قوله تعالى في سورة الحديد : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ [ الحديد : ٤ ] وقوله في سورة المجادلة : ﴿ وَلَا أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كانُوا ﴾ [المجادلة : ٧ ] ولكن ما حقيقته وظاهره ؟ هل يُقال : إن ظاهره وحقيقته أنَّ الله تعالى مع خلقه معية تقتضى أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم ؟ أو يُقال : إن ظاهره وحقيقته أنَّ الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مُحيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبَصَراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك من معانى ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه ؟ ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله عز وجل وهو أعظم وأجل من أن يُحيط به شيء من مخلوقاته ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان وإنَّما تَدلُّ على مُطلق مُصاحبة ثم تفسر في كل موضع بحسبه . ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطاً لامان أو حالاً في أمكنتهم فضلاً عن أن تستلزم ذلك ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضى أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسُلْطَاناً وغير ذلك مِمَّا تَقْتَضيه ربوبيته مع عُلُوه على عرشه فوق جميع خلقه . ثم قال : ( فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضى في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها وإن امتاز كل موضع بخاصية فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عزَّ وجلَّ مُختلطة بالخلق حتَّى يُقال قد صرفت عن ظاهرها ، فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدير شؤونهم فيُحيى ويُميت ويُغنى ويُفقر ويؤتى الملك من يشاء وينزع الملك مِمَّن يَشَاء وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاء وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه لا يحجبه عن خلقه شيء ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (١٤٢) جـ (٣) من مجموع الفتاوى لابن قاسم في فصل الكلام على المعية قال : ( وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه مِنْ أنَّه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة ، وقال في الفتوى الحموية ص (۱۰۲) - (۱۰۳) جـ (٥) من المجموع المذكور : ه وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسُّنَّة يَحْصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر کتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يُناقض بعضه بعضا ألبتة مثل أن يقول القائل : ما فى الكتاب والسنة من أنَّ الله فوق العرش يُخالفه الظاهر من قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ) وقوله الله : ( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبْلَ وَجْهه ) (۱) ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش . واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يُنَاقِضُ مَاثَبَتَ من علو الله تعالى بذاته على عرشه وذلك من وجوه ثلاثة : الأول : أنَّ الله تَعَالَى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما . وكل شيء في القرآن تَظُنُّ فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك لقوله تعالى : ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) [النساء : ۸۲ ] فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون : ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلِّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ [ آل عمران : 7 ] وكل الأمر إلى منزله الذى يَعْلَمُه واعلم أن القُصُور في عِلْمِك أو فى فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه . وكذلك ابن القيم كما فى مختصر الصواعق لابن الموصلى ص (٤١٠) ط الإمام في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز قال : « وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن بين الأمرين كما قال تعالى - وذكر آية سورة الحديد - خلقه ثم قال : ( فأخبر أنه خلق السموات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال : ( والله فَوْقَ الْعَرْشِ يَرَى مَا أنتُم عَلَيْهِ ) (۱) فعلوه لا يُناقض مَعِيَّته ومَعِيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق و أ هـ . الوجه الثاني : أن حقيقة معنى المعية لا يُناقض العلو فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال : مازلنا نسير والقمر معنا ولا يعد ذلك تناقضاً ولا يَفْهَمُ مِنْه أحد أن القمر نزل في الأرض فإذا كان هذا ممكناً في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع عُلُوه سبحانه من باب أولى وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (۱۰۳) المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم حيث قال : « وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها فى اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعانى دلت على المقارنة في ذلك المعنى فإنه يقال : مازلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا ويقال : هذا المتاع معى لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة ، وصدق رحمه الله تعالى فإنَّ من كان عالماً بك مُطلعاً عليك مهيمناً عليك يسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويُدبّر جميع أمورك فهو معك حقيقة وإن كان فوق عرشه حقيقة لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان . الوجه الثالث : أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعاً في حق الخالق الذى جمع لنفسه بينهما لأنَّ الله تعالى لا يُماثله شيء من مخلوقاته كما قال تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [ الشورى : ١١ ] وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (١٤٣) ج (۳) من مجموع الفتاوى حيث قال : ( وما ذُكر فى الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافى ما ذكر من عُلُوه وفوقيته فإنَّه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو على في دنوه قَرِيبٌ في عُلُوه ، ( تنبيه ثالث ) اعلم أيها القارىء الكريم أنه صدر منى كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معية الله تعالى لخلقه ذكرت فيها : أن عقيدتنا أن الله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شيء علماً وقدرةً وسَمْعاً وبَصَراً وسلطاناً وتدبيراً وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم بل هو العلي بذاته وصفاته وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله وأن ذلك لا يُنافى معيته لأنه تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [الشورى : ١١ ] . وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض كيف وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى إنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم وأنه العلي بذاته وصفاته وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وقلت فيها أيضا ما نصه بالحرف الواحد : ه وترى أن من زعم أن الله بذاته فى كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أوأئمتها ،