بل حرص الإسلام على حل المشكلات الاجتماعية بطرق شتى، فحث على العمل للقادرين وبث في نفوسهم أنه تعالى إنما أنعم عليهم بنعمة القوة ليتكفلوا بأنفسهم ومن ينفقون عليهم ثم إخوانهم من غير القادرين؛ ويبدأ هذا النظام بالأخلاق؛ فلقد وضع الإسلام الأسس التي يقوم عليها المجتمع المبني على الأخلاق السوية والتقارب والتحاب والتعاون على الخير وفعل المعروف، أما النظام الاقتصادي فهو بناء قائم على قواعد راسخة؛ ففيه من الواجبات على الأغنياء الزكاة والنفقة، وربط الإسلام هذا البناء الاقتصادي برباط من العقائد التي تقيم قناعات لدى معتقديها بأن ما في أيديهم من مال إنما هو لله تعالى، وأن ما أعطاهم إياه لم يكن ليصل إليهم إلا بتوفيق منه لهم، هذا البناء الاقتصادي الذي أقامه الإسلام كان له أكبر الأثر –طوال عصور النهضة الإسلامية- في حل كثير من الإشكالات الاجتماعية التي تؤثر على حياة الإنسان كمشكلة الأمية ومشكلات الأسرة عامة ومشكلة التربية والقيم وسوء توزيع الثروة وغيرها من الإشكالات التي تمثل القضايا الاجتماعية الكبرى في عالمنا الإسلامي في أيامنا هذه. فمشكلة الأمية مثلا بلغت في دول العام الإسلامي درجة الخطورة، وأصبحت تشكل ظاهرة اجتماعية تدق ناقوس الخطر؛ أما عن مشكلات الأسرة كالعلاقة بين الرجل والمرأة والعنف الأسري وغير ذلك فإن لها آثارًا سيئة كثيرة بحيث يصعب استيعابها، هذه الآثار يعاني منها أفراد الأسرة ويعاني منها المجتمع ككل. منها الفقر والحرمان بين الناس وعدم قدرة الدول على تلبية حاجيات الناس والإيفاء بمتطلبات حياتهم الاجتماعية والصحية والثقافية وغيرها مما ينتج العديد من الآثار الاجتماعية السيئة. والإسلام نسق مفتوح ودين واسع وضع جوابًا لكل سؤال وفي كل عصر وفي كل شأن من شئون الأمة؛ وهي قاعدة في السعي لابد أن نعيها ونعي كيف نعمل بها. والمتأمل في مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها يجد أنها قد وضعت الأسس الجامعة التي تصلح أن تضم الناس أجمعين وتقضي على الأمراض المجتمعية المختلفة وتعالج هذه القضايا وتجعل العالم كله أمة واحدة في ظل أرقى الأصول الاجتماعية. فهذه المقاصد والأحكام حوَّلت الروابط الإنسانية من القيام على المصالح المادية والاعتبارات العصبية إلى روابط مستمدة من المبادئ الإنسانية والأصول العامة التي تفرع عنها قوانين ضابطة لتصرفات الناس في معاملاتهم. فالمسلم الحق يشعر بمدى جمال وكمال الرابطة الإسلامية مع أفراد مجتمعه وتتمتع روحه بالقيام بواجباته الاجتماعية، فهو لا يقوم بهذه الارتباطات المجتمعية طلبًا للدنيا ولا رغبة في الذكر؛ بل يقوم بها مدفوعًا بطلبه أكمل الغايات الاجتماعية والوصول لأرفع الكمالات الوجودية. ولقد قامت الشريعة الإسلامية على عدة أسس في علاج المشكلات الاجتماعية الكبرى؛ والأساس الثاني من أسس علاج المشكلات الاجتماعية هو العمل، ولا نجاح لغاية الاستخلاف في الأرض وحكمته إلا به ولا مقياس لإخفاق الآدمي أو فلاحه إلا بعمله وسعيه وكده وبذله محوطًا مدفوعًا بالعقل والفهم والعلم. ومن الأسس التي قررتها الشريعة لعلاج المشكلات الاجتماعية الكبرى التوازن؛ فالشرع الإسلامي إذ يقول بالمساواة بين الرجل والمرأة مثلا في الحقوق والواجبات فإنه لا يقول بالتساوي بينهما في الصفات الخِلْقية والفطرة الربانية والوظائف التكليفية فهذا لا يقول به عاقل؛ وعلى هذا فإن الدعوة إلى التساوي بينهما نـوع من أنـواع الظلم والزج بكل منهما في طريق مظلم لا يتفق مع الفطرة التي فطـر الله الناس عليهـا، ويكلف كلا منهما شططًا لا يطيقه؛ أما ما يتفق والتوازن الذي أسسه المنهج النبوي فهو المساواة. والعدالة تكون في عدم التفرقة بين الإنسان فيما يخرج عن فعله واختياره؛ ولذا يجب أن تطبق مفاهيم المساواة الإنسانية في إطار من احترام الاختلاف والتمايز بين الناس وعدم الاعتداء على هويتهم الذاتية أو محاولة مسحها أو محوها. والمساواة بين الناس لا معنى لها إذا لم تعززها عدالة اقتصادية واجتماعية تضمن لكل فرد حقه إزاء ما يقدمه لمجتمعه، إن عدالة التوزيع للثروة بين المواطنين من شأنها أن توفر لكل فرد مستوى من المعيشة تهيؤه لأن يحيا حياة تليق بكرامة الإنسان، ويتوجب على النخبة من علماء الأمة بعد ذلك أن تعمل على تأمين العمل لمن يبحث عنه وإثابة العاملين بالأجر العادل والتفكير في آليات لتفعيل النظام الاقتصادي الإسلامي الذي تمثل الزكاة والصدقات والوقوف ركنًا ركينًا فيه لإعادة توزيع الدخل على الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض أو يعانون من معوقات عقلية أو جسمية أو يرزحون تحت وطأة ظروف خارجة عن إرادتهم. فقد حث الإسلام على تقديم المساعدات للآخرين والتعاون على فعل الخيرات، ومنها ما يقوم به المسلم على سبيل التطوع والبر،