فهو توجه أُحادي يستعصي عليه فهم غير ما اعتاده، وعبارات تتكرر على لسانه في شكل هوس تجعله لا يطمئن إلا حينما يحشرها في كلامه ومقاربته لما يستجد من أحداث، ولهذا تراه أضيق الناس خلقًا بكل عبارة جديدة، أو محاولة للنظر على نحو مغاير لما سبق أن بنى حوله المتطرّف مواقفه وشعاراته. وأنه لا مجال للاجتهاد والتطور والتغيير، لا على مستوى الخطاب واللغة، ولا على مستوى أنماط الحياة ومشاريع العيش، ولهذا فهو لا يبذُل جهدًا في فهم مستجدات العالم، بل يكتفي برعونته الإيديولوجية القائمة على الاختباء وراء شعارات انتهازية، وهذا يُشير إلى الفقر المعرفي للمتطرفين الذي لا يخفى على أحد، ومن ضمن هذه الشعارات القول بأن أي جرأة على التغيير والتطوّر، ولذلك فهم يخلطون القول ويدلسونه، وما هم بحماة لغير أفكارهم المريضة التي تتغذى دون أن تعي ذلك بهلوسات المتطرفين في كل بقاع الأرض، لأن التطرّف في عمليات الاستقطاب والتجنيد يستخدم عبارات ظاهرها الحق وباطنها الباطل والدمار، وهو الحال بالنسبة لكل من يتمسّح بالنصوص الدينية، لأن ثبات العقيدة لا يناقض بأي حال دينامية نماذج الحياة وتطورها، تجدهم يبالغون في اختزال الدين إلى بُعده الطقوسي، وهي في عمقها لحظة لاستعادة وقائع وأحاسيس مرت بوجدان الجماعة منذ سنين طويلة، والإحساس بأنهم جزء من تاريخ طويل يمتد من الحاضر إلى الماضي البعيد، ولهذا فإن الطقوس الدينية هي شأن يهُم الذاكرة والوجدان، لكن الفكر المتطرف يحاول أن يستغل الخلط بين البُعد الطقوسي وبين البُعد العملي لكي يقنع أتباعه أنه مثلما لا يجوز التغيير أو التبديل في الطقوس، فكذلك حياة الناس يلزم أن تُحَنّطَ على شاكلة واحدة لا تبديل لها ولا تطوير، ومرهونة بمستجدات الزمن وخصوصياته، ولهذا لا تناقض بين التزام المرء بعقيدته وحفاظه على صفائها من كل الشوائب، ومن أجل الخروج من هذا الفخ الإيديولوجي الذي يحاول أن يضعنا فيه دُعاة الفكر المتطرف عبر شبكات التواصل على وجه الخصوص، بحيث يصوّرون أن كل الحياة ينبغي أن تكون شبيهة بالطقوس الدينية، بل إنها تعني كل عمل يُراد به تحقيق الأمر الإلهي للإنسان بأن يعمّر الأرض ولا يسعى إلى خرابها وفسادها، وهنا تصبح العبادة هي ذلك الاجتهاد المستمر من طرف الإنسان، وبالتالي فإن مكان العبادة لا يصبح مرتبطًا بدور العبادات الطقوسية فحسب،