» لقد عقدت نيّتي على الاستمتاع بهذه الرحلة، فخبرتي تؤكّد لي أنه بإمكانك الاستمتاع بالأشياء إذا عقدت نيّتك بحزم. تلك وردة برّية متفتّحة قبل أوانها! أليست جميلة؟ ألا تظنينها سعيدة لأنها وردة؟ أما كان من الرائع لو استطاعت الورود الكلام؟ أنا متأكّدة من أنها تملك روايات لطيفة لتقصّها علينا. هل صادفت في حياتك مخلوقة كانت حمراء الشعر في صغرها، لم يسبق لي أن رأيت شيئًا كهذا في حياتي، وأقولها لنفسي دائمًا على سبيل العزاء كلّما خاب أملي بشيء. كما لو أني كنت بطلة رواية ما. أنا مولعة جدًّا بالأشياء العاطفية، وصورة مقبرة مليئة بالآمال المدفونة، هل سنسلك اليوم الطريق المؤدي إلى بحيرة المياه البراقة؟» «لن نذهب عن طريق بركة باري، «لاسم طريق الشاطئ وقع جميل على الأذن. » قالت أن بلهجة حالمة. «أهو بمثل جمال اسمه؟ لقد رأيت صورته في ذهني بمجرّد أن قلتِ طريق الشاطئ، رأيتها في الحال! وأرى أنّ اسم وايت ساندس جيد أيضًا، لكني لا أحبه بقدر ما أحب اسم أفونليا، أرى أن تجعلي كلامك مفيدًا وذلك بإخباري عمّا تعرفينه عن نفسك. «لكن لو تدعيني فقط أحدّثك عن الكيفية التي أتخيَّل نفسي عليها، لست بحاجة إلى سماع تخيُّلاتك، أريد منك الالتزام بالحقائق المجرّدة، أين وُلدت وكم عمرك؟» مسلّمة نفسها للحقائق المجرّدة بعد زفرة صغيرة. اسم أمي برتا شيرلي، جيديديا؟» «أرى أنه لا أهمية للاسم الذي يحمله المرء ما دام حسن الخلق. «لا أعرف حقًّا. «قرأت في أحد الكتب ذات مرة أنّ الوردة تظلّ محتفظة بعبيرها الزكيّ نفسه مهما كان اسمها، لكني ما استطعت تصديق هذه المقولة أبدًا، ولا أؤمن أنّ الوردة ستكون بنفس اللطافة التي هي عليها لو دُعيت شوكة أو ملفوفة، كانت أمي معلّمة في تلك الثانوية أيضًا، مسؤولية كافية. أخبرتني السيدة توماس أنهما كانا زوجين فتييّن ومُعدمين، وأكاد أجزم أن نافذة قاعة الاستقبال فيه كانت تطلّ على شجيرات عطرة الأريج، نعم، وأن جميع نوافذه مجلّلة بستائر من الموسلين، لقد وُلدت في ذلك البيت، كنت بالغة الهزال وضئيلة ولا شيء يبدو مني سوى عينين، ولكن أمي رأت أني كنت جميلة جدًّا، ألا تريْن أني في هذه الحالة يجب أن أصدّق ما كانت تعتقده أمي؟ فالأم هي بلا شكّ ذات بصيرة أفضل من بصيرة امرأة مسكينة كانت تأتي لتشرف على تنظيف البيت، على كل حال أنا سعيدة لأنها كانت راضية بي، ولو علمت أني كنت خيبة أمل لها لشعرت بكثير من الحزن، لأنها لم تعش طويلًا بعد ولادتي، إذ أصابتها الحمّى وماتت وأنا ابنة ثلاثة أشهر، كم تمنيت لو أنها عاشت معي مدّة أطول لتتاح لي على الأقل فرصة تذكّر مناداتي لها يا أمي، واحتار الناس في أمرهم، كان أبي وأمي قد جاءا من مناطق قاصية، وكان من المعروف أنه لم يكن لهما أقرباء على قيد الحياة. رغم أنها كانت فقيرة وزوجة رجل فقير، تُرى، أتعرفين بمَ يتميز الناس الذين رُبّوا باليدين عن الناس الذين لم يُربّوا بهذه الطريقة؟ لأن السيدة توماس كانت كلّما صدر عني نصرّف معيب، تقول لي شبه موبّخة أنها تستهجن سلوكي السيء لأنها ربّتني بيديها! وهناك ساعدت في رعاية أطفال آل توماس الذين كان يوجد أربعة منهم أصغر مني، وصدّقيني لقد تطلبوا الكثير من الرعاية، كما قالت، ولم تدرما تصنع بي. ثم جاءت السيدة هاموند التي تقطن عند ضفّة النهر العليا، وعرضت أن تأخذني عندما رأت براعتي مع الأطفال، في أرض نائية بين أشجار مجزوزة الجذوع، كان مكانًا موحشًا جدًّا، ولو لم أكن صاحبة خيال خصب لما استطعت تحمّل الحياة هناك أبدًا، أمّا السيدة هاموند فكانت لا تكفّ عن إنجاب الأطفال، إذ أنجبت توائم ثلاث مرات متتاليات، أنا أحب الأطفال لكن باعتدال، وإنجاب التوائم ثلاث مرات متتاليات هو شيء يفوق الاحتمال. هذا ما قلته للسيدة هاموند بحزم عندما أنجبت الزوجين الأخيرين، عشت في منطقة ضفّة النهر العليا مع السيدة هاموند ما يزيد عن السنتين، ووزعت أطفالها على أنسبائها، لأن أحدًا لم يكن يريدني. وقال القيّمون عليه إنه مزدحم بما فيه الكفاية ولا ينقصه المزيد من القاصدين، أنهت آن حكايتها وزفرت هذه المرّة زفرة ارتياح، كان واضحًا أنها لم تكن تحب التحدّث عن تجربتها في عالم لم يرغب بوجودها. وهي تميل بالفرس البُنيّة نزولًا نحو طريق الشاطئ. «ليس كثيرًا، وعندما غادرت إلى منطقة النهر العليا، كان المكان بعيدًا عن المدرسة التي ما كنت أستطيع المشي إليها في الشتاء، وكانت تغلق أبوابها في الصيف؛ لذلك ما كنت أقصدها إلّا في الربيع والخريف، لكن طبعًا ذهبت إلى المدرسة أثناء إقامتي في الملجأ، طبعًا أنا لم أكن في الصفّ الخامس، لكن البنات الكبيرات كن يعرنني كتبهن لأقرأها. أعني السيدة توماس والسيدة هاموند طيبتين معك؟» سألت ماريلا آن وهي ترمقها من زاوية عينها. «أوه. وعندما ينوي الناس معاملتك بطيبة، فأخلدت آن إلى الصمت بحبور وديع، وتابعت ماريلا قيادة الفرس كأن شيئًا لم يكن، حياة مشقّة وفقر وإهمال، ومن المؤسف حقًّا أن تكون مضطرَة إلى إعادتها إلى الملجأ، «لديها الكثير لتقوله» فكّرت ماريلا، «مع ذلك، يمكن توجبهها لتقلع عن هذه العادة، إنّها تبدو ابنة عائلة كريمة ويظهر أن ذوبها كانوا أناسًا لطفاء. تقوم على يمينه أشجار التنوب الواطئة، المتراصّة بكثافة، بحيث إنّ فرسًا أقلّ مهارة من الفرس البُنيّة كانت سترهق أعصاب الناس الذين تجرّ عربتهم خلفها، كانت قاعدة الجرف تتشكل من التلال الصخرية التي كسرتها الأمواج أو من الخلجان الرملية الصغيرة المرصعة بالحصى، كما لو أنّها كانت محيطًا مفعمًا بالدرر، مشيعًا في الكون وميض زرقته، ضوء الشمس. «أليس البحر بديعًا؟» تساءلت آن مستفيقة من سكينتها الطويلة الواعية. «ذات مرة، عندما كنت أعيش في ماريسفيل، استمتعت بكل لحظة من لحظات ذلك اليوم، رغم اضطراري إلى رعاية الأطفال طيلة الوقت، ثم تحلّقي بعيدًا في فضاء تلك السماء الزرقاء الجميلة طيلة النهار ثم تعودي ليلًا إلى عشك؟ آه، ما ذاك البيت الكبير الذي يلوح أمامنا؟» «ذاك فندق وايت ساندس، الذي يديره السيد كيرك، لكن موسم الصيف لم يبدأ بعد، وعندما يحين الموسم يكتظ الفندق بالأميركيين الذين يقصدون هذا الشاطئ موقنين أنّه أفضل الشواطئ.