الأول: أن التنكير وقع للتحقير ، والتوجه فيها إما الى وجوه اشرافهم الذين يصدونهم عن ذكر الله تعالى وقول الحق او الى عمومهم. الثاني: أن التنكير وقع ليشمل كل من لم يستجيب لدعوة النبي ﷺ بدليل العطف بـ[أو] واللعن خاص بهم، فيكون التنكيل بهم اشد من التنكيل بغيرهم،