من كتاب علم الأصوات للدكتور كمال بشر رأى علماء العربية : من الجدير بالذكر أن علماء العربية منذ القديم ، قد أدركوا أن لأصوات «لم نر» سمات معيّنة ترشحها لتشكيل صنف خاص في منظومة الأصوات العربية . وهذا ما سلكه بالفعل شيخهم سيبويه . فبعد أن صنف الأصوات إلى قسميها الرئيسيين : «الأصوات الشديدة والأصوات الرخوة) ، انتحى نحو هذه الأربعة وأفرد لها إشارات خاصة، إدراكا منه أن لها ذوقا نطقيا مختلفا ، فهذه الأصوات (لم نر)، وإن اختلفت فيما بينها في بعض الخواص، (كالمخرج مثلا) - تشترك في مجموعها في ملمح يميّزها من بقية الأصوات الصامتة. هذا الملمح يمكن فهمه من عبارات عند وصفه لها . يقول : «ومنها المنحرف وهو حرف شديد (وقفة) جرى فيه الصوت (الهواء) لانحراف اللسان مع الصوت، ولم يعترض على الصوت ، وهو اللام . وليس كالرخوة ، لأن طرف اللسان لا يتجافى(لا يبعد) عن موضعه ، ولكن من مستدق " (جانب) اللسان فويق ذلك) . ويستمر سيبويه منتقلا إلى النون والميم ، فيقول : «ومنها حرف شديد يجرى معه الصوت، لأن ذلك الصوت غنة من الأنف ، فإنما تخرجه من أنفك واللسان لازم لموضع الحرف ، لأنك لو أمسكت بأنفك لم يخرج معه الصوت وهو النون وكذلك الميم» . أما بالنسبة للراء فيقول: «ومنها المكرر ، وهو حرف شديد يجرى في الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافي الصوت (أى بعد لإخراج الهواء) كالرخوة ، (الكتاب ، ج٢ ص ٤٠٦) . وتفسير كلام سيبويه هو أن اللام والنون والميم أصوات شديدة (أى وقفات، بتفسيرنا) من حيث إن الهواء عند إصدارها يقف عند نقطة النطق ، ولكن هذا الهواء في الوقت نفسه يخرج (أو يجرى بعبارة سيبويه) من منافذ أخرى . تتمثل هذه المنافذ في جانبى الفم كما في حال اللام وفي الأنف في حال النون والميم. ومعنى هذا أن هذه الأصوات الثلاثة تقع في إطار الأصوات الشديدة من جانب ، ولكنها مع ذلك تنفرد من جانب آخر بسمات نطقية أخرى مهمة ، هى جريان الهواء وخروجه حرًا طليقًا من منافذه عند النطق بها ، بدلا من خروجه منفجرا من موضعه ، أى من نقطة النطق بعد الوقفة ، وكذلك الحال مع الراء ، وجريان له وخروج ، ويؤخذ من هذه السمة ، سمة جريان الهواء وخروجه من منافذه. أم بحرية نسبية ، كما في الراء) - يؤخذ من هذه السمة أمر غاية في الأهمية . ذلك أن هذه الأصوات الأربعة (والثلاثة الأولى منها بوجه خاص) ، على الرغم من شدتها أى وقوف هوائها عند النطق ، ولكنها ليست منها. إنها تنحو نحوها أو تكاد تشبهها في ملمح واحد، هو مطلق مرور الهواء وخروجه من مخرج ما لا وقوفه ، كما هو الحال في الأصوات الشديدة . ولكن هناك فرقا (وهو فرق كبير) . فبينما يخرج هواء الأصوات الأربعة ويجرى في منافذه حرًا طليقا دون عائق (سواء أكان الجريان مستمرًا ، كما في اللام والنون والميم أم منقطعا ، كما في الراء) يخرج هواء الأصوات الرخوة متعسرًا ، معوقًا عوقا جزئيًا ، لمروره من منافذ ضيقة من الفم ، تسمح للهواء بالمرور وإن بشيء من العسر ، بحيث يحتك بأعضاء النطق ويحدث حفيفًا مسموعًا . ولعل انتحاء هذه الأصوات الأربعة الشديدة نحو الأصوات الرخوة وبدو اقترابها منها في خاصة مطلق مرور الهواء ، لا انفجاره بعد الوقفة - لعل هذا هو الذى دفع علماء العربية فيما بعد سيبويه إلى تسميتها أو نعتها بالأصوات (البينية)) أو « المتوسطة» أى المتوسطة بين الشدة والرخاوة. إنها - في رأيهم - من طائفة الأصوات الشديدة من جهة ، ولها نسب قريب وصلة من نوع ما بالأصوات الرخوة من جهة أخرى . وواضح على كل حال أن أساس هذه التسمية وذاك النعت يرجع الفضل فيه إلى سيبويه الذى يعد أول من لمح هذه الخواص لهذه الأصوات الأربعة (١) . زد على هذا أن سيبويه نفسه قد صرح بهذه «البينية» عند إشارته إلى صوت خامس ضمّة سيبويه (وغيره) إلى هذه الأصوات هذا الصوت الخامس وهو العين يقول سيبويه: «وأما العين فبين الرخوة والشدة» . فصارت الأصوات «البينية» أو «المتوسطة)) خمسة ، يجمعها قولهم «لن عمر» أو «لم نرع)) . ويبدو من كلام سيبويه عن صوت العين أنه أحس بأن هناك فرقا من نوع ما بينه وبين الأصوات الأربعة (اللام • النون - الميم - الراء) . ودليل ذلك أنه أفرد له كلامًا مستقَّلا بادتّا بالأداة «أما» التى تدل على مغايرة اللاحق للسابق ، وأنه نعته «بالبينية» بالتصريح ، والأهم من ذلك كله أن سيبويه لم ينعت العين بالشدة ، ولم يحاول ضمها أو نسبتها إلى • الأصوات الشديدة على العكس تماما مما صنع بالأصوات الأربعة (لم نر). وما فعله سيبويه هنا أمارة الإدراك الواعى لقيم هذه الأصوات وعمق «التذوق» لخواصها النطقية. ذلك أن الدرس الصوتى الحديث يقرر مؤكدًا أن صوت العين لا علاقة له بالأصوات الشديدة (الوقفات) من قريب أو بعيد ، وأنه - بمعايير التصنيف المقررة للأصوات - صوت رخو، باصطلاحهم أو احتكاكى بالاصطلاح الحديث . غاية الأمر أن هذا الصوت الاحتكاكى (الرخو) نفسه هو أقل الأصوات الاحتكاكية . فصوت العين إذن فيه شبهة الابتعاد عن الأصوات الرخوة وانتمائه في الوقت نفسه نحو قبيل آخر ، هو قبيل الأصوات التى يخرج هواؤها حرا بصورة أو بأخرى (وهى اللام والنون والميم والراء) ومن ثم ساغ لسيبويه نعت العين «بالبينية». ويمكن أن توجه شبهة من نوع آخر إلى صوت الراء . ذلك أن هواء هذا الصوت (كما قرر الجميع) لا ينفذ بحرية مستمرة ، وإنما ينفذ متقطعا نتيجة الوقوف والخروج . هذه السمة النطقية من شأنها أن تضعف انتماء هذا الصوت إلى قبيل اللام وأخواتها ، وتقرّبه من الأصوات ذات الهواء المعوق جزئيًا وهو الأصوات الرخوة (الاحتكاكية) : ويبدو أن هذه الشبهة قد خالت على سيبويه ، حيث نراه عند وصف الراء يشبه خروج هوائها بهواء الأصوات الرخوة . هو حرف شديد يجرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فتجافي للصوت (أى بعد اللسان لإخراج الهواء) كالرخوة» . ومعناه أن صوت الراء - على الرغم من حسبانه صوتًا شديدًا (أى وقفة) ، فإن تكرار خروج هوائه وقطع هذا الخروج المتكرر للوقفة ، يقرّبه - نوع قرب - من الأصوات الرخوة (الاحتكاكية). يبدو في ترددهم في وصف الراء ونسبتها إلى طائفة معينة من الأصوات . قي: هو ابن الجزرى مثلاً - بعد حسبانه الراء صوتا متوسطا بين الشدة والرخاوة ويضمها إلى أخواتها اللام والنون والميم والعين بقوله «ويجمعها قولك «لن عمر» - يعود فينزعها من هذه المجموعة وينسبها إلى الأصوات الرخوة (الخالصة) . وهذه عبارات ابن الجزرى الدالة على التردد في الحكم على هذا الصوت : «والمتوسطة بين الشدة والرخاوة خمسة يجمعها قولك «لن عمر» . ثم يقول بعد في مكان آخر : «والمجهورة الرخوة خمسة الغين والضاد والظاء والذال المعجمات والراء»(١) . فانتحى نحو عبارة سيبويه التى أوردناها سابقا والتى تكتفي بتشبيه خروج هواء الراء بهواء الأصوات الرخوة ، فقال : «وقال سيبويه وغيره هو حرف شديد يجرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام فصار كالرخوة) . ولم يكتف ابن الجرزى بهذا ، وهكذا يصحح نفسه بنفسه أو يكاد يصنع ذلك بتسجيله رأى المحققين . فهذه الشبهة التى تراءت لكل من سيبويه وابن الجزرى بالنسبة لموقع الراء من الأصوات، شبهة لا مسوغ لها ، حيث إن خروج هواء الراء يتم بحرية وإن كان متقطعًا ، في حين يخرج هواء الأصوات الرخوة ممتدًا محتكًا بأعضاء النطق لوجود عائق جزئي يتمثل في ضيق مجرى الهواء . وليس للراء نصيب من هذا الاحتكاك مطلقًا ، وذلك بوصفه لها بالشدة ، وشتان ما بين القبيلين. وزاد ابن جنى وغيره عليها ثلاثة ، وهى الألف والياء والواو ، وسماها جميعًا «الحروف التى بين الشديدة والرخوة) . يقول ابن جنى : «والحروف التى بين الشديدة والرخوة ثمانية . وهى الألف والعين والياء واللام والنون والراء والميم والواو . ويجمعها في اللفظ «لم يرو عنا ، وإن شئت قلت لم يُروّعنا . وإن شئت قلت لم يرعونا» (سر صناعة الإعراب - ج ١ ص ٧٠). وهذا الذى رآه ابن جنى هنا غير دقيق من وجهة نظرنا ، ومن وجهة نظر معيار «البينية» كما قرّره سيبويه وغيره . والكلام في هذا الباب كله مُنْصبُّ على مجموعة من الأصوات الصامتة (أو الحروف بعبارتهم) التى تعد في نظر الكافة قسيمًا ومناظرًا للحركات ، لا جزءًا منها ولا منتمية إليها. وبهذا تخرج الألف نهائيًا من الأصوات المتوسطة. ونزع الألف من الأصوات المتوسطة وارد عن بعضهم ، كما يفهم من كلام ابن الجزرى ، حيث يقول : «والمتوسطة بين الشدة والرخاوة خمسة يجمعها قولك لن عمر . وأضاف بعضهم إليها الياء والواو» فلم يرد في النص ذكر للألف وهو أدق مما فعل ابن جنى . وكذلك الياء والواو ليستا من الأصوات المتوسطة بالمعيار الذى قرره سيبويه ، هذا المعيار - كما هو واضح مما سبق - يتمثل في اتسام نطق الصوت المتوسط بالشدة (الوقفة) وبالرخاوة المتزامنة ، ممثلة هذه الرخاوة في مرور الهواء بصورة من الصور من منافذ معينة . وواضح أن الياء والواو في عبارة ابن جنى - وإن كان خروج الهواء عند نطقها في شبهة الاقتراب من هواء بعض الأصوات الرخوة (الاحتكاكية) - لا علاقة لهما ألبتة بالشدة (الوقفية) . وهذا هو حكم هذين الصوتين دائمًا إذا أتبعا بحركة أو وقعا ساكنين بعد فتح ، كما في حوض وبيت، (ولكنهما حركتان خالصتان (طويلتان) في مثل أدعو - القاضى) . ومع ذلك فمازالت هناك شبهة تسوغ لابن جنى ما صنع بالنسبة لهذين الصوتين (الياء والواو) . ذلك أن طريقة خروج هوائهما عند النطق تقريهما من الأصوات المتوسطة (ل م ن ر) في ظاهرة سمعية ، هى قوة الوضوح السمعى . ولعل هذه الظاهرة نفسها هى التى دعت بعض الباحثين إلى نظمهما في سلك ما سموه الأصوات «الرنانة)» أو «الرنينيات)) resonants (وهى اللام والنون والميم والراء والواو والياء) . ورأينا أن صوتى الواو والياء (المتبوعين بحركات أو الساكنين بعد فتح) الأولى بهما أن يصنفا قسمًا مستقّلا من الأصوات الصامتة ، له شبه بالأصوات المتوسطة من جهة وبالحركات من جهة أخرى . (انظر القول في الواو والياء فيما بعد) . ينتهى القول بنا إذن إلى تقرير أن الأصوات المتوسطة التى تحققت في نطقها المعايير التى وضعها سيبويه هى باتفاق الجميع أربعة : اللام والنون والميم والراء ، بعد نزع العين والواو والياء (والألف بالطبع) من هذا القبيل ، لانتفاء بعض الخواص التى تنتظمها هذه المعايير. وواضح من جملة ما قدمنا أن علماء العربية يقصدون بتوسط هذه الأصوات توسطها بين الشديدة (الوقفات) والرخوة (الاحتكاكيات) ، لانتظامها شيئًا من خواص كل من القبيلين معًا ، ومن ثم كانت التسمي الأخرى المشار إليها «البينية» . أما نحن فلنا رأى آخر في تفسير هذا المصطلح ، وإن كنا نتفق معهم في جملة ما قرروه بالنسبة للخواص المميزة لهذه الأصوات الأربعة . هذه الخواص تسوغ لنا تفسيز التوسط بواحد من اثنين . الأول : حسبان هذه الأصوات متوسطة ، بمعنى أنها تشكل قسمّا ثالثا من الأصوات الصامتة Consonants ، وهو قسيم مستقل عن الشديدة والرخوة كلتيهما . ذلك لأن الخواص النطقية لهذا القسيم - وإن كان بعضها يوحى بشبه من نوع ما لبعض أصوات القسيمين الآخرين - وتحيلها ضربًا مستقلًا بنفسه . الثانى : اللام والميم والنون والراء أصوات متوسطة ، نعم . ولكن هذا التوسط ليس بين الأصوات الشديدة والأصوات الرخوة ، وإنما بين الأصوات الصامتة جميعا (الشديدة والرخوة) والحركات . فهذه الأصوات الأربعة مازالت من الصوامت Consonants بحكم المعايير الأساسية للتصنيف ، ولكنها في الوقت نفسه ذات شبه كبير ونسب قريب بالحركات من الناحيتين النطقية والسمعية . يتبين لنا ذلك من جملة الخواص الآتية : 1. اللام والميم والنون تشترك مع الحركات في أهم خاصة من خواصها النطقية ، وهى حرية مرور الهواء ، دون أى عائق أو مانع . أما هواء الراء - وإن كان يخرج من الفم متقطعًا - فما يزال يشبه هواء الحركات في حرية الخروج، كلما انفصل اللسان عن نقطة النطق . 2. اللام والميم والنون والراء كلها مجهورة، شأنها في ذلك شأن الحركات. 3. هذه الأصوات الأربعة تشبه الحركات في خاصة سمعية مهمة، تتمثل فيما يعرف بالوضوح السمعى Sonority، وذلك نتيجة طبيعية لحرية مرور الهواء عند نطق هذه الأصوات جميعًا . لهذا نرى نعت هذه الأصوات الأربعة بنعت ينبئ عن هذه الأصوات الصامتة . هذا النعت هو «أشباه الحركات» . وهناك شواهد أخرى في التراث الصوتى تدل على خصوصية هذه الأربعة. من ذلك مثلا ما يراه الدكتور إبراهيم أنيس من أن أكثر الأصوات توظيفا في الروى هى ، (بهذا الترتيب) : «الراء واللام والميم والنون، ثم (الباء والدال والسين والعين) . واختيار هذه الأصوات في الروى دليل امتيازها بقوة الإسماع الذى يزيد من روعة موسيقى الشعر ونغمات الإنشاد . ومن هذه الشواهد كذلك أن اللام والميم والنون والراء انفردت (مع الفاء والباء) بتشكيل نمط خاص من الأصوات ، عرف بأصوات «الذلاقة» أى أصوات (في مفهومها البلاغى والأدائى) تمتاز بسهولة النطق وخفته، كما تمتاز بكثرة التوظيف في اللغة (١) . ومن الطريف أن ما يقابل هذه الأربعة في لغات أخرى يفصح عن هذه الخواص ونحوها . جرت الدراسات الصوتية التقليدية على تسمية اللام والراء بالأصوات (السلسة أو اللينة» Liquids (ويترجمها بعضهم خطأ بالمائعة)، وتنسحب هذه التسمية أيضا على الميم والنون عند بعض الدارسين، ويطلقون عليها جميعًا «أشباه الحركات» Vowel-like consonants، كما قررنا سابقًا . ويزيد من تعميق الشبه بين هذه الأصوات والحركات إطلاق المصطلح «الصائتية» Vocalic عليها ، نسبة إلى (صائت) ، وهو الحركة في عرف الجميع بلا منازع . وقد يشار إليها كذلك بالمصطلح بالأصوات «المقطعية» Syllabic. وهى في هذا تقف على قدم المساواة مع الحركات، إذ الحركات - كما هو معلوم - تمثل قمة المقاطع . كل هذا الذى تقدم يسوغ لنا قبول المصطلح «الأصوات المتوسطة» ولكن بتفسير التوسط بأنه بين الأصوات الصامتة جميعًا (شديدة ورخوة) والحركات أو الصوائت Vowels . ومن جهة أخرى، فسميناها «أشباه الحركات». وقد اكتشف العرب أن لهذه الأصوات الأربعة (ل. م. ن. ر) خاصة أخرى تنضاف إلى مميزاتها التى شكلتها صنفًا قائما بذاته في إطار الأصوات الصامتة. هذه الخاصة الأخرى عبروا عنها في القديم بوصفه «بأصوات الذلاقة)) . ابتكره الخليل ابن أحمد وأطلقه على هذه الأصوات الأربعة منضمًا إليها الباء والفاء ، وما إن ظهر هذا المصطلح في كتاب (العين» حتى تلقفه علماء العربية وغيرهم ممن عنوا بفن القراءة والإقراء ، وأخذوا في تفسيره ، أشهرها اثنان . الأول : يرى فريق منهم أن «الذلاقة)» ذات مفهوم بلاغى يتعلق بسهولة النطق وذرب اللسان وحدته . ولكن أصواتها عند هذا الفريق تتوزع على منطقتين من مناطق النطق : ثلاثة «ذولقية) أو «ذلقية» - نسبة إلى ذلق اللسان أى طرفه - وهى الراء واللام والنون ، وثلاثة شفوية وهى الباء والميم والفاء . فمخارجها من مدرجة واحدة لصوت بين الشفتين لا عمل للسان في شىء منها . والحيز الآخر حيز اللام ، فيه ثلاثة أحرف ، كما ترى ، ل رن ، مخارجها من مدرجة واحدة بين أسلة اللسان ومقدم الغار الأعلى . فهاتان المدرجتان هما موضع الذلاقة ، وحروفها أخف في النطق وأكثرها في الكلام وأحسنه في البناء». الثاني : يرى فريق آخر أن مصطلح الذلاقة يعنى صفة مخرجية ، فيطلقه على هذه الأصوات الستة ، ولكن بالنسبة إلى مخارجها ، بقطع النظر عما يرتبط بها من خفة وسهولة في النطق. يقول ابن سنان الخفاجى: «ومن الحروف (حروف الذلاقة) . ومعنى الذلاقة أن يعتمد عليها بذلق اللسان وهو طرفه . وذلق كل شىء حده . وهى ستة أحرف اللام والراء والنون والفاء والباء والميم» . وهذا الاتجاه نفسه أخذ به ابن جنى وغيره من الدارسين ، على أساس أن هذه الحروف يعتمد عليها «بذلق اللسان وهو صدره وطرفه». وهناك من الدارسين من ينتهج نهج هذا الفريق الثانى في نسبة هذه الأصوات جميعها إلى ذلق اللسان أو طرفه ، ولكنهم في الوقت نفس يخلعون عليها صفة الخفة والحسن في الأداء . يقول صاحب الجمهرة : «وسمعت الأشناندانى يقول: سمعت الأخفش يقول: سميت هذه الحروف مذلقة لأن عملها في طرف اللسان وطرف كل شىء ذلقه . وهى أخف الحروف وأحسنها امتزاجا بغيرها)». من الواضح أن نسبة الحروف الثلاثة الفاء والباء والميم إلى ذلق اللسان نسبة فيها تجاوز بل غير صحيحة ، إذ لا دخل للسان ألبتة في نطق هذه الحروف؛ ولذلك كان ابن الجزرى أدق من غيره حين قرر (النشر ج ١ ص ٢٠ ) أن حروف الذلاقة ثلاثة فقط هى اللام والراء والنون وقال: «هذه الثلاثة يقال لها ذلقية نسبة إلى موضع مخرجها وهو طرف اللسان ، إذ طرف كل شىء ذلقه». ولكن الموضوع - في حقيقة الأمر - لم يقف عند هذا الحد بل امتد لينتظم مسائل أخرى مهمة ، تفرعت - في أساسها - عن دلالة حروف الذلاقة وقيمتها الصوتية . من أشهر هذه المسائل وأهمها ما عمد إليه الخليل من اتخاذ هذه الحروف معيارًا صوتيا للتعرف على أصالة أبنية معينة من الكلمات أو توليدها وابتداعها ، أو للحكم على «عروبتها» أو «عدم عروبتها)». يقرر الخليل أن حروف الذلاقة - لما خفت في النطق وسهل على اللسان مذاقها - كثرت في أبنية كلام العرب . لأنك لست واجدًا من يسمع في كلام العرب كلمة واحدة رباعية أو خماسية إلا وفيها من حروف الذلق والشفوية واحد أو اثنان أو أكثر (١). هذا الحكم الذى قرره الخليل بالنسبة لعروبة هذه الأبنية أو عدم عروبتها ينسحب على البناء الخماسى مطلقا دون استثناء . وأما البناء الرباعى فقد أشار الشيخ إلى جواز وقوع كلمات منه خالية من هذه الحروف ، ولكنها كلمات قليلة، ولها في الوقت نفسه سمات معينة ، بحيث تقع في واحد من الإمكانات التالية: 1. يخلو البناء الرباعى من حروف الذلاقة، لكن مع وجوب احتوائه على صوتى العين أو القاف، وذلك - كما قرر - لما يتسمان به من طلاقة ووضوح جرس، كما في (العسجد والقداحس» . 2. إذا كان البناء الرباعى اسما فمن الجائز خلوه من حروف الذلاقة، 3. وسوغ هذا في نظره أن «الدال لانت عن صلابة الطاء وكزازتها وارتفعت عن خفوت التاء فحسنت. وصارت حال السين بين مخرج الصاد والزاى فعذبت» . 4. إذا كان بناء الرباعى مؤلفًا لحكاية الأصوات جاز خلوه من أحرف الذلاقة ، كما في «دهداق» . إذ يجوز خلوه من حروف الذلاقة ، وبخاصة إذا كان «حكاية مؤلفة» لتقليد الأصوات أو الأحداث المعبر عنها بهذا البناء ، كما في «الضكضاكة» من النساء ، وذلك لأن الحكاية المضاعفة يجوز فيها «مالا يجوز في غيرها من تأليف الحروف» . أو بعبارة أخرى، لأن المضاعف (للحكاية) «يجوز فيه كل غث هذه المعايير الصوتية الرائعة فتحت مجالاً واسعًا أمام الدارسين، ومكنتهم من تعرف الكلمات الأجنبية تعرفا علميًا عن طريق النظر في خواصها الصوتية. وما كان ذلك ليقع لهم إلا بفضل الخليل الذى أدرك بثاقب نظره قيمة هذه الأصوات الستة التى شغلته وشغلت الباحثين من بعده. وقد انتقل هذا المبدأ المهم إلى أعمال من خلفوه الذين تأكد لهم. صدق ما قرره الشيخ الأول . من هؤلاء ابن جنى الذى صرّح بما صرح به الخليل ، وإن كان ذلك في عبارة أوضح وأسهل منالاً . وذلك أنك متى رأيت اسمًا رباعيًا أو خماسيًا غير ذى زوائد، فلابد فيه من حرف من هذه الستة أو حرفين وربما كان فيه ثلاثة» . ثم ينتقل إلى بقية القصة مقررًا أنك إذا «وجدت كلمة رباعية أو خماسية معراة من بعض هذه الأحرف الستة فاقض بأنه دخيل في كلام العرب وليس منه. وربما جاء بعض ذوات الأربعة معرى من بعض هذه الستة ، وهو قليل جدًا ، منه (العسجد والعسطوس والدهدقة والزهزقة. على أن العين والقاف قد حسنتا الحال لنصاعة العين ولذاذة مستمعها وقوة القاف وصحة جرسها ولاسيما وهناك الدال والسين . وذلك أن الدال لانت عن صلابة الطاء وارتفعت عن خفوت التاء. والسين أيضا لانت عن استعلاء الصاد ورقت عن جهر الزاى فعذبت وأنسلت» . وليس ينفرد ابن جنى بهذا التأثر وذاك النقل عن الخليل ، فإنك لو تتبعت آثار الدارسين على اختلاف مناحيهم لوجدت هذه الفكرة وما ارتبط بها من قضايا مبثوثة هنا وهناك في أعمالهم على فترات الزمن المختلفة . وإنما كان اقتصارنا هنا على أبى الفتح لتأكيد فكرة التأثر هذه بذكر واحد من أشهر خاصتهم الذين يرجى معهم أن يكونوا دائمًا مبتكرين لا مقلدين أو مرددين لأقوال غيرهم، كما هو الحال عادة عند عامة الباحثين منهم . وتظهر النقطة الثانية التى تشير إلى معرفتهم العميقة بأسرار الأصوات وخواص لغتهم في تلك الحقيقة الناصعة التى تقرر أن هذه الأصوات الستة هى أكثر الأصوات العربية وروذا في أبنية الكلمة ، وبخاصة الأبنية ذات الأصل الثلاثى . يؤكد هذه الحقيقة ما قام به علم اللغة الإحصائى في السنوات الأخيرة. لقد جاء في بحث إحصائى قيم أجراه الدكتور على حلمى موسى على «الجذور الثلاثية» للكلمات العربية ، كما وردت في معجم «الصحاح» ، أن أكثر الأصوات العربية ورودًا في هذه الجذور هى الأصوات التالية على الترتيب: «الراء - الميم - النون - اللام - الباء - العين - الفاء» ثم الدال - القاف - السين. وهكذا نرى أن أصوات الذلاقة قد فازت بالمرتبة الأولى من حيث تسمية ورودها وكثرتها في الاستعمال وفي بناء الأصول الثلاثية . وهناك سر لطيف ربما ينتفع به في تفسير هذه الظاهرة . ذلك أن أصوات اللام والميم والنون والراء (لم نر) تنماز من بقية الأصوات الساكنة كما سبق أن قررنا ، بخاصة صوتية تقربها من الحركات وترشحها لهذه الرتبة: رتبة السبق والتفوق من حيث كثرة دورانها على اللسان وخفتها في النطق . نعنى بهذه الخاصة «قوة الوضوح السمعى» . ولهذا الشبه الواضح أطلقنا نحن على هذه الأصوات الأربعة المصطلح «أشباه الحركات» . كما سبق أن ذكرنا . ويبدو أن علماء العربية قد أدركوا هذه الخاصة الصوتية المميزة فسموها (الأصوات المتوسطة» ، وضموا إليها صوت العين وجمعوها جميعًا في قولهم «لن عمر» أو «لم نرع» وضم العين إلى هذه الأصوات الشبيهة بالحركات ( أو المتوسطة ) له ما يسوغه. ذلك أن العين - كما قرر العلم الحديث - أضعف الأصوات الاحتكاكية احتكاكا ، وذلك يعنى اتساع مجرى الهواء نسبيًا عند نطقها ، الأمر الذى يسمح بشئ من حرية مرور الهواء، وذلك وضع يقربها من الحركات بصورة أو بأخرى . وقد لحظ الخليل (وغيره) شيئًا مما نقول في هذا الشأن حيث قرر أن بالعين «طلاقة ووضوح جرس) ، ومن ثم وجب أن تشتمل عليها الأبنية الرباعية من الكلم التى تخلو من حروف الذلاقة . ١) من الواضح أن نسبة الحروف الثلاثة الفاء والباء والميم إلى ذلك اللسان نسبة فيها تجاوز بل غير صحيحة ، إذ لا دخل للسان ألبتة في نطق هذه الحروف : ولذلك كان لبن الجزرى أدق من غيره حين قرر (النشر ج ١ ص ٢٠) أن الحروف الذلاقة ثلاثة فقط هى اللام والراء والنون وقال: «وهذه الثلاثة يقال لها ذلقة نسبة إلى موضع مخرجها وهو طرف اللسان ، إذ طرف كل شىء ذلقه". أما الباء والفاء وهما الصوتان الباقيان من أصوات الذلاقة فربما سوغ كثرة ورودهما وكثرة استعمالهما النسبى في الكلام العربى سهولة نطقهما وخفة تناولهما ، لخروجهما من أدنى مخارج النطق ، تلك المخارج التى تتمثل في الشفتين في حال الباء والأسنان العليا والشفة السفلى في حال الفاء. وهى مخارج - كما ترى - لا تحتاج إلى عناء أو مجهود يذكر عند استخدامها في عملية النطق ، ولأمر ما كانت الكلمتان «بابا وماما» أولى الكلمات أو من أولى الكلمات التى يبدأ الطفل بها حياته اللغوية ، وذلك أمر معروف مشهور . ووقوع الدال والقاف والسين في المرتبة الثانية من حيث كثرة الورود والاستعمال له ما يفسره ويوضح أسراره . لقد تكفل علماء العربية أنفسهم بهذا التفسير وذاك التوضيح ، فهذه الحروف الثلاثة تنتظم صفات تقريها من صفات حروف الذلاقة وتجعلها شبيهة بها . ففي القاف قوة وصحة جرس ، كما قال ابن جنى. وفي الدال عذوبة ولين ففاقت أختيها التاء والطاء .