والحلم الذي يتسع مع أفقه الشاسع يفكر في كلشيء حين يلعلع الرصاص الذي ما عاد لعبةالطفولة، ولا تعبير الابتهاج في الأفراح، يشعر به موجها ً إليه بالذات، يغربل جسده ويطرزه بالبقع الحمراء، َّ فيصير في لحظة لا راد لها كتلةتخلو من الحياة. تطلًع مليافي الصورة التي انطبعت حادة ومتحفزة، وجها ً فتيا ً في المرآة بشاربين منتصبين وملام لكنه رغب في شيء. ولا يدرى ماذا يفعل؟ أيرتمي بحضن أمه كما كان يفعل وهو صغير ، حين كان يضربه الولد يوسف ويأخذ منه النقود، أم يذهب إلى جده ويلقي برأسه على كتفة، أم يعود أم يذهب للحاج. والله زمان يا حاج لم أرك منذ مدة، أرفقابالسمك، وما كان قد أكمل عامه الثالث، ووضع الشاش على رأسه، الرجل يلبس الأخضر الكاكي، يلتف بمعطف ثقيل، أبي، حتى الحاج صال؟ أينتظر هو الآخر أن تعود الحياة إلى ولده الذي غرق يوما ً في البحر؟ التي وما تأكد من حقيقتها إلا حين ذهب وجده لها، هذا هو البئر الذي كنا نشرب منه، المضافة، هذا هو الجامع، هنا الساحة التي كانت تعقد فيها الأفراح، ومن هنا تبدأأرض أبي سعيد اللامي، تلك هيالمقبرة. رأسه وقرأ الفاتحة، هنا ترقد جدتك يا بني، اقرأ على روحها الفاتحة! -وهل تعتقد أننانعود هكذا؟ أكواخ من يومها حلف يمينا ً أن لا يعود لزيارتها مرة أخرى، ستعيد كل شيء حتى تلك الحكايا؟؟ شعر بالضيق إلىحد الاختناق، مد يده وفك زر قميصه وتحسس عنقه ، مرت يده على الخرزة فللأم قصصها وحكاياها أم أذرعةالضيق، أم رصاصات الموت؟ تحدث بصوت وماتوا فيه، أقرأ الفاتحة على أرواحهم جميعا. في هذه الغرفة أسلمت أمي العجوز الروح لبارئها، في هذه الغرفة وفي هذه البقعة بالذات فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا" صدق الله العظيم، منذ تلك الليلة التي نادى ابنه فيها هاتف البحر، ليلتها ألق صالىكل شباب المخيم بأجسامهم الفتيةفي الماء، حتى خيل إليه أنهم أشبه بسرب من السلمون الذي يجذف عكس التيار، صارعوا الموج الهائج ولم يعثروا له على أثر، بحرقه حارة، الحارات الضيقة والناس المتعبون. كان البحر هكذا فيما مضى، كنا نلقي بالشباك فتمتليءباللحم أما الآن فكأنه محشو بالديناميت التي تنفجر أمواجا ً هائجة ودوامات قاتلة في أية لحظة. الخوف وأشعره بشيء من الرعب الحقيقي، لماذا يكون البحر هنا قاتلاويكون هنًاك مسرحا ومطية لمراكب التنزه والمتعة؟ فلماذا يكون لزرقته لون الحداد هنا، ويكون لها لون الفرح هناك؟ لماذا يصرعونه هناك ويصرعنا هنا؟ حين ألقىبجسده المرهق على الأريكه وتطلع إلى السماء الصافية في يوم الصحو، السماء التي تراءت له بالغيوم السابحة في جوفها ككتل الموج التي تجيء وتذهب فقفزت إلى رأسه البحر من أمامكم والرب من فوقكم والجند من خلفكم، إذالأطبقت الدنيا بفكيها على روحه، الطفلة الغضة، بزرقته الناعمة، يتهادى على لوحة طالما حلم بها في الليالي التالية، حين اهتاج البحر فجأة وقذف بالمركب الصغير إلى قاعهالسحيق. الحلم حين يذهب إلى البحر، ويتطلع دون كلل إلى الأفق البعيد ليتأكد إن كان ما يراه هو الحلم أم الكابوس. يدفنون أجسادهم في الرمال، ساحات الدنيا مطارحنا أو كان يتردد في خياله فقط. أما هو فكان يقترب من الماء ويلقي بمركبه الورقي على صفحته، ويراقب بفرح اندفاعته ويرى واحتضنتهوغاصتبه في الأعماق، -هيا يا حبيبي تعال لتتناول طعامك. يفلعط في قبضتها، لكن مركبه تكون قد ابتعدت، يحملها الموج بعيدا ً في عمق المدى المائي المتلأليء بحبات الماء اللامعة مع انعكاساتشمس أيار. حين تتشقق الأرض، فترطب جوفها وتعيد إليها الحياة، وتزداد. فيصير الماء هو الموت، غريب هذا السر، في البستان يتصدى لنصف الماء المتدفق من القناة، باتجاه جده، يرفع المجرفة بيديه المعروقتين إلى ما فوق رأسه ويضرب سدود الطين عن المثالب يرقب الماء الذي يتدفق إلى جذورها الشعرية الدقيقية، كان في طفولته يجلس بالساعات أمام التينة العجوز، وإلا فما الذي يفسر، فيحصرها بين الحياة والموت، ال بجمالها الرهيب، أكثر من رحلة سعيدة تمر كلمبصر، يسير واثقا ً باتجاه حتفه، لا تبدو حياتك مهما تشبثت بها أكثر من عدد من الأيام ينقص واحدا ً تلو الآخر مع كل مغيب شمس، تأمل كثيرا ً وحاول أن يوقف سطو الأيام على جسده، وكان كلما مر عام عليه، أكان من الضروري أن يخلقنا الله صغارا ً ثم نكبر. ونشيخ. الكهولة أيضاً، ويتحول إلى أرض حمراء قاحلة، تثير الرعب والوحشة في نفسه، وفيمساء ذات يوم ذهب إلى السوق وابتاع شتلة حتى إذا فوجئت بها في الرطبة وحفر لها قرب العريش، ثم ابتسم لجده، عليه العجوز "أطال الله في عمرك يا ولدي فتأكل وأولادك وأحفادك وأحفاد أحفادك من ثمارها. *** منعته من زيارة البحر اياما ً وابقته إلى جواره، يقوم على خدمته وشد وفيذات مساء خرج لشراء بعض الدواء، في عينيها تتماوج مع ارتعاشات أهدابها الناعسة، عندما رأته يلمع الضوء المنبثق عنها والمنصب كنيزك باتجاه مركز القلب، المواجهة–التي طالما تجنبها. كان طيف اللون الساحر ينكسر ويتماوج ليس في أعماقه وحسب، بل في كل المحيط من حوله، وكأن السماء قد اقتربت من صورتها في الماء، عند حافة اللحظ الجارح، فلا تثير حرقة المشاعر التي كمنت طويلا ً في صدره فقط، بل وأيضا ً أجنحة المدى على أوسع ما يمكن لهاأن تتسع مع الأحلام والخيالات التي امتدت عبر خيط العمر الفتي وصحبة البحر الطويلة. بخفر العذراء العاشقة بصمت، تخرج من محجرها كهمسة ناعمة، النظرة مطرقة والجفن ينفت ولم يتحرك لسانها بحرف، كان جسدها فقط هو الذي يلامس الأرض، أما هي فقد حملتها ذبذبات الصوت الذي همس لتوه في أذنها على أجنحته كفراشة أخف في وزنها من رذاذ الطلع، حلقت وحلقت وحطالقمر ت على سط. بفعل العشق المتصل بين أحضانه، لو أنه يفضفض! ولكأنها قدره الذي لا فكاك له منه. ها هو يجيء. يقترب. تراه يمد يده الحنونه فيأخذها إلى حيث تمنت دائماً، تفلت دمعة صغيرة كحبة رمان على خدها، ووضعته في صدرها على جهة القلب، تنطبق به النبضاتكل الوقت، فمه وينطق: يمر عن البعد بها، حين يفت رق الحبيب ولوح بيده فرحا و محييا ترد بكل كيانها، نظراتها العاشقة إلى أن يختفي في الزقاق الجانبي. رغبة عارمة تجتاح كيانه، لأن يلقي بنفسه المتعبة من الوحدة في أحضان الناس، يلقيالتحية على هذا و يبتسم لذاك، يتذكر رفقة الطفولة وجيرة الحارة و جلسات المضافة، يضعها وهو طفل ويلقيبها في البحر فيجرفها الموج إلى مكان مجهول حتى تجمعت و صارت الذي حبت فيه طفولته، وترددت في زواياه أنفاسه، و شردت بين طياته خيالاته و أحلامه. له، وتأخذه من يده إلى قاع الطمأنينة، بين غابات اللؤلؤ، يمضي وها هي الآن تعترض طريقهبقوة لا راد لها، كالقدر الذي لا بد منه، لو يتكور و يختبيء داخلها، باله . كانت أحلامه صغيرة، لكنها عصية، لحظةفقط بالطمأنينة. سكتت برهة ثم قالت : -أما أنا فأسميك البحر عميق، هاديءعلى السط ، لكني لست متأكدة، هذا كل ما في الأمر. تشابكت أيديهما، و انطلقا كعصفورين انفتحت لهما الحياة فجأة. و قلقه لتعود إليه يوما ً قوارب لتعود يوما اسرابا ً من الحمام الأبيض الزاجل، المشنشل بأشعة الشمسًالصباحية، صديقان نحن معا نصنع الخبز و الأغنيات حبيبان نحن إلى أن ينام القمر أحبك حب القوافلواحة عشب و ماء وحب الفقيرالرغيف أما هي وقد استجابت لرغبته فوضعت كفها بكفه ، لأخرى وكانت نسائم البحر الرخوة تداعب وجنتيها فتمتليء رئتاها بالهواء النقي وتطير بخصلات -ما هذا السؤال؟ في أي وقت ربما غدا ً أو بعد غد تعلمين أنني لا أنقطع عن زيارتكم . أقصد متى ستجيء و تطلب يدي ؟ –هــا؟ -أكيد، ولكن لم العجلة؟ -أخشى عليك أن تفلت مني. -ماذا تقصد؟ وأبعدى عنا هم التفكير في النهاية. المهم أن تطول حياتنا لنتمتع بهذا العشق الدائم. *** إحساس غريب غامض ينتابه دائما فلحظات سعادته على قلتها يشعر بأنها غريبة عنه، طعم مر مرافق لحلقة، و حرقة داخلية مستمرة لا يعرف لها تأمل مليا ً الشاب والفتاة، كانا يركضان وراء بعضهما، كانت تركض بدلع أمامه، فيلقيبجسده فوقها، لكنه يستمر بتقبيلها يقوم بطمرها حتى رقبتها بالرمل، هكذا وهي سجينة، يلقيان بنفسيهما في الماء، يتوغلان في العمق حتى يبدوان كنقطة في الأفق، كان يهيج البحر، يعودان فيجلسان على طاولة بالقرب منه. -اثنين كولا. و يتأمل الجسد الرخو الرخيص، فيرى المرأة هنا أيضا غير المرأة هناك، لا يشعر بالرغبة بقدر ما يشعر باندهاش خفيف وهو يتأمل هذا العالم اللحمي العاري، كانت المرة الأولى التي يرى فيها لحما ً أنثويا ً في العمق، ماكينة الخياطة و كرسيين من الخشب، الداخلي الأصفر الشفاف للمرأة الأنيقة زوجة ضابط الشرطة، تثير في نفسه المتعة التي ما عرفها حين رآه أول مره، -طريق النساء شوك يابني، حين عاد لأخذ الزجاجتين الفارغتين كان الفتى يداعب فتاته، فطاشت قدمه فعرقلت خالد الذي البارزة تحت أنفه ، تكررت استراحات العاشقين بعد مشوار البحر اللاهب، وتكورت معها خدمته فكانت دردشة عابرة بينهما، قد هاجر حديثا ً يتحدث الإنجليزية الركيكة، وكان حالما ً مثله، دائم الحنين إلى يلعن اليوم الذي جاء فيه إلى هنا، أنت مثليإذا ً تتطلع إلى البحر ليحقق رغبتك يوماً، تحلم بأن تعود إليه، إلي! منذ ذلك اليوم كانت التحية الصباحية ترافق لقاءهما في الصباح، وتحية المساء تختم صحبة اليوم تجمعهما الصدفة ودائرة المكان ولحظات الفراغ التي يعانيها ديفيد حين لا يوفق بصحبة امرأة عارية وجاهزة لتلقي غرائزه التي لا يعلم سواها إلى أين تنتهى وما هى طبيعتها، يكاد يخم ن من طبيعته النزقة المتوترة. بالحرية الجنسية! يضعها في عنقه وكانت فحواها أنها لحبيبته التي تركها هناك في الشمال، عارضت هجرته وبقيت هناك. كانت الطائرة الورقية المزهوة بكل ألوانها حلمه الجميل الذي رافق طفولته كلما رأى مثيلا ً لها، كروح بيضاء في جسد الهي رحيم، ترتعش زعانفها مع وشوشات الهواء، فتذكره بطائراته التي كانت دائما ً من صنع يديه، الورق ويقلم أعواد البوص، ثم يلف الخيط المتصل بعقد يقوم عبر الخيط الذي يمسك بأصابعه،