الجسمنا ونفسنا فرصة مستقبلة نخاطر فيها بتحقيق ذواتنا ، على الرغم من كثافة وجودنا الواقعي ، وعلى الرغم من تناقض مطالبنا الباطنية (1) ٥٧ - والواقع أننا إذا كنا نحرص على ربط الأخلاق بالفلسفة ، فذلك لأن المشكلة الخلقية و في نظرنا هي أولا وبالذات مشكلة شخصية تتصف بالطابع التاريخي الدرامي الذي تتصف به أية خبرة أخرى معاشة Experience vécue . ومهما فعل فيلسوف الأخلاق التقليدي ، أو عالم الاجتماع الوضعي ، فإنه لن يستطيع أن يضع نفسه موضع الشخص الذي يجد نفسه ملزما بأن يفصل في مشكلة حياته . حقا إن الفيلسوف التقليدي وعالم الأخلاق الاجتماعية قد يستطيعان أن يقدما لمثل هذا الشخص بعض القواعد العامة أو التحديدات الكلية ، ولكنهما يخطئان بلا شك لو توهما أنهما يستطيعان أن يصوغا : الحقيقة الخلقية ، في قوالب عامة مجردة تصلح لكل فرد ، وتنطبق على كل حالة . وذلك لأنه ليس ثمة قانون عام يصلح لكل المواقف ، بحيث لا يكون على أي فرد منا سوى أن يستخلص منه بطريقة استنباطية صرفة بعض تحديدات نوعية أو نصائح خاصة لكل حالة فردية . ويمضى بعض الفلاسفة الوجوديين إلى حد أبعد من ذلك ، فيقررون أن الفيلسوف نفسه لا بد من أن يظل مقيدا بموقف معين ، بحيث إنه قلما يستطيع أن يرى الأشياء إلا من وجهة نظره الشخصية الخاصة . فليس في وسع المفكر أن يتخلص من تلك الظروف المعينة التي تحدد تفكيره الشخصي ، وبالتالي فإن كل تقرير أخلاقي لن يكون - بطبيعة الحال - سوى وجهة نظر معينة في الحكم على الأخلاق . وربما كان من بعض أفعال الفلسفة الوجودية على الأخلاق أنها قد أظهرتنا على ما للعامل التاريخي الدرامي من أهمية كبرى في كل أخلاق فردية . فالوجوديون يؤكدون أن الفرد لا يحيا في عالم مجرد متحرر من كل سياق تاريخي، بل هو إنما يفصل في مصيره الشخصي وسط ظروف لا سبيل إلى تحديدها بدقة .