فلكل مجتمع مشكلاته الخاصَّة النابعة من مجموع خصائصه البنيويَّة والأحداث التي عاصرها. ومن الملاحظ للعيان أنَّ بعض هذه المشكلات يظل هادئاً كامناً في أعماق المجتمع مستتراً بعيداً عن دائرة الضوء، بينما البعض الآخر منها يظهر بقوةٍ وإصرار محدثًا دويًّا يسمعه الجميع ويشدّهم إليه فارضًا وجوده على المجتمع بحدِّ ذاته لما له من آثار سلبيَّة. ومن بين هذه المشكلات المعاصرة مشكلة العنف وبالأخصّ (مشكلة العنف الأُسري) الذي تعاني منها كل المجتمعات المتقدِّمة والنامية على حدٍّ سواء وبمعدَّلات مختلفة. إنما هي ظاهرة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني حتى تصل إلى بدء الوجود الإنساني على وجه هذه البسيطة، تبقى ظاهرة العنف سمة من سمات البشر يتسم به الفرد والجماعة، فيلجأ الإنسان لتأكيد الذات بالعنف من خلال ضغط جسمي أو معنوي ذي طابع فردي أو جماعي، ويعد العنف ظاهرة اجتماعية عالمية شاملة، حيث بات شيوع كلمة العنف ومفرداتها أمرًا طبيعيًّا في السياق الكلامي لأفراد المجتمع، وفي وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، كما ارتبطت هذه الكلمة بكثير من الظواهر والأحداث مثل التطرُّف، والعنف ضدّ المرأة من خلال الاغتصاب، كما أكَّدت العديد من الدارسات أنَّ من بين أهمّ أسباب تفشِّي ظاهرة العنف في المجتمعات العربيَّة عموماً، والأزمات الاقتصادية الخانقة واضطراب العلاقة بين الوالدين، وانتشار الطلاق النفسي بين الأزواج، وعلى الصعيد السوسيولوجي يرى علماء الاجتماع أنه عندما تغيب لغة الحوار تصبح القوة هي اللغة السائدة بين أفراد المجتمع ويحل العنف مكان الود، لأن العنف أصبح سيد الموقف والعنف أنواع (كما ذكرنا أعلاه) وما يعنينا في هذا السياق هو العنف الأسري الذي يشكل محور اهتمامنا باعتباره أحد أهم وأخطر أنواع العنف المجتمعي. لقد استرعى العنف الأسري انتباه الباحثين في شؤون الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى في المجتمع وركيزته الأساسية. وخلصوا إلى أن العنف الأسري بات يشكل خطراً على استقرار وتوازن المجتمع، ووجدوا أن العنف الأسري يتمظهر من خلال فرض القوي لسلطته على الضعيف لتسخيره في تحقيق إرادته، كما وجدوا أنه ليس بالضرورة أن يكون الممارس للعنف الأسري هو أحد الأبوين، وإنما يمكن أن يكون الفرد الأقوى في الأسرة. بناءً على ما تقدم سنحاول في هذه الدراسة مناقشة العناصر التالية: أولاً- مفهوم العنف الأسري: يُعرف العنف لغوياً بأنه كل قول أو فعل ضد الرأفة والرفق واللين، أما اصطلاحياً هو كل سلوك عدواني يتجه إلى الاستخدام غير الشرعي للقوة أو التهديد بهدف إلحاق الضرر بالغير، وهو نقيض الرفق لأنه صورة من صور القوة المبذولة على نحو غير قانوني بهدف إخضاع طرف لإرادة طرف آخر. ورغم تعدد العوامل المؤدية إلى العنف، فإن الشعور الاجتماعي والضمير والإحساس بالذنب كذلك مشاعر فطرية لدى الفرد، ومهما اختلفت الدوافع والوسائل والأهداف والنتائج، فإنها جميعها تشير إلى مضمون واحد وهو العنف الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالذات أو بالآخر. أو يقصد به ” سوء معاملة شخص لشخص آخر تربطه به علاقة وثيقة، مثل العلاقة بين الزوج والزوجة، وبين الأبناء وبين الإخوة، وبين الفتاة وخطيبها ويتداخل مفهوم العنف الأسري مع مفاهيم كثيرة قريبة منه مثل: العنف المنزلي أو سوء معاملة أحد الزوجين للآخر أو سوء معاملة الأطفال وغير ذلك من المفاهيم تشترك في المعنى الذي أشرنا إليه “. خلاصة القول: العنف الأسري هو نطاق واسع من الأفعال التي يتسبب ظهورها أو غيابها في ضرر لأفراد يشتركون في علاقة والديه، أو علاقات شخصية غالباً ما تكون طويلة المدى وتتضمن اعتماداً متبادلاً في الأمور الجسمية والمالية. – مَنْ هم ضحايا العنف الأسري؟ في حقيقة الأمر، باختصار شديد هم الأفراد الذين يقع عليهم ضرر أياً كان نوعه، منهم ما يلي: فهي تسبب لهم آثارا نفسية، مثل ” الخرس الاختياري “، ويقل لديهم شعور الانتماء ويصبحون ذوي شخصيات مضادة للمجتمع ما لم يتداركهم المحيطون بهم بالرعاية والاهتمام. – النساء: من المعروف أن المرأة تقوم بالتضحية من أجل الحفاظ على بيتها واستقرار عائلتها، وعزلهم عن المجتمع الخارجي وتحقيرهم، أو قد يكون ممارساً من خلال أفراد المؤسسات المسؤولة عن رعايتهم والعناية بهم. ثانياً- أشكال العنف الأسري: عرض (جوهان جالتج) تصنيفات عديدة للعنف يمكن أن يتمظهر إحداها في ممارسة العنف الأسري، وهي كالآتي: – العنف الهيكلي: ويقصد به العنف غير المباشر الذي يرجع إلى الظلم الاجتماعي الذي يدخل في بنيان المجتمع والطبقات المختلفة غير المتساوية، وهذا العنف إما أن يكون جسدياً أو نفسياً أو بهدف. – العنف الشخصي أو المباشر: يقصد به أن مرتكب العنف يكون دائماً له هدف. – العنف الفردي: ويقصد به العنف الذي يحدث بين الأشخاص في الحياة اليومية. – العنف الجمعي: ويتمثل في حالة الإرهاب أو الحرب. – العنف غير الشرعي: وهو العنف الذي يعاقب عليه القانون. كالعنف المرتبط بالتنشئة الاجتماعية أو بتفريغ الطاقة الغريزية أو ببعض العبادات في المجتمعات البدائية. – العنف الفيزيقي: وهو العنف المقصود الموجه لإحداث ألم في حد ذاته وهو عنيف سلبي دائماً. منه المادي المحسوس والملموس النتائج، الواضح على الضحية، لأنه لا يترك أثراً واضحاً على الجسد وإنما آثاره تكون في النفس. أ- الإيذاء الجسدي: وهو كل ما قد يؤذي الجسد ويضره نتيجة تعرضه للعنف، ولعل معظمها يكون دفاعاً عن الشرف، ج- الاعتداءات الجنسية: تعتبر جريمة القتل من أبشع أنواع العنف، الذي يشتمل على السلوكيات التالية: ب- سوء المعاملة العاطفية: غالباً ما يتضرر الناجون من ضحايا الإساءة العاطفية من احترامهم لذاتهم وتقديرهم لذاتهم. – إلقاء الضوء على مضايقاتك ومخاوفك وإنكار تأثيرها والتقليل منه والسخرية منك لتسمية المشكلة. – وصفك بأنك ” حساس جداً “، – الإذلال والتشهير علناً أو سراً. – استخدام الغيرة لتبرير أفعالهم. – توظيف حبك أو حسن نيتك ضدك – على سبيل المثال ، ” إذا أحببتني، فستفعل … “. ج- الحبس المنزلي أو انتقاص الحرية: وهو أمر مرفوض كلية لأن فيه نوع من أنواع الاستعباد، وربما هذا النوع من العنف المعنوي يمارس ضد النساء والفتيات، كما يُسمى هذا النوع من العنف بالعنف التسلطي الذي يتجسد من خلال استخدام المعنِف للطرق الرمزية ضد الفرد المعنَف، رابعاً- الاتجاهات النظرية المفسرة للعنف الأسري: يمكننا في هذا السياق استعراض أهم النظريات المفسرة لمشكلة العنف الأسري، وهي كالآتي: فالإنسان كالحيوان تسيطر عليه بعض الغرائز الفطرية تدفعه إلى أن يسلك بشكل معين إلى أن يشبعها، التي تعترض المواقف المتعددة، 3- نظرية الضغط: تقوم هذه النظرية على افتراض مؤداه أن الضغوط الحياتية تعمل بمثابة مثيرات خارجية تؤثر في بعض العمليات النفسية التي قد تدفع الشخص إلى السلوك العدواني، وتؤكد النظرية في ضوء ذلك على وجود نوعين من هذه الضغوط وهما: * النوع الأول: ويتمثل في دور أحداث الحياة غير السارة وضغوط العمل والأدوار المختلفة كمثيرات قد تدفع إلى السلوك العدواني. والضغوط الأخرى كاختراق الحدود الفردية والاعتداء على الحيز المكاني والشخصي والازدحام السكاني، حيث تؤدى المؤثرات البيئية إلى زيادة العدوان والعنف من خلال ما تحدثه من أثار نفسية أو سلوكية. ومن هنا يفرضون سيطرتهم على النساء. يعد الصراع جانباً وجزءاً مكوناً في كل الأنساق والتفاعلات بما في ذلك الأسرة والتفاعلات الزوجية، ويمكن النظر إلى أعضاء الأسرة باعتبارهم يواجهون نوعاً من المتطلبات المتعارضة، وفي الوقت نفسه المشاركة مع بعضهم البعض من أجل البقاء، فالأسرة في ضوء هذه النظرية تعد نظاماً اجتماعياً يعمل على تقنين العلاقات الشخصية المتبادلة والوثيقة من خلال عمليات مستمرة من التعارض وحل المشكلات وإدارة الصراع. تناول الكثير من المفكرين نظرية الصراع الاجتماعي، إلا أن كارل ماركس يعتبر الأشهر بينهم، وصاحب النظرية والأفكار الأكثر إثارة للجدال طوال هذه السنوات، تستند نظرية الصراع على أفكار كارل ماركس الكلاسيكية لعلم الاجتماع، بينما عدم امتلاك الملكية من الطبقة الأخرى يجعلها مكسورة معنوياً ونفسياً ولا تملك قوة ولا نفوذاً اجتماعياً. ومن هنا فهم يفرضون سيطرتهم على المرأة. أن مشكلة العنف الأسري تنبثق من خلال الأسباب الآتية: – التناقض في الأهداف داخل الأسرة يجعل الأفراد يعيشون بين أطراف متقاطعة، – وجود طبقة مالكة للثروة والنفوذ (الرجل) وأخرى فاقدة لها(المرأة). – استغلال مالكي السلطة (الرجل) أهدافَ الأسرة، لخدمة أغراضه السلطوية والذاتية من أجل تعزيز موقعه على حساب المرأة. – الحرمان الاقتصادي وعدم توزيع الثروة بشكلٍ عادل على جميع أبناء الأسرة، سيؤدي إلى خلق مشاكل، بناءً على ما تقدم يؤكد أصحاب هذه النظرية أن الصراع الطبقي من أجل الاستحواذ على الثروة والقوة والسلطة هو المصدر الرئيسي للمشكلات الاجتماعية ومن بينها العنف الأسري، والتي تخدم أهدافه بأن المرأة تابع للرجل ومكانتها تتجسد بخدمته في الحياة. وهنا نرى أن الحياة الزوجية ما هي إلا حياة يتفاعل فيها الأفراد داخل الأسرة، وأثناء هذا التفاعل يحدث صراع بين الأطراف المتفاعلة، وذلك من شأنه أن يؤدي إلى خلق ردود أفعال غير سليمة كغياب الاحترام وتدني من قيمة المرأة في الحياة الزوجية والاجتماعية، والعنف النفسي كالشتم والإهانة، والمادي كأخذ الدخل الشهري وعدم الإنفاق عليها وحرمانها من حقوقها واحتياجاتها الأساسية كالملبس والمأكل، إضافة إلى الصرامة في التعامل لعدم صرفها الأموال. وكلما ازداد تحكم الشخص في موارده سواء كانت اجتماعية أو شخصية أو اقتصادية كلما زادت قوته، ومع ذلك فإنه طبقاً لـ (وليم جود) 1971 فإنه كلما ازدادت موارد الشخص كلما قل استخدامه للقوة بشكل صريح، قد يلجأ إلى استخدام العنف للحفاظ على هيمنته داخل الأسرة، أو أنها فشلت في الحصول على الاستجابة المرغوبة، وبذلك يمكن النظر إلى العنف على أنه وسيلة لممارسة الضبط الاجتماعي من جانب الأزواج على الزوجات. 6- النظرية البنائية الوظيفية: ترتكز نظرية البنائية الوظيفية على فكرة التكامل بين الأجزاء في كل واحد، والاعتماد المتبادل بين العناصر المختلفة للمجتمع، يرى أصحاب هذه النظرية أن البناء الاجتماعي هو عبارة عن نسق كلي مترابط ومتماسك، وهو بدوره مكون من مجموعة أنساق جزئية تربطها علاقات متبادلة، فهي تفسر الظواهر الاجتماعية من خلال المؤسسات الاجتماعية، سواء كان بنية مادية أو بنية اجتماعية. تعزو هذه النظرية مشكلة العنف الأسري إلى وجود صعوبات في العلاقات الأسرية، والذي يتمثل في الضواغط والمشاكل بين الزوجين، وبالتالي يأتي العنف طبقاً لهذه النظرية نتيجة للاختلال الوظيفي داخل النسق الأسري، وأن كل أعضاء الأسرة يسهمون في حدوث العنف إذ إن كلاً من الطرفين أو الشريكين يسهمون في تصاعد الصراع، وأن كل واحد منهما يسعى للسيطرة على الآخر، وعلى هذا فإن العنف الأسري يكون ناتجاً عن وجود خلل في التفاعلات الأسرية وعدم وجود التواصل السليم بين أفراد الأسرة. أما عن الأسباب والعوامل المؤدية إلى هذه الظاهرة فيرى أصحاب هذه النظرية أن العنف الأسري هو نتيجة حتمية لجملة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية وقد مثلوها في الوضع العائلي المتدني، ظروف وضغوط العمل، البطالة، انخفاض دخل الأسرة من جهة وعدد أفراد الأسرة المتزايد من جهة أخرى، ظروف السكن غير الملائم، هذا ما يشعل فتيل العنف الأسري وبشكل يومي. وهكذا تؤثر الاضطرابات والتوترات في نسق العلاقة الزوجية في طبيعة العلاقات بين الأبناء والوالدين، مما يرتبط بظهور وتكرار ونوع وشدة ممارسات العنف الأسري. 7- النظرية التفاعلية الرمزية: يرى علماء هذه النظرية أن الأسرة يجب ألا تدرس كنموذج مثالي بل يجب أن تدرس كما هي في الحياة اليومية فليس هناك أسرتين متشابهتين لدرجة التطابق فكل أسرة لها علاقتها الخاصة بها والتي تميزها عن الأسر الأخرى. وكل أسرة لها مجموعة من الرموز والمعايير التي تعلمها لأبنائها في مرحلة الصغر وهذه الرموز والمعاني تختلف من أسرة لأخرى، فالفرد يحاول أن يستوعب الدور المتوقع منه أولاً ثم يحاول من خلال تعامله اليومي مع الآخرين إدخال بعض التعديلات على دوره وفقاً للرموز التي اكتسبها في مرحلة الصغر ووفقاً للظروف المحيطة به لذلك نجد أن كل علاقة زوجية تختلف عن العلاقات الزوجية الأخرى، وكلما كانت المعاني والرموز التي اكتسبها الزوجان من أسرهما متقاربة ساعد ذلك على تحقيق التفاهم بينهما والتصرف ضمن توقعات الآخرين والعكس صحيح، فكلما كانت الرموز والمعاني متباعدة بل متنافرة بين الزوجين أدى ذلك إلى خلق فجوة بينهما مما يؤدي إلى بروز الخلافات وانتشارها ثم التصادم، فالتفادي، والكيفية التي يرمزون بها إلى بعضهم البعض، وإلى غيرهم من الناس أو الأشياء أو الأحداث أو الأفكار أو أي شيء في الوجود. ويرى منظرو هذه النظرية أن التشتت الاجتماعي وأن أي خلل في شخصية الفرد وسلوكه الاجتماعي يؤدي إلى خلل في عملية التفاعل الاجتماعي، ما هي إلا حصيلة التفاعلات التي تقوم بين البشر والمؤسسات والنظم الاجتماعية. فالفرد يحاول دائماً أن يستوعب الدور المتوقع منه بالدرجة الأولى، فكلما كانت المعاني والرموز التي اكتسبها طرفا العلاقة متقاربة، فكلما كانت الرموز والمعاني متباعدة، أدى ذلك إلى خلق فجوة في العلاقة، ويؤدي ذلك إلى بروز خلافات وصدام، لذا يعد العنـف الموجـه ضد المرأة في سياق الحياة الأسرية سواء أكان العنف لفظياً أم جسدياً ـــــ واحداً من تلك التعبيرات الأساسية للنظرية التفاعلية الرمزية. وبهذا فإن سلوك الفرد والجماعات ما هو إلا تجسيد للرموز التي يشاهدها الفرد ويتـأثر بهـا سـلباً أو إيجاباً بشكل مباشر، وإن العمليات الإدراكية والمعرفية عند الإفراد هي التي بإمكانها معرفـة وتحديـد نـوع العلاقات بين الإفراد وباستطاعتها أن تكبح العدوان أو تسهله. كون الفرد في التفاعل الرمزي يعتمد على الدور الذي يحتله والسلوك الذي يتحلى به. وتجدر الإشارة إلى أن التفاعلية الرمزية تعاملت مع العنف بوصفه مشكلة اجتماعيـة تهـدد الاتفـاق الجماعي المشترك بشأن الواقع، إذ إن الصراع بين الإفراد والجماعات يؤدي إلى انهيار الاتصال بـين أفراد الأسرة المتصارعة، ويصبح من الصعوبة إمكانية الاتفاق بشأن القضايا المشتركة. وفيما يتعلق بأسباب العنف، نجد أن التفاعلية الرمزية قد تعارضت عن التغيرات البيولوجيـة والنفـسية، وأضحت بدلاً من ذلك بتقصي الظروف التي تحت ظلها يلجـأ النـاس إلـى العنـف فـي إدارة علاقـاتهم الاجتماعية. 8- نظرية التبادل الاجتماعي: يرى أنصار هذه النظرية أن الأفراد يدخلون مع بعضهم البعض في علاقات تبادلية فهم يتبادلون العواطف والمشاعر والآراء والأفكار والمصالح والأموال وغيرها في تبادلهم هذا هم يسعون إلى تحقيق أكبر قدراً من الربح بأقل خسائر ممكنة. وفيما يتعلق بمشكلة العنف الأسري تؤمن هذه النظرية بأن سلوك الفرد يتشكل من خلال الثواب والعقاب أو التكلفة والعائد في علاقته مع الآخرين، وبصفة خاصة فإن المرأة المعنفة داخل الأسرة على سبيل المثال قد تحاول تجنب تعنيفها (عقابها) من طرف الزوج من خلال الامتثال لأوامره وتنفيذ رغباته تعنيفها (عقابها) من طرف الزوج من خلال الامتثال لأوامره وتنفيذ رغباته والخضوع له بصورة مطلقة، وهي كالآتي: 1- نموذج العنف الشخصي: يحدث العنف عندما يفتقر الكبار المهارة في الاستجابة للضغوط والصراعات الحياتية، بالإضافة إلى وجود المشكلات الاجتماعية والمظاهر الجانبية للشخصية، 2- نموذج العنف الأسري: يركز على تأثير المعايير والقيم الموجودة في الأسرة، ومن ثم فإن الأطفال الذين يتم إيذائهم يصبحون في المستقبل آباء يؤذون أولادهم. فعندما يحظى الرجل بالنجاح والمال والمكانة، ويكون رد فعلها هو العنف، وذلك بسبب خوفها من أن تكون بمفردها، وذلك يجعل فكرة الهروب من الزواج لديها غير مستحبة، وهذا النموذج يؤكد على أن عدم وجود مأوى للمرأة وعدم اعتمادها اقتصادياً على نفسها يجعلها تنافس الرجل على السلطة والمكانة مما يؤدي إلى حدوث العنف الأسري. خامساً- المتغيرات المحددة لأشكال العنف الأسري: تنحصر في المتغيرات التالية: 1- المتغير الذاتي: يرجع إلى شخصية القائم بالعنف كأن يكون لديه خلل في الشخصية بمعاناته من اضطرا بات نفسية أو تعاطي المسكرات والمخدرات، أو يكون لديه مرض عقلي. 2- المتغير الاقتصادي الاجتماعي: وهي الظروف الأسرية التي يقوم بها القائم بالعنف التي ربما تتمثل في الظروف الاجتماعية الاقتصادية، مثل الفقر أو الدخل الضعيف الذي لا يكفي المتطلبات الأسرية، 3- المتغير الثقافي: المتمثل في كيفية قضاء وقت الفراغ، 4- المتغير المجتمعي: المتمثل في العنف المنتشر والأحداث العربية والعالمية التي تنتقل عبر الفضائيات والإنترنت وتأثيرها على العنف الأسري، سادساً- نتائج العنف الأسري: إن الأضرار المترتبة على العنف لا تنال فقط من مُورِسَ العنف عليهم فحسب، أ- نفسياً: يتسبب العنف في نشوء العقد النفسية التي قد تتطور وتتفاقم إلى حالات مرضية. وتختلف الأعراض النفسية التي يسببها العنف الأسري من فرد لآخر، إلا أنها تشمل الشعور بالذل والعار، والشعور بالاكتئاب، وعدم القدرة على حل المشكلات، وصعوبة في التركيز، وعدم التعاطف أو الاهتمام بالآخرين، وفقدان القدرة أو الرغبة بإنجاز أي مهام أو حتى التوجه إلى المدرسة أو العمل، وأخيراً قد يؤدي إلى الانتحار. ب- جسدياً: يؤدي العنف الممارس على أفراد المجتمع إلى مشكلات صحية عديدة ومنها، المرض كالصداع وآلام المعدة، أو الموت في بعض الحالات المتقدمة. ويُخلف أضراراً وجروحاً جسدية قد يكون من الصعب علاجها، كما يؤدي إلى حدوث اضطرابات في الأكل والنوم، وتدني مستويات التركيز لدى الأفراد المُعنفين، وتتعرض الضحية إلى متلازمة الوسواس القهري، إضافة إلى انعدام الثقة بالنفس أو حتى تقديرها، وانعدام الرغبة بالإنجاب والتوجه نحو عمليات الإجهاض (بالنسبة للزوجة) وحصول اضطرابات في الدورة الشهرية والخصوبة. بمعنى آخر، من خلال محاولة الفرد المعنف الانتقام من أفراد أسرته الذين مارسوا العنف عليه، أو من الأسرة التي سيكوِّنها في المستقبل. وقد يقع العنف نتيجة مرض مفاجئ لأحد أفراد الأسرة مثل الأمراض النفسية والاكتئاب أو الاختلاف بين الزوجين على أساليب تربية الأطفال، وقد يكون العنف الأسري ناتجاً عن تأثير التدخل الخارجي من أهل أحد الزوجين لحل مشكلات الزوجين. ويقع العنف الأسري نتيجة لعدم التوافق الفكري أو التعليمي أو الاجتماعي، بالتوازي والتناغم مع انعدام لغة الحوار والتفاهم بين أفراد الأسرة. فيما يؤدي الإهمال واللامبالاة بين اثنين أو أكثر من أفراد الأسرة إلى العنف الأسري أحياناً خاصة مع إدمان البعض على الاستخدام المفرط لوسائط الإعلام الاجتماعي. كما أن العنف الأسري يمكن أن يكون نتيجة لإدمان تعاطي الكحول أو المخدرات أو الأمراض النفسية. ومن أهم آثاره على الصعيد الأسري: وتماسكها، وإن استخدام بعض الآباء الشدة والعنف في التعامل مع زوجاتهم أو أبنائهم يؤدي إلى عدم العيش باستقرار وسلام، ب- الطلاق: يؤدي انفصال الزوجين الناتج عن النزاعات وعدم التوافق بين الزوجين إلى تشتت أفراد الأسرة وبالتالي تشرد الأطفال. فالطفل الذي يعيش في أسرة معرضة للعنف الأسري يكون أكثر عرضة لاكتساب السلوك العدواني ويصبح عدوانياً في معظم تصرفاته ومع مختلف الأفراد في المجتمع كأصدقائه وإخوانه وأهله. لأن الزوجة المعنفة لا تجد سبيلاً للتخلص من تعنيف زوجها سوى الخلع وهذا الأمر يؤدي حتماً إلى تفكيك الأسرة وتشققها حيث یكون في بداية الأمر تفكك داخلي أو ما يسمى بأسرة القوقعة الفارغة ويتطور ليصل إلى التصدع ثم الطلاق. حيث يميل الفرد المُعنف أسرياً إلى الهروب من ذلك في طرق كثيرة، منها مثلاً التوجه لإدمان الكحول أو المخدرات لتقليل الشعور بالألم الجسدي والنفسي، وتدمير البيئات الأسرية السليمة والصحية، كما يؤدي العنف الأسري إلى زيادة نسبة التشرد والتسول، وذلك عند لجوء الأفراد المعنفين للخروج من منازلهم دون وجود مأوى أو مصدر دخل ثابت ليتمكنوا من إعالة أنفسهم. ومن ناحية أخرى فإن المجتمع السوي غير المعرض للعنف لا يعاني أفراده من أي مستويات من التوتر والاضطراب، ويكون مجتمعاً أكثر أمناً واستقراراً. أما انتشار العنف في المجتمع فيؤدي إلى اضطرابه واختلال استقراره. وهنا يجب أن نشير إلى أن البعض يعتبر العنف الذي يمارسه ضد أسرته له سند ومبرر ديني من خلال فهمه الخاطئ لجوهر الدين، وعلى جميع الأصعدة، واستمرارها القيام بوظائفها كما ينبغي أن يكون. ثم أن هذا التنبيه لم يترك الدين الإسلامي تقديره إلى الأب بحيث يكون عقابه وفق ما يراه هو، خلاصة القول إن نتائج العنف الأسري وتبعاته تتجاوز الشخص المعنِّف والمُعنَّف، وتتجاوز حتى الأسرة إلى المجتمع ككل، بغرض اتخاذ الاحتياطات الضرورية والإجراءات الاستباقية الكفيلة بالقضاء نهائياً أو جزئياً على مسببات العنف الأسري. سابعاً– مقترحات لعلاج مشكلة العنف الأسري: في ضوء ما سبق بات مشكلة العنف الأسري تمثل خطراً على الأمن والاستقرار المجتمعي تستلزم حللاً عاجلاً وسريعاً. لذا، وهي كالآتي: 2- التأكيد على الآباء والأمهات بتنشئة أبنائهم التنشئة الدينية الصحيحة وإتباع سنة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام والاقتداء بسيرته العطرة لا سيما في تعامله مع أهل بيته. بالإضافة إلى عرض المصابين بالأمراض النفسية من أفراد الأسرة على الأطباء المختصين لعلاجهم. 5- أن يكون هناك مؤسسات متخصصة لرعاية هذه الفئة المعنفة يتوفر بها الإخصائيون الاجتماعيون والنفسيون ويكون دورها الوسيط بين المعنف وأسرته لإيجاد الاستقرار المطلوب مع توفير قناة اتصال حتى لو كانت سرية تحت مظلة رسمية. 6- وضع قوانين رادعة تتضمن التأكيد على الحق الخاص والعام وتعريف النساء والأطفال بحقوقهم وكيفية اللجوء إلى الحماية إذا تعرضوا لأي عنف أسري. ولا شك في أن المسؤولية العظمى تقع على المجتمع، فربما كان العنف نتيجة قصور المتابعة من المؤسسات الرقابية والأمنية. وإحداث برامج وقائية لحماية النساء والأطفال، خاصة لوجود عامل الضعف في هذا الجنس البشري، 7- العمل على تحسين الظروف المعيشية للأسر، وتوفير فرص عمل مناسبة لجميع القادرين عليه، وأن الواجب على كلا الزوجين مقابلة ذلك بالصبر والاحتساب، كما يجب على كل منهما معرفة ما له وما عليه من حقوق وواجبات زوجية، 9- إنشاء مراكز ووحدات استشارات أسرية في الأحياء السكنية تساعد في التخفيف من المشاكل والخلافات بين الزوجين، 10- إدخال مقرر التربية الأسرية التي تتناول معنى العنف في الأسرة وأسبابه والأساليب التربوية للتعامل معه، 11- وأخيراً، 12- من الضروري إجراء أنشطة لزيادة الترابط والانسجام الأسري ومن هذه المبادرات تلك التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2020،