يُعد عبد الرحمن الناصر لدين الله من أعظم حكام الأندلس، فقد استطاع خلال حكمه الذي دام خمسين عامًا تحويل إمارة ضعيفة ومفككة إلى خلافة قوية، تنافس في عظمتها بغداد والقاهرة. تولى الحكم شابًا في الثانية والعشرين من عمره (عام 300هـ/912م)، وواجه تحديات جسيمة من الثورات الداخلية والتهديدات الخارجية، لكنه بحنكته السياسية والعسكرية أرسي أسس عصر ذهبي للأندلس في كافة المجالات. ولد في قصر قرطبة عام 277هـ (891م) وينتمي للأسرة الأموية العريقة. نشأ في كنف جده الأمير عبد الله، وتلقى تربية أميرية راقية، وتميز بذكاء حاد وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وأتقن فنون القتال والإدارة. وصفه المؤرخون بأنه وسيم الطلعة، ذو هيبة ووقار، وتمتع بحكمة سياسية نادرة ورؤية استراتيجية مكنته من بناء دولته. تسلم الحكم بعد وفاة جده، وكانت الأندلس حينها تعاني من تفكك كبير وسيطرة المتمردين على معظم الأقاليم. أظهر الناصر عزيمة قوية لتوحيد البلاد، فكرس السنوات العشر الأولى من حكمه للقضاء على ثورة عمر بن حفصون بعد ثماني سنوات من المعارك (سقطت قلعة ببشتر 316هـ/928م). ثم أخضع إشبيلية وطليطلة وسرقسطة ومدنًا أخرى، وبحلول عام 316هـ، كان قد وحد كامل أراضي الأندلس تحت سلطته. في 3 ذي الحجة 316هـ (16 يناير 929م)، أعلن عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة للمسلمين بلقب "الناصر لدين الله"، متخذًا "أمير المؤمنين" كلقب رسمي له. جاء هذا الإعلان بعد استتباب الأمن ووحدة الأندلس، وكمحاولة لمواجهة الخلافة الفاطمية الصاعدة في المغرب والخلافة العباسية في المشرق، مؤكدًا استقلاله التام وسيادته. خاض عبد الرحمن الناصر عشرات المعارك ضد الممالك المسيحية في الشمال، وبلغ مجموع حملاته العسكرية 52 حملة، حيث بنى سلسلة من القلاع والحصون لحماية الحدود. من أبرز انتصاراته معركة سان إستيبان دي غورماز عام 303هـ (917م). لكنه واجه تحديًا كبيرًا في معركة سمورة أو الخندق عام 327هـ (939م) ضد تحالف راميرو الثاني ملك ليون، حيث تكبد الجيش الأموي خسائر فادحة بسبب تكتيكات المسيحيين غير المتوقعة. ورغم أنها كانت صدمة وكسرت سلسلة انتصاراته، إلا أنها لم تكن حاسمة، فقد أعاد الناصر تنظيم جيشه بسرعة وشن حملات انتقامية، وعزز التحالفات مع زعماء مسيحيين لتقسيم أعدائه، مما أعاد التوازن العسكري. قام الناصر بإصلاحات إدارية وعسكرية شاملة، فأسس جيشًا نظاميًا قويًا اعتمد على البربر المغاربة والصقالبة والمتطوعين. وقسم الدولة إلى ستة أقاليم رئيسية مع ولاة يعينهم مباشرة، وأنشأ نظامًا قضائيًا مستقلًا، وطور دواوين الدولة. شهد عصره نهضة عمرانية ومعمارية غير مسبوقة، أبرزها بناء مدينة الزهراء الفخمة، التي استغرقت 25 عامًا وبلغت تكلفتها ثلث ميزانية الدولة، وشملت قصر الخلافة ومسجدًا جامعًا وحدائق. كما وسع الجامع الكبير بقرطبة وأنشأ العديد من الجسور والطرق. اقتصاديًا، حققت الأندلس في عهده ازدهارًا كبيرًا. في الزراعة، طور أنظمة الري وأدخل محاصيل جديدة كالأرز وقصب السكر. ازدهرت الصناعات المختلفة مثل النسيج والحرير والزجاج والخزف والأسلحة والورق. ونمت التجارة الداخلية والخارجية بشكل هائل، فكانت قرطبة مركزًا تجاريًا عالميًا تصل بضائعها إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا. توفي عبد الرحمن الناصر لدين الله في 2 رمضان 350هـ (15 أكتوبر 961م) بعد حكم دام خمسين عامًا. خلفه ابنه الحكم المستنصر بالله. ترك الناصر وراءه دولة مترامية الأطراف، موحدة وقوية، وعاصمة قرطبة منارة للحضارة والعلم، تنافس بغداد والقاهرة في عظمتها وتألقها.