فكيف يتاح لهم الوقت لكي يختبروا بواطن الأمور في حين أن نوابهم الممثلين لهم Representatives لا يفكرون الا في الملذات؟. فانه سيكون عوناً كبيراً لنا حينما تناقش مثل هذه المسائل: توزيع السلطة، كل المسائل المشابهة لذلك ذات طبيعة تجعل من غير المستحسن مناقشتها علناً أمام العامة. وأهمية الكتمان تكمن في حقيقة أن المبدأ الذي لا يذاع علناً يترك لنا حرية العمل، مع أن مبدأ كهذا إذا اعلن مرة واحدة يكون كأنه قد تقرر. ان الأمة لتحفظ لقوة العبقرية السياسية احتراماً خاصاً وتحمل كل أعمال يدها العليا، ولكن يا لتنفيها بمهارة!" "يا له من تدليس، اننا نعتمد على اجتذاب كل الأمم للعمل على تشييد الصرح الجديد الذي وضعنا نحن تصميمه[129]. ولهذا السبب كان من الضروري لنا أن نحصل على خدمات الوكلاء المغامرين الشجعان الذين سيكون في استطاعتهم ان يتغلبوا على كل العقبات في طريق تقدمنا. وحينما ننجز انقلابنا السياسيCoup detat سنقول للناس: "لقد كان كل شيء يجري في غاية السوء، وأنتم بالتأكيد احرار في اتهامنا، ولكن هل يمكن أن يكون حكمكم نزيهاً إذا نطقتم به قبل أن تكون لكم خبرة بما نستطيع أن نفعله من اجل خيركم؟"[130]. حينئذ سيحملوننا على أكتافهم عالياً. وان قوة التصويت التي درنا عليها الأفراد التافهين من الجنس البشري بالاجتماعات المنظمة وبالاتفاقات المدبرة من قبل، ستؤدي لنا ديننا الأخير وهي متلهفة، كي ترى نتيجة قضيتنا قبل أن تصدر حكمها. وكلي نحصل على اغلبية مطلقة ـ يجب أن نقنع كل فرد بلزوم التصويت من غير تمييز بين الطبقات. فإن هذه الأغلبية لن يحصل عليها من الطبقات المتعلمة ولا من مجتمع مقسم إلى فئات. فإذا أوحينا إلى عقل كل فرد فكرة أهميته الذاتية فسوف ندمر الحياة الأسرية[131] بين الأممين، وبهذه الوسائل سنخلق قوة عمياء إلى حد انها لن تستطيع أبداً أن تتخذ أي قرار دون ارشاد وكلائنا الذين نصبناهم لغرض قيادتها. ان نظام الحكومة يجب أن يكون عمل رأس واحد، لأنه سيكون من المحال تكتيله إذا كان عملاً مشتركاً بين عقول متعددة، وهذا هو السبب في انه لا يسمح لنا الا بمعرفة خطة العمل، وغيرت بتوالي الخضوع للتنقيحات ـ اذن لاختلطت بعد ذلك بنتائج كل اساءات الفهم العقلية التي تنشأ من أن المصورين لا يسبرون الأغوار العميقة لمعانيها، بل ستغير نظريتها الاقتصادية فحسب، في كل البلاد تقوم هذه الهيئات ذاتها ولكن تحت أسماء مختلفة فحسب: فمجالس نواب الشعب، ولا حاجة بي إلى ان اوضح لكم التركيب الآلي الذي يربط بين هذه الهيئات المختلفة، فهو معروف لكم من قبل معرفة حسنة. ولتلاحظوا فحسب ان كل هيئة من الهيئات السالفة الذكر توافي وظيفة مهمة في الحكومة. (ان استعمل الكلمة "مهمة" لا اشارة إلى الهيئات بل اشارة إلى وظائفها). لقد اقتسمت هذه الهيئات فيما بين انفسها كل وظائف الحكومة التي هي السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. فإذا آذينا أي جزء في الجهاز الحكومي فتسقط الدولة مريضة كما يمرض الجسم الانساني، فالدستور كما تعلمون ليس أكثر من مدرسة للفتن والاختلافات والمشاحنات والهيجانات الحزبية العميقة، قد مالت إلى جعل الملوك كسالى ضعافاً، ولهذا السبب عزلوا في كثير من البلاد. وبذلك صار في الامكان قيام عصر جمهوري، وعندئذ وضعنا في مكان الملك ضحكة[133] في شخص رئيس يشبهه[134] قد اخترناه من الدهماء بين مخلوقاتنا وعبيدنا. وهبت القلاقل من استحالة وجود رئيس حقيقة؟ اليس هذه القلاقل هي التي ستطيح نهائياً بالبلاد؟. ولكننا سنحرم هذا المجلس House سلطة تقديم القوانين وتعديلها. وهي حقه في أن يستأنف القرارات محتكماً إلى الشعب الذي هو فوق ممثلي الأمة[136] أي أن يتوجه الرئيس إلى الناس الذين هم عبيدنا العميان، وسنوضح هذا الامتياز بأن الحقيقة هي أن الرئيس ت لكونه رئيس الجيش ـ يجب أن يملك هذا الحق لحماية الدستور الجمهوري الجديد، وفي مثل هذه الأحوال سيكون مفتاح الموقف الباطني في أيدينا بالضرورة وما من أحد غيرنا سيكون مهيمناً على التشريع. ويضاف إلى ذلك اننا حين نقدم الدستور الجمهوري الجيد سنحرم المجلس ـ بحجة سر الدولة ـ حق السؤال عن القصد من الخطط التي تتخذها الحكومة. وبهذا الدستور الجديد سننقص كذلك عدد ممثلي الأمة إلى أقل عدد، منقصين بذلك عدداً مماثلاُ من هذا فاننا سنسمح للممثلين الباقين بالاحتكام إلى الأمة، وسيكون حقاً لرئيس الجمهورية أن يعين رئيساً ووكيلاً لمجلس النواب ومثلهما ولمجلس الشيوخ، والى ذلك سيكون لرئيس الجمهورية ـ باعتباره رأس السلطة التنفيذية ـ حق دعوة البرلمان وحله. وسيكون له في حالة الحل ارجاء الدعوة لبرلمان جديد. ولكن ـ لكيلا يتحمل الرئيس المسؤولية عن نتائج هذه الأعمال المخالفة للقانون مخالفة صارخة، وسننصح خاصة بأن تضم هذه الوظيفة إلى مجلس الشيوخ أو إلى مجلس شورى الدولة، أو إلى مجلس الوزراء، وبارشادنا سيفسر الرئيس القوانين التي يمكن فهمها بوجوه عدة. وهو ـ فوق ذلك ـ سينقض القوانين في الأحوال التي نعد فيها هذا النقض امراً مرغوباً فيه. وسيكون له أيضاً حق اقتراح قوانين وقتية جديدة، بل له كذلك اجراء تعديلات في العمل الدستوري للحكومة محتجاً لهذا العمل بأنه أمر تقتضيه سعادة البلاد. مثل هذه الاجراءات ستمكننا من أن نسترد شيئاً فشيئاً أي حقوق أو امتيازات كنا قد اضطررنا من قبل إلى منحها حين لم نكن مستحوذين على السلطة أولاً. ومثل هذه الامتيازات سنقدمها في دستور البلاد لتغطية النقص التدريجي لكل الحقوق الدستورية، وذلك حين يحين الوقت لتغيير كل الحكومات القائمة، أن تعرف حكمنا سيبدأ في اللحظة ذاتها حين يصرخ الناس الذين مزقتهم الخلافات وتعذبوا تحت افلاس حكامهم (وهذا ما سيكون مدبراً على أيدينا) فيصرخون هاتفين: "اخلعوهم، وهي الحدود والقوميات والأديان والديون الدولية ونحوها. حاكماً يستطيع أن يمنحنا السلام والراحة اللذين لا يمكن أن يوجدوا في ظل حكومة رؤسائنا وملوكنا وممثلينا"[138]. لكي يصرخ الجمهور بمثل هذا الرجاء، لابد أن يستمر في كل البلاد اضطراب العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، ومع تفشي الأمراض وكل ذلك سيمتد إلى حد أن لا يرى الأمميون (غير اليهود) أي مخرج لهم من متاعبهم غير أن يلجأوا إلى الاحتماء بأموالنا وسلطتنا الكاملة[139]. ولكننا إذا اعطينا الأمة وقتاً تأخذ فيه نفسها فإن رجوع مثل هذه الفرصة سيكون من العسير.