كان يربض في مكانه وهو يلهث بشدة بعد أن وقع في المأزق الذي طالما كان يخشى الوقوع فيه، فلو لم تكن هذه الزائدة معه لكان - ولا شك - لا يسبق إلى فريسة ولا يدركه عدو. ومر بذاكرته ذلك اليوم الذي لحقه فيه قط كبير كاد أن يقضى عليه حينما استطاع أن يمسك طرف ذيله بين أسنانه لولا أنه سحبه في آخر لحظة وأدمى نفسه، ولكنه ما كان ليجازف بأن يأكل من هذا الطعام المهيأ، لابد من المضي قُـدُما، أخذ يقيس المسافة بين البقعتين السوداوين، قدّرها فوجد أنها تكفي لأن يمر بيسر لو ضمن شيئا واحدًا هو أن يمشي وذيله مستقيم خلفه، ياله من ذيل طويل، ولكن لا سبيل إلا المجازفة، بدأ يستجمع قواه ويركز كل قوته على طرف ذيله لكي يضمن السلامة. الهدف ليس بعيدا ولكن طول ذيله يضاعف المسافة التي يجب عليه قطْعُها، لقد جاز رأسُه منطقة الخطر، هيا أيها الذيل؛ نظر إلى الوراء فوجد ثلاثة أرباع ذيله قد التصق بالبقعة السوداء، ​خامرته فكرة جبارة وهي وإن لم تكن تخطر في ذهنه لأول مرة إلا أنه لم يفكر فيها بجد إلا في هذه اللحظة الحرجة، لقد فكّر بأن يعض ذيله بكل قوته فيقطعه ويهرب من هذا المأزق؛ ولكن إذا قطعه فسوف يبدو مشوها أبتر؟ فكيف سيكون موقف أقرانه منه؟ صحيح أن ذيله كان يتعبه ولكنه يكوّن له صورة محببة جميلة، كلا إنه لن يفعل، ولكن هل يضحي بهذا الرأس العبقري وهذا الجسد الطيّع المليء بالقوة والحيوية والنشاط؟ هل يقتلهما لكن لا يتخلى عن الذيل؟ إنه إذا قطعه ربما ينمو من جديد وإن كان النمو ليس كافيا ولكنه سينمو على كل حال، ليحاول الخلاص بطريقة أخرى، استجمع كل قواه وانطلق في طريقه لعله يفلت من هذا اللاصق، توقف لاهثا، محاولة أخيرة، لـماذا لا يطـاوع؟ نظــرة أخــرى للجسـد وواحـدة للـسماء وأخيرة للذيل، ومع أول نفس من أنفاس الصبح كان قد لوى رأسه وأمسك ذيله بأسنانه،