عالم السدود والقيود الآن — عندي وعند كل عابر بسبيله — هو ذلك البناء املعزول في ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف في بعض أحياء القاهرة الواسعة الكثرية، واسمه في سجلات الحكومة سجن مصر العمومي، واسمه الشائع على الألسنة «قره ميدان». أما يوم كنت آوي إليه ولا أرى غريه ولا أسمع بالدنيا إلا من وراء جدرانه فلم يكن ً بناءً معزولا ولا كانت الناحية التي هو فيها ناحية منزوية إلى طرف من الأطراف، كان هو العالم بأسره وبأرضه وسمائه، وكان العالم الخارجي جزءًا لاحقً ا به مضافً إليه، فالسجن الاستقرار فيه، آخر يتقابلان ويتناظران، فلو ظهرت في السجن صحيفة كبرية لكان لأخباره فيها مكان ولكانت أخبار العالم فيه كأخبار وإذا ارتقى بعضها إلى محل عقره وحجراته وخباياه. وهذه الصفحات هي خلاصة ما رأيته وأحسسته وفكرت فيه يوم كنت أنزل «عالم السدود والقيود» وأشعر به ذلك الشعور، وأنظر إلى العالم من ورائه ذلك النظر: لست ولست وجوه ذلك الإصلاح، ولست أعني بها أن تكون رحلة وإن كانت كالرحلة في كل شيء إل أنها مشاهدات في مكان واحد، ولا أن أستقصي كل ما رأيت وأحسست وإن كنت أقول وإنه لا فرق بينه وبني الخلاصة إلا في التفصيل والتكرير، للقارئ بأن يستعرض عالم السجن كما استعرضته دون أن يقيم هناك تسعة شهور كما فإن كانت الصفحات التالية عند دعواها فذاك وحده هو حقها من القراءة وشفاعتها ً عند القراء، ً القارئ بني دفتي هذا الكتاب الصغري وهو يتفكه ولا يضيق ذرعا بالسدود والقيود، وحسبها ذلك من نجاح. عباس محمود العقاد فتحت الكوة الصغرية، ميدان»؛ امت ِ راءٍ وكل الشك في الخروج أما الدخول فها هو ذا يقني لا شك فيه، متى يكون وإلى أين يكون؟ أإلى رجعة قريبة، من السجن وإليه؟ أم إلى عالم الحياة مرة أخرى؟ أم إلى عالم الأموات؟ في تلك اللحظة عاهدت نفسي لئن خرجت إلى عالم الحياة لتكونن زيارتي الأولى إلى عالم الأموات، أو إلى ساحة الخلد كما سميتها بعد ذلك؛ ولم تقع مني هذه الرحلة بني الدار والسجن موقع املفاجأة؛ طويل ولو على سبيل الحجز الذي ينتهي بإفراج سريع، ولكني كنت لا أرى فرقًا بني أيام أو أسابيع أقضيها على ذمة التحقيق وبني مدة أقضيها في الحبس بحكم القضاء، قَ لأنني كنت أ يخشاه الناس من الس وعلى توقعي الاتهام والحبس كانت الأنباء تتوالى عَليَّ ِبَما يؤكد ذلك التوقع من وسمعت النبأ اليقني في هذا الأمر من صديقنا املغفور له سينوت حنا بك، ً وقد لقيني مرة فاستوقفني وقال لي: «حذار يا أستاذ!» فقلت له باسما: «لا يغني الحذر ً مراجعة خاصة، وإنهم ينتظرون يوما معينًا ربما كتبت فيه ما يساعد على تأييد التهمة، ِ ثم يقدمونك إلى املحاكمة بَما استجمعوا من أدلة قديمة وحديثة!» مصر في مؤتمر املجالس النيابية الذي عقد تلك السنة في العاصمة الإنجليزية، استخرجت جواز السفر السياسي، كنت أنوي زيارتها، سبقونا إلى باريس ليشهدوا فيها الاحتفال بعيد الحرية، ثم بدا لي أنني إذا سافرت فقد ولا قدرة على البقاء في ذلك الجو القارس أيام الشتاء، وربما كان منع عودتي أسهل على الوزارة من محاكمة قد تنتهي بالبراءة أو بعقوبة لا ترضيها، وقلت: إن السجن ففتحت الباب فإذا ضابط في رتبة «اليوزباشي» على ما أذكر يبادرني بالسؤال: هل حضرتك فلان؟ قلت: نعم. ثم دخل وجلس، فتناولت الورقة وقرأت فيها دعوة من صاحب السعادة النائب العمومي للحضور إلى مكتبه في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، ووقعت على الدفتر — كما طلب الضابط — بأنني تسلمت الورقة، وأخذت في إعداد الكتب التي سأقرؤها في السجن، والأدوية التي أتعاطاها، هناك، لأنني كنت حتى إلى قره َميَْدان تلك الساعة أجهل «تقاليد السجون»، الخاصة أثناء التحقيق وفي الفترة التي تسبق املحاكمة. فظهر لي أنه لم يفهم، وأنه ينوي أن يقصد بها سجن الأجانب الذي كان أخي ً معتقلا فيه. ً فقلت له: «بل هي لي أنا في السجن الذي سيخبرونك عنه غدا بدار النيابة!» ووصفت له الدار واجتهدت أن أفهمه جهد املستطاع، أنه ليس باليسري! وذهبت في املوعد املحدود إلى دار النيابة، املحامني يوجهون نظر رجال النيابة الحاضرين إلى «الحيطة الصحية» الواجبة في هذه ومنها اختيار السجن الذي يوافقني أثناء الحبس «الاحتياطي» أكثر من سواه. وكان الأساتذة املحامون لحسن الحظ من الخبريين بمزايا سجون القاهرة التي تردد عليها في سنوات الثورة السياسية معظم املشتغلني بالقانون والسياسة، خبرتهم بالسجن إلى خبرتهم باملحكمة وقدرتهم على النصح السديد للمتهمني واملوكلني، لأن الجو فيه أوفق لي من سجن الاستئناف، وقد كان. فذهبت مع الضابط والجند في سيارة خاصة إلى «قره ميدان» وتخطيت الباب فإذا هدوء غري مألوف؛ وتوجه بي الضابط نحو جديد، وما هي إلا لحظة حتى توافد املوظفون وكثر دخول السجانني ينظرون إلى القادم ً الذي سرى بينهم نبأ قدومه، فيقول لأحدهم: «اطمئن . ويقول له: «ألا تصدق؟ آه يا ابن الحلال. ً أو يقول لغريه: «تعال هنا . ثم يناديه بصوت يسمعه َ كل م ْن في املكان: «افرح . نقلوك إلى أسوان، لا تقل لأحد يا ولد!» فاستعدت في ذهني موقف هملت وحفاري القبور إذ يغنون وهم في ذمار املوت! ْجن ْلة الأولى في ِّ َّ اللي لم يكن مكتب املوظفني إلا بمثابة «الأعراف» التي تفصل بني نعيم الحرية وجحيم الاعتقال، ولكنها «أعراف» تنقل من النعيم إلى الجحيم كما تنقل من الجحيم إلى النعيم، للإفراج كما يسمونه في لغة السجون! فاتجه الضابط إلى عنبر «ب» وفتح الباب الحديدي ودخلنا العنبر فكان أول ما صمت لا يلتفت أحدهم يمنة ولا يسرة، — لا بكلام — يقولون فيه: «هيه هيه» . أما املغني فالذي أذكره من أنشودته الآن فقلت: فأل جميل وايم الله! وللفأل شأن كبري في «نفسيات» املسجونني كما سريى القراء في بعض هذه الذكريات. َم ْن هؤلاء الجالسون القرفصاء؟ ليدله على أنواع العذاب ودرجات املعذبني، َوَم ْن هؤلاء املكبون على أربع؟ أهذا ضرب من العقاب في مكان العقوبات؟ وما بال أناس ولا يلبسون كأهل السجون؟ ً على أنني لم ألبث طويلا حتى عثرت على الدليل الذي ينوب في جحيمنا عن فرجيل! وكان محبوسا رهن املحاكمة في قضية مقالات ورسوم قذف بها بعض وكان واقفً ا عند باب حجرته ينتظرني بعد أن سبقت البشائر إلى العنبر بقدومي! فلقيني مرحبًا، وعلى الجالسني القرفصاء، وعلمت بعد ذلك بهنيهة أن هؤلاء الجالسني القرفصاء هم املحبوسون على ذمة ِ التحقيق مَّم ْن آثروا البقاء بملابسهم العادية، وأنهم جلسوا تلك الساعة في انتظار الخروج «للطابور» الذي هو موعد الرياضة املصطلح عليه مساء كل يوم، وللمحبوسني شوق أما املكبون على أربع فهم أصحاب النوبة املنوط بهم تنظيف بلاط العنبر وتلميعه، ويؤثرونه على أعمال السجن الأخرى؛ ولا يحبسون في قال دليلي أو «فرجيلي» بعد الشرح املتقدم: «وإن هؤلاء املساكني يعانون هذا العناء من أثر دعوة النبي يوسف عليه السلام. قال: «لقد دعا يوسف ربه في السجن أن يغزر ترابه ويحلي طعامه ويقصر أيامه. فالتراب لا ينقطع لحظة عن أمثال هذا املكان. لأن السجعة تقضي بذلك!» الدعاء، سفا على املكان الذي تركوه. وإلى هنا لم أكن قد تناولت طعام الغداء مع اهتمامي برعاية املواعيد في تناول الوجبات. فأين الطعام؟ هل أحضره الطاهي أو نسي إحضاره وفهم غري ما تعبت بالأمس في إفهامه إياه؟ فليس من املستطاع أن أعرف هذا الخبر الصغري إلا بعد أن أسأل السجان، وبعد أن يسأل الضابط البواب، وبعد أن ينقضي في ولم يكن الذنب في هذه املرة على ذكاء «الشيخ أحمد» كما توهمت لأول وهلة، قد أحضر الطعام بعد انصرافي من دار النيابة، ً أمرا بقبوله وانتظام حضوره، وحتى يتم ثم قبلوا الطعام والدواء وردوا الغطاء والفراش؛ لأن السجن كما قالوا فيه الكفاية من غطاء وفراش! العنبر وسقوفه، ثم فرغ السجان وصاحب النوبة املوكل بحجرتي من إعداد سريرها وأدواتها ولوازمها، فألقيت نظرة على الغطاء الذي سيغنيني عن غطائي فلم أطمئن إليه كثريً ً ا، املفتوحة على رأسي يندفع منها الهواء طول ليل الخريف، فما العمل فيها؟ قال دليلي أو «فرجيلي» علي أفندي شاهني: «لا عليك من هذه النافذة! فسترى كيف نعالج خطبها. ٍّ أرض الحجرة كما يصنع في حجرته هو، وضحك شاهني أفندي ضحك العلم واملعرفة وهو يقول لي: «احمد الله على فهناك النافذة أربعة أضعاف النافذة هنا ولا أمل فضلا عن الظلام املطبق من الصباح إلى املساء. 15 عالم السدود والقيود وعاد املسجونون قبل ذلك أفواجا إلى الحجرات، وتعالت بينهم ضجة كضجة السوق في يوم زحام، ثم توالى إغلاق الأبواب وإدارة املفاتيح ولن يبرح السجان دوره حتى يستوثق من مطابقة العدد املوجود للعدد املكتوب في سجله املعلق بها أفواه رجال ونساء، وشرع اثنان وكأنهما علما بمقدم ً الصحفي الطارئ على السجن في تلك الليلة فجعلا للصحافة قسما من هذه املساجلات املحفوظة: الأولاد تنادي وراك وتقول: إيش معنى؟ – املؤيد! املؤيد . وهو يعني «املقيد». – فوق رأسك يا معلم علي. – إيش معنى؟ وهذه حقيقة واقعة وليست بمجاز! لأن بناء السجن واقع في حضن جبل املقطم. – إيش معنى؟ – كوكب!